من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
محاسن المخاطبات
حكوا عن ابن القرية، إنه دخل على عبد الملك بن مروان، فبينا عنده إذ دخل بنو عبد الملك عليه فقال: «من هؤلاء الفتية يا أمير المؤمنين؟» قال: «ولد أمير المؤمنين»، قال: «بارك الله لك فيهم كما بارك لأبيك فيك، وبارك لهم فيك كما بارك لك في أبيك»، قال: فشحن فاه دراً.
قال: وقال عمارة بن حمزة لأبي العباس، وقد أمر له بجوهر نفيس:
«وصلك الله يا أمير المؤمنين وبرك، فو الله لئن أردنا شكرك على أنعامك ليقصرن شكرنا على نعمتك كما قصر الله بنا عن منزلتك». قيل ودخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي على الرشيد فقال: ما لك؟ قال:
سوامي سوام المكثرين تجملاًومالي كما قد تعلمين قليل
وآمرة بالبخل قلت لها اقصريفذلك شيء ما إليه سبيل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنىورأي أمير المؤمنين جميل
أرى الناس خلان الجواد، ولا أرىبخيلاً له في العالمين خليل
فقال الرشيد: «هذا والله الشعر الذي صحت معانيه، وقويت أركانه ومبانيه، ولذ على أفواه القائلين وأسماع السامعين. يا غلام احمل إليه خمسين ألف درهم»، قال إسحاق: «يا أمير المؤمنين كيف أقبل صلتك، وقد مدحت شعري بأكثر مما مدحتك به؟» قال الأصمعي: «فعلمت أنه أصيد
للدراهم مني».
قال: ودخل المأمون، ذات يوم الديوان، فنظر إلى غلام جميل، على أذنه قلم، فقال: «من أنت؟» قال: «أنا الناشيء في دولتك، المتقلب في نعمتك، المؤمل لخدمتك، الحسن ابن رجاء»، فقال المأمون: «بالإحسان في البديهة تتفاضل العقول، يرفع عن مرتبة الديوان إلى مراتب الخاصة، ويعطي مائة ألف درهم تقوية له».
قال: ووصف يحيى بن خالد الفضل بن سهل، وهو غلام على المجوسية للرشيد، وذكر أدبه، وحسن معرفته، فعمل على ضمه إلى المأمون، فقال ليحيى يوماً: «ادخل إلى هذا الغلام المجوسي، حتى أنظر إليه فأوصله» فلما مثل بين يديه وو وقف، تحير، فأراد الكلام فارتج عليه، فأدركته كبوة، فنظر الرشيد إلى يحيى نظرة منكرة لما كان تقدم من تقريظه إياه، فانبعث الفضل بن سهل فقال: يا أمير المؤمنين إن من أبين الدلائل على فراهة الملوك شدة إفراط هيبته لسيده»، فقال له الرشيد: «أحسنت والله لئن كان سكوتك لتقول هذا إنه لحسن، ولئن كان شيئاً أدركك عند انقطاعك، إنه لأحسن وأحسن» ثم جعل لا يسأله عن شيء إلا رآه فيه مقدماً، فضمه إلى المأمون.
قال: وقال الفضل بن سهل للمأمون، وقد سأله حاجة لبعض أهل بيوتات دهاقين سمرقند كان وعده تعجيل إنفاذها فتأخر ذلك: «هب لوعدك مذكرا من نفسك وهنيء سائلك حلاوة نعمتك، واجعل ميلك إلى ذلك في الكرم حثاً على اصطفاء شكر الطالبين، تشهد لك القلوب بحقائق الكرم، والألسن بنهاية الجود»، فقال: «قد جعلت إليك إجابة سؤالي عني بما ترى فيهم، وآخذك في القصير فيما يلزم لهم من غير استثمار أو معاودة
في إخراج الصكاك من أحضر الأموال متناولاً»، قال: «إذن، لا تجدي معرفتي بما يجب لأمير المؤمنين الهناء به بما يديم له منهم حسن الثناء، ويستمد بدعائهم طول البقاء». وقال الفضل بن سهل للمأمون: «يا أمير المؤمنين اجعل نعمتك صائنة لوجوه خدمك عن إراقة مائها في غضاضة السؤال»، فقال: «والله لا كان ذلك إلا كذلك».
قال ودخل العتابي على المأمون. فقال: «خبرت بوفاتك فغمتني، ثم جاءتني وفادتك فسرتني»، فقال: «يا أمير المؤمنين! كيف أمدحك، أم بماذا أصفك، ولا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك؟»، قال: «سلني ما بدا لك؟» قال: «يداك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة».
