تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

محاسن كتمان السر

قال: كان المنصور يقول: «الملك يحتمل كل شيء من أصحابه إلّا ثلاثا: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك». وكان يقول:

«سرك من دمك فانظر من تملكه». وكان يقول: «سرك لا تطلع عليه غيرك، وإن من أنفذ البصائر كتمان السر حتى يبرم المبروم». وقيل لأبي مسلم: «بأي شيء أدركت هذا الأمر» ؟ قال: «ارتديت بالكتمان، واتزرت بالحزم، وحالفت الصبر، وساعدت المقادير، فأدركت طلبتي، وحزت بغيتي؛ وأنشد في ذلك:

أدركت بالحزم والكتمان ما عجزتعنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
ما زلت أسعى عليهم في ديارهموالقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أدركت بالحزم والتدبير ما عجزت»
حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوامن نومة لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعةونام عنها تولى رعيها الأسد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «حتى علوتهم بالسيف فانتبهوا»

قال: وقا عبد الملك بن مروان للشعبي، لما دخل عليه: «جنبني خصالاً أربعاً: لا تطريني في وجهي، ولا تجرين علي كذبة، ولا تغتابن عندي أحداً، ولا تفشين لي سراً»، وقال النبي ﷺ: (استعينوا على إنجاح حوائجكم بكتمان السر فإن كل ذي نعمة محسود). وأنشد اليزيدي في ذلك:

النجم أقرب من سر إذا اشتملتمني على السّرّ أضلاع وأحشاء
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «يأبَى لِيَ الذمَّ أخلاقٌ ومكرمةٌ»

وقال غيره:

ونفسك فاحفظها ولا تفش للعدىمن السر ما يطوي عليه ضميرها
فما يحفظ المكتوم من سر أهلهإذا عقد الأسرار ضاع كثيرها
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
من القوم إلا ذو عفاف يعينهعلى ذاك منه صدق نفس وخيرها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «وما حمل البختي عام غياره»

قال معاوية بن أبي سفيان: «أعنت على علي بن أبي طالب بأربع خصال: كان رجلاً ظهره علنةً لا يكتم سراً، وكنت كتوماً لسري، وكان لا يسعى حتى يفاجئه الأمر مفاجأة، وكنت أبادر إلى ذلك، وكان في أخبث جند وأشدهم خلافاً، وكنت في أطوع جند وأقلهم خلافاً، وكنت أحب إلى قريش منه، فنلت ما شئت فلله من جامع إلي، ومفرق عنه». وكان يقال: «لكاتم سره من كتمانه إحدى فضيلتين: الظفر بحاجته والسلامة من شره، فمن أحسن فليحمد الله وله المنة عليه، ومن أساء فليستغفر الله». وقال بعضهم: «كتمانك سرك يعقبك السلامة، وإفشاؤك سرك يعقبك الندامة، والصبر على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه». وقال بعضهم: «ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده من اللصوص فيخفيه، ويمكن عدوه من نفسه بإظهاره ما في قلبه من سر نفسه وسر أخيه؛ ومن عجز عن تقويم أمره فلا يلومن إلا نفسه إن لم يستقم له».

وقال معاوية: «ما أفيشيت سري إلى أحد إلا أعقبني طول الندم، وشدة الأسف، ولا أودعته جوانح صدري فحكمته بين أضلاعي، إلا أكسبني مجداً وذكراً، وسناء ورفعة». فقيل: «ولا ابن العاص». قال: «ولا ابن العاص». وكان يقول: «ما كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك».

وقال رسول الله ﷺ: «من كتم سره كانت الخيرة في يده، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن؛ وضع أمر أخيك على أحسنه، ولا تظن بكلمة خرجت منه سواء ما كنت واجداً لها في الخير مذهباً، وما كفأت من عصى الله فيك بأفضل من أن تطيع الله جل اسمه فيه، وعليك باخوان الصدق فإنهم زينة عند الرخاء، وعصمة عند البلاء».

وحدث إبراهيم بن عيسى قال: ذاكرت المنصور، ذات يوم، في أبي مسلم، وصونه السر، وكتمه حتى فعل ما فعل، فأنشد:

تقسمني أمران لم أفتتحهمابحزم ولم تعركهما لي الكراكر
وما ساور الأحشاء مثل دفينةمن الهم ردتها إليك المعاذر
وقد علمت أفناء عدنان أننيعلى مثلها مقدامة متجاسر

وقال آخر:

صن السر بالكتمان يرضك غبهفقد يظهر السر المضيع فيندم
ولا تفشين سراً إلى غير أهلهفيظهر خرق الشر من حيث يكتم
وما زلت في الكتمان حتى كأننيبرجع جواب السائلي عنه أعجم
لنسلم من قول الوشاة وتسلميسلمت وهل حي على الدهر يسلم

وقال آخر:

أمني تخاف انتشار الحديثوحظي في ستره أوفر
ولو لم أصنه لبقيا عليكنظرت لنفسي كما تنظر

وقال أبو نواس:

لا تفش أسرارك للناسوداو أحزانك بالكاس
فإن إبليس على ما بهأرأف بالناس من الناس

وقال المبرد: أحسن ما سمعت في حفظ اللسان والسر ما روي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:

لعمرك إن وشاة الرجال لا يتركون أديماً صحيحا
فلا تبد سرك إلا إليكفإن لكل نصيح نصيحا

وقال العتبي:

ولي صاحب سري المكتم عندهمحاريق نيران بليل تحرق
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
غدوت على أسراره فكسوتهاثياباً من الكتمان ما تتخرق
فمن كانت الأسرار تطفو بصدرهفأسرار صدري بالأحاديث تغرق
فلا تودعن الدهر سرك أحمقاًفإنك إن أودعته منه أحمق
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
وحسبك في ستر الأحاديث واعظاًمن القول ما قال الأديب الموفق
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
إذا ضاق ضدر المرء عن سر نفسهفصدر الذي يستودع السّرّ أضيق

وقال خّر:

لا يكتم السر إلا كل ذي خطرفالسر عند كرام الناس مكتوم
والسر عندي في بيت له غلققد ضاع مفتاحه والباب مردوم

قيل: دخل أبو العتاهية على المهدي، وقد ذاع شعره في عتبة، فقال: «ما أحسنت في حبك، ولا أجملت في إذاعة سرك»، فقال:

من كان يزعم أن سيكتم حبهأو يستطيع الستر فهو كذوب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «من كان يزعم أن سيكتم حبه»
الحب أغلب للرجال بقهرهمن أن يرى للسر فيه نصيب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «من كان يزعم أن سيكتم حبه»
وإذا بدا سر اللبيب فإنهلم يبد إلا والفتى مغلوب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «من كان يزعم أن سيكتم حبه»
إني لأحسد ذا هوىً مستحفظاًلم تتهمه أعين وقلوب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «من كان يزعم أن سيكتم حبه»

فاستحسن المهدي شعره وقال: «قد عذرناك على إذاعة سرك، ووصلناك على حسن عذرك، إن كتمان السر أحسن من إذاعته». وقال زياد: «لكل مستشير ثقة، وإن الناس قد ابتدعت بهم خصلتان: إذاعة السر، وترك النصيحة، وليس للسر موضع إلا أحد رجلين: إما أخروي يرجو

ثواب الله، أو دنيوي له شرف في نفسه، وعقل بصون به حسبه، وهما معدومان في هذا الدهر». وقال المهلب: «ما ضاقت صدور الرجال عن شيء كما تضيق عن السر»، كما قال الشاعر:

ولربّما كتم الوقور فصرّحتحركاته لناس عن كتمانه
ولربما رزق الفتى بسكوتهولربما حرم الفتى ببيانه

وقال آخر:

إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرهافسرك عند الناس أفشى وأضيع
للشاعر عمرو بن العاص، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

لساني كتوم لأسراركمودمعي نموم لسري مذيع
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة
فلولا الدموع كتمت الهوىولولا الهوى لم تكن لي دموع

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والأضداد»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.