تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

محاسن المكاتبات

قال كعب العبسي لعروة بن الزبير: قد أذنبت ذنباً إلى الوليد بن عبد الملك، وليس يزيل غضبه شيء؛ فاكتب لي إليه، فكتب إليه: «لو لم يكن لكعب من قديم حرمته ما يغفر له عظيم جريرته، لوجب أن لا تحرمه التفيؤ بظل عفوك الذي تأمله القلوب، ولا تعلق به الذنوب. وقد استشفع بي إليك، فوثقت له منك بعفو لا يخالطه سخط. فحقق أمله، وصدق ثقتي بك، تجد الشكر وافياً بالنعمة».

فكتب إليه الوليد: «قد شكرت رغبته إليك، وعفوت عنه لمعوله عليك، وله عندي ما يحب، فلا تقطع كتبك عني في أمثاله وفي سائر أمورك».

وكتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى بعض إخوانه: «أما بعد، فقد عاقني الشك عن عزيمة الرأي، ابتدأتني بلطف من غير خبرة، ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب. فأطمعني أولك في إحسانك، وأيأسني آخرك من وفاتك. فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطراحاً، ولا في غد انتظره منك على ثقة. فسبحان من لو شاء كشف إيضاح الرأي فيك، فأقمنا على ائتلاف أو افترقنا على اختلاف».

قال: وسخط مسلمة بن عبد الملك على العريان بن الهيثم، فعزله عن

شرطة الكوفة، فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه: «إن من حفظ أنعم الله؛ رعاية ذوي الإحسان؛ ومن إظهار شكر الموهوب، صفح القادر عن الذنب، ومن تمام السؤدد حفظ الودائع، واستتمام الصنائع. وقد كنت أودعت العريان نعمة من أنعمك، فسلبتها عجلة سخطك، وأنصفته غضبته، على أن وليته ثم عزلته وخليته، وأنا شفيعه؛ فأحب أن تجعل له من قلبك نصيبه، ولا تخرجه من حسن رأيك، فتضيع ما أودعته وتتوى ما أفسدئه». فعفا عنه، ورده إلى عمله.

قال: وغضب سليمان بن عبد الملك على ابن عبيد مولاه، فشكا إلى سعيد بن المسيب ذلك، فكتب إليه: «أما بعد، فإن أمير المؤمنين في الموضع الذي يرتفع قدره عما تقتضيه رعيته، وفي عفو أمير المؤمنين سعة للمسيئين»، فرضي عنه.

قال: وطلب العتابي من رجل حاجة، فقضى له بعضها، ومطله ببعض. فكتب إليه: «أما بعد، فقد تركتني منتظراً لوعدك، منتجزاً لرفدك. وصاحب الحاجة محتاج إلى نعم هنيئة. أو لا، مريحة؛ والعذر الجميل أحسن من المطل الطويل. وقد قلت بيتي شعر:

بسطت لساني ثم أو ثقت نصفهفنصف لساني بامتداحك مطلق
فإن أنت لم تنجز عداتي تركتنيوباقي لسان الشكر بالناس موثق»
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

قال: وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون في رجل من بين ضبة، يستشفع له بالزيادة في منزلته، وجعل كتابه تعريضاً: «أما بعد، فقد استشفع بي فلان، يا أمير المؤمنين، لتطولك علي، في إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون به؛ وأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدي طاعته. والسلام». فكتب إليه

المأمون: «قد عرفنا تصريحك له، وتعريضك لنفسك، وأجبناك إليهما، ووقفناك عليهما».

قال: وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون كتاباً يستعطفه على الجند:

«كتابي إلى أمير المؤمنين، ومن قبلي من أجناده وقواده في الطاعة والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، واختلت أحوالهم» فقال المأمون: «والله لأقضين حق هذا الكلام»، وأمر بإعطائهم لثمانية أشهر.

قال: وقدم رجل من أبناء دهاقين قريش على المأمون لعدة سلفت منه، فطال على الرجل انتظار خروج أمر المأمون، فقال لعمرو بن مسعدة:

«توسل في رقعة مني إلى أمير المؤمنين تكون أنت الذي تكتبها، تكن لك علي نعمتان». فكتب: «إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر عبده من ربقة المطل بقضاء حاجته، ويأذن له في الانصراف إلى بلده، فعل إن شاء الله». فلما قرأ المأمون الرقعة، دعا عمراً، فجعل يعجبه من حقن لفظها، وإيجاز المراد، فقال عمرو: «فما نتيجتها يا أمير المؤمنين» ؟ قال:

«الكتاب له في هذا الوقت بما وعدناه، لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه، وبجائزة مائة ألف درهم، صلة عن دناءة المطل وسماجة الأغفال»، ففعل ذلك له.

وحدثنا إسماعيل بن أبي شاكر، قال: لما أصاب أهل مكة السيل الذي شارف الحجر، ومات تحته خلق كثير، كتب عبيد الله بن الحسن العلوي، وهو والي الحرمين إلى المأمون: «إن أهل حرم الله، وجيران بيته، وآلاف مسجده وعمرة بلاده، قد استجاروا بعز معروفك من سيل تراكمت أخرياته في هدم البنيان، وقتل الرجال والنسوان، واجتياح الأصول، وجرف الأبقال، حتى ما ترك طارفاً ولا تالداً للراجع إليهما في مطعم، ولا ملبس. فقد شغلهم طلب الغذاء عن الاستراحة إلى البكاء على الأمهات والأولاد والآباء والأجداد، فأجرهم يا أمير المؤمنين بعطفك عليهم، وإحسانك إليهم تجد الله مكافئك عنهم، ومثيبك عز الشكر منهم».

قال: فوجه إليهم المأمون بالأموال الكثيرة، وكتب إلى عبيد الله: أما بعد فقد وصلت شكيتك لأهل حرم الله أمير المؤمنين فباكاهم بقلب رحمته وأنجدهم بسبب نعمته وهو متبع ما أسلف إليهم بما يخلفه عليهم عاجلاً وآجلا، إن أذن الله في تثبيت عزمه على صحة نيته؛ قال: فصار كتابه هذا آنس لأهل مكة من الأموال التي أنفذها إليهم.

قال: وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من العمل: «شكري لك على ما أريد الخروج منه شكر من سأل الدخول فيه»، قال وكتب علي بن هشام إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي: «ما أدري كيف أصنع؟ أغيب فأشتاق، وألتقي ولا أشتفي، ثم يحدث لي اللقاء الذي طلبت منه الشفاء، نوعاً من الحرقة للوعة الفرقة». قال: وكتب معقل إلى أبي دلف: «فلان جميل الحال عند الكرام، فإن أنت لم ترتبطه بفضلك عليه، فعل غيرك». وكتب أبو هاشم الحربي إلى بعض الأمراء: «غرضي من الأمير معوز، والصبر على الحرمان معجز». وكتب آخر إلى صديق له:

«أما بعد، فقد أصبح لنا من فضل الله ما لا نحصيه، مع كثرة ما نعصيه، وما ندري ما نشكر: أجمل ما نشر، أم كثير ما ستر، أم عظيم ما أبلى، أم كثير ما عفا؟ غير أنه يلزمنا في كل الأمور شكره، ويجب علينا حمده فاستزد الله في حسن بلائه، كشكرك على حسن آلائه».

وضدّه، قال الجاحظ: كتب ابن المراكبي إلى بعض ملوك بغداد:

«جعلت فداك، برحمته». قال: وقرأت على عنوان كتاب لأبي الحسن الشمري: «للموت لنا قبلة»، وقرأت أيضاً على عنوان كتاب: «إلى الذي كتب إلي».

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والأضداد»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.