قال: وقدم السعدي أبو وجزة على المهلب بن أبي صفرة، فقال:
«أصلح الله الأمير. إني قد قطعت إليك الدهناء، وضربت إليك آباط الإبل من يثرب». قال: «فهل أتيتنا بوسيلة أو عشرة أو قرابة؟»، قال: «لا، ولكني رأيتك لحاجتي أهلاً، فإن قمت بها، فأهل ذلك، وإن يحل دونها حائل، لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك». فقال المهلب: «يعطي ما في بيت المال». فوجد مائة ألف درهم، فدفعت إليه، فأخذها وقال:
«يا من على الجود صاغ الله راحتهفليس يحسن غير البذل والجود
عمت عطاياك من بالشرق قاطبةًفأنت والجود منحوتان من عود
وقد يجب على العاقل الراغب في الأدب أن يحفظ هذه المخاطبات، ويد من قراءتها، وقد قال الأصمعي:
أما لو أعي كل ما أسمعوأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمعتلقيل: أنا العالم المقنع
ولكن نفسي إلى كل شيءمن العلم تسمعه، تنزع،
فلا أنا أحفظ ما قد جمعتولا أنا من جمعه أشبع
وأقعد للجهل في مجلسوعلمي في الكتب مستودع
ومن يك في علمه هكذايكن دهره القهقرى يرجع
يضيع من المال ما قد جمعتوعلمك في الكتب مستودع
إذا لم تكن حافظاً واعيافجمعك للكتب ما ينفع
وقال بعضعهم: «الحفظ مع الإقلال أمكن، وهو مع الإكثار أبعد.
وتغيير الطبائع زمن رطوبة الغصن أقبل». وفيها قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوىفصادف قلباً خالياً فتمكنا
وقيل: «العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبر كالعلامة على المدر..» فسمع ذلك، الأحنف، فقال: «الكبير أكثر عقلاً ولكنه أكثر شغلاً»، كما قال:
وإن من أدبته في الصباكالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقاً ناضراًبعد الذي أبصرت من يبسه
والصبي عن الصبي أفهم، وهو له آلف، وإليه أنزع؛ وكذلك العالم عن العالم، والجاهل عن الجاهل. وقال الله تعالى: «ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً»، لأن الإنسان عن الإنسان أفهم، وطباعه بطباعه آنس.
وضده، قال: دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب، فقال:
«إني أكلت من لحوم الجوازيء، وطسئت طسأة، فأصابني وجع بين الوابلة إلى دأية العنق؛ فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الشراسيف؛
فهل عندك دواء؟» قال: «نعم. خذ خوفقاً وسربقاً ورقرقاً، فاغسله واشربه بماء». فقال: «لا أدري ما تقول»، قال: «ولا أنا دريت ما قلت».
قال: وقال يوماً آخر: «إني أجد معمعة في قلبي، وقرقرة في صدري»، فقال له: «أما المعمعة فلا أعرفها، وأما القرقرة فهي ضراط غير نضيج».
قال: وأتى رجل الهيثم بن العريان، بغريم له قد مطله حقه، فقال:
«أصلح الله الأمير! إن لي على هذا حقاً قد غلبني عليه». فقال له الآخر:
«أصلحك الله. إن هذا باعني عنجداً، واستنسأته حولاً، وشرطت عليه أن أعطيه مياومة، فهو لا يلقاني في لقم إلا اقتضاني ذهباً». فقال له الهيثم: «أمن بني أمية أنت» ؟ قال: لا. قال: «فمن بني هاشم أنت» ؟
قال: لا. قال: «أفمن أكفائهم من العرب» ؟ قال: لا. قال: «ويلي عليك! انزعوا ثيابه». فلما أرادوا أن ينزعوا ثيابه قال: «أصلحك الله، إن إزاري مرعبل». قال: «دعوه، فلو ترك الغريب في موضع لتركه في هذا الموضع».
قال: ومر أبو علقمة ببعض الطرق، فهاجت به مرة، فوثب عليه قوم، فجعلوا يعصرون إبهامه، ثم يؤذنون في أذنه. فأفلت من أيديهم، فقال:
«ما بالكم تتكأكأون علي تكأكؤكم على ذي جنة؟ افرنقعوا عني».
فقال رجل منهم: «دعوه، فإن شيطانه يتكلم بالهندية».
قال: وقا لحجام يحجمه: «اشدد قصب الملازم، وأرهف ظبة المشارط، وخفف الوضع، وعجل النزع، وليكن شرطك وخزاً، ومصك نهزاً، ولا تكرهن أبياً، ولا تردن أتياً». فوضع الحجام محاجمه في جونته، وانصرف.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع