من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
الْمدرسَة السيبائية
عرفهَا النعيمي بِأَنَّهَا خَارج بَاب الْجَابِيَة وشمالي بِئْر الصارم والتربة بهَا والزاوية أَيْضا كَذَا قَالَ وَلَعَلَّ الصَّحِيح أَن التربة والبئر شماليها
قَالَ العلموي بناها واقفها من سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة إِلَى سنة إِحْدَى وَعشْرين وَجعلهَا جَامعا ومدرسة وزاوية وتربة عمرها بِالْحجرِ الأبلق والرخام وَلم يدع بِدِمَشْق مَسْجِدا مَهْجُورًا وَلَا مدفنا معمورا إِلَّا وَأخذ مِنْهُ من الْأَحْجَار والآلات والرخام والعواميد مَا أحب وَأَرَادَ وتقلد ذَلِك حَتَّى سَمَّاهَا عُلَمَاء دمشق جمع الْجَوَامِع ثمَّ انه لم يهنأ بهَا وسافر مَعَ الغوري إِلَى مرج دابق وتصاف العسكران بِهِ فَمَا احْتمل عَسْكَر الجراكسة لَحْظَة حَتَّى انْكَسَرَ الغوري وَقتل سيباي وَلم يدْفن بمدفنه
وَلَا يخفى مَا فِي كَلَام العلموي من التحامل والحط على الْبَاقِي لِأَنَّهُ أَخذ أنقاض الْمدَارِس المتهدمة والترب الَّتِي كَانَ بناؤها على خلاف أَمر الشَّرِيعَة المحمدية كَمَا سنوضح ذَلِك فِي أول الْكَلَام على الترب إِن شَاءَ الله تَعَالَى
هَذَا وَقد نَص جُمْهُور من الْفُقَهَاء على أَن الْوَقْف إِذا تعطلت مَنَافِعه يجوز بَيْعه واستبداله بوقف آخر وعَلى انه يجوز نقل حِجَارَة الْمَسْجِد وترابه إِذا خرب إِلَى مَسْجِد آخر وَبَعض الْفُقَهَاء الجاحدين لَا يعلمُونَ بِأَن غَالب أَدِلَّة الْفِقْه ظنية فيخطئون كل من خَالف مشربهم بل يدعونَ انه لَا حكم لله إِلَّا مَا قَالَه من قلدوه وَهَذَا من الْجَهْل والبعد عَن الْعلم أنقذنا الله من الْغَفْلَة وَأما الْمدرسَة المترجمة فَهِيَ الْآن مَوْجُودَة بِبَاب الْجَابِيَة وَقد اشتهرت باسم الْجَامِع الْمُعَلق وباسم الْجَامِع السيبائي والعوام يحرفُونَ اللَّفْظَة فَيَقُولُونَ جَامع السباهية وَلها بَاب من الطَّرِيق الْعَام يصعد إِلَيْهِ بدرج وَبَاب آخر من طَرِيق القنوات وَهِي وَاسِعَة الأرجاء متقنة الْبناء إِلَّا أَنَّهَا معطلة لَا تُقَام بهَا الْجَمَاعَة وَلَا ينْتَفع بهَا غير أَن قسما مِنْهَا قد جعل مكتبا للأطفال وَالْبَاقِي مقفل وَمَا حَقّهَا أَن يفعل بهَا هَذَا الْفِعْل لَكِن حسن موقعها وإتقان بنائها يُنَادي على أَن يَجْعَل لَهَا شَأْن عَظِيم وسيكون ذَلِك بعونه تَعَالَى
تَرْجَمَة بانيها أَنْشَأَهَا نَائِب الشَّام سيباي الَّذِي كَانَ أَمِير السِّلَاح بِمصْر وَيعلم من كتاب تحفة الناظرين انه كَانَ مقربا عِنْد الْملك الْأَشْرَف قانصوه الغوري وَكَانَ قانصوه شَدِيد الطمع كثير الظُّلم والعسف يصادر النَّاس فِي أَمْوَالهم وَإِذا مَاتَ أحد أَخذ جَمِيع مَاله فَبَطل فِي زَمَنه الْمِيرَاث وَصَارَ وَارِثا لجَمِيع رَعيته وَلم يكف ظلمه حَتَّى اتخذ مماليك يعينونه على ظلم النَّاس ثمَّ انه صَار بَينه وَبَين السُّلْطَان سليم فقصد كل مِنْهُمَا الآخر واجتمعا بعسكرين عظيمين فِي مرج دابق سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة فَوَقع الغوري تَحت سنابك الْخَيل وَانْهَزَمَ عسكره وَقتل سيباي فِي تِلْكَ الْوَاقِعَة وَكَانَ السُّلْطَان سليم هُوَ السَّيْف الْمُسَلط على الجراكسة حَتَّى أفناهم
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع