من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
ابْن الشاطر رَئِيس المؤذنين
اقول مرت عَليّ سنُون وانا متشوق لرؤية شَيْء من تَارِيخ حَيَاة هَذَا الرجل فَلم اظفر بِهِ لِأَن أَكثر المؤرخين من الْفُقَهَاء هم اعدأء لأولي الْعُلُوم الفلسفية والهندسية وَتَمَادَى بِي الْحَال الى ان رَأَيْت النعيمي يقل شَيْئا من ترجمتة عو تَارِيخ الصّلاح الصفدن وَلكنه لم يرو لي غليلا وَأَنا هُنَا أنقل مَا ظَفرت بِهِ وَلَعَلَّ الزَّمَان يطلعني على مطول أخباره قَالَ الصَّفَدِي هُوَ عَليّ بن ابراهيم بن مُحَمَّد بن ابراهيم بن حسان أبن عبد الرَّحْمَن بن حسان بن ثَابت الانصاري الأوسي ﵁ فريد الزَّمَان الْمُحَقق المتقن البارع الرضي أعجوبة الدَّهْر رَئِيس المؤذنين بالجامع الْأمَوِي قَرَأَ على عَليّ بن ابراهيم يُوسُف بن وَكَانَ يعرف بِابْن الشاطر تسمى هُوَ بذلك فَسَأَلته عَن
مولده فَقَالَ فِي خَامِس عشر شعْبَان سنة خمس وَسَبْعمائة بِدِمَشْق رايته غير مرّة وَدخلت منرلة فِي شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة لرؤية الاسطرلاب الَّذِي ابدع وَضعه فَوَجَدته قد وَضعه فِي قَائِم حَائِط فِي منزله دَاخل بَاب الفراديس فِي درب الطيار ورايت هَذَا الاسطرلاب فَأَنْشَأَ لي طَربا وجدد لي فِي المعارف رَأيا وَقلت ان من تقدمه من الافاضل عِنْد جبل علمه الراسخ هباء وَلَو رَآهُ اقليدس لما كَانَ عِنْده الا نقطة من خطه أَو أرشميدس لرَأى شكله قطاعا فِي تحريره وَضَبطه فسبحان من يفِيض على بعض النُّفُوس مَا يَشَاء من الْمَوَاهِب ويجدد فِي كل عصر من يحيي رسوم الْفضل الَّذِي عدم فِي اللَّيَالِي الذواهب وَصُورَة الاسطرلاب الْمَذْكُور قنطرة مِقْدَار نصف أَو ثلث ذِرَاع تَقْرِيبًا يَدُور أبدا على الدَّوَام فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة من غير مَاء على حركات الْفلك لكنه قد رتبها على أوضاع مَخْصُوصَة تعلم منا السَّاعَات المستوية والساعات الزمانية هَذَا كَلَام الصَّفَدِي ﵀ قَالَ النعيمي والى هَذَا الْفَاضِل ينْسب عمل المنحرفتين فِي مئذية الْعَرُوس انْتهى
قلت الَّذِي يلوح لي أَن الَّذِي دَعَاهُ الصَّفَدِي الاسطرلاب لَيْسَ هُوَ الاسرلاب الْمَشْهُور لَان هَذَا ميزَان الشم س واختراعه كَانَ قبل زَمَنه بألوف من السنين وَلكنه الْآلَة الْمُسَمَّاة فِي زمننا بالساعة وَيكون أبن الشاطر هُوَ المخترع لهَذَا النَّوْع الْعَظِيم الْفَائِدَة ثمَّ ان أهل بِلَادنَا أهملوه هُوَ واختراعه حينا من الده ر حتي ظفر بنخب أفكاره الافرنج فهذبوه واتقنوه فنسب اليهم على أَن اختراعه يزِيد على مَا تفننوا بِهِ بِمَعْرِِفَة الزمانية التيتقسم كلا من النَّهَار وَاللَّيْل إِلَى اثنى عشر قسما فِي جَمِيع الْفُصُول فَللَّه فِي خلقه شؤون واما المنحرفتان فقد بَقِيَتَا الى حُدُود تسعين وَمِائَتَيْنِ والف فِي مئذنة الْعَرُوس وَفِي أَثْنَائِهَا كَانَ شَيخنَا الشَّيْخ مُحَمَّد الشهير بالطنطاوي اماما فِي فيالهيئة والميقات فِي دمشق فَنظر فِي هَاتين المنحرفتين فَرَأى وضعهما قد اخْتَلَّ لمرور السنين وَاخْتِلَاف الرِّيَاح والامطار عَلَيْهِمَا وبينما هُوَ يحرر وضعهما اذا بالبلاطة قد انْكَسَرت فشرع بانشاءمنحرفتين على نمطهما حَتَّى أتمهما غير أَنه رسمهما على الْأُفق الْحَقِيقِيّ فاختل الْعَمَل بهما وَلم ينْتَفع بهما كالاولتين وَقد حصل لَهُ أثْنَاء الْعَمَل معاكسات من أهل دمشق وهجاه بعض ذَوي الخلاعة وَالْعقل المنحرف ثمَّ انه رسم منحرفتين على الافق المرئي وَوَضعهمَا فِي جَامع الدقاق وَكَانَت وَفَاته سنة
قلت وَله رِسَالَة سَمَّاهَا النُّجُوم الزاهرة فِي الْعَمَل بِالربعِ الْمُجيب بِلَا مري وَلَا دَائِرَة وَله الزيج الْمَشْهُور ذكره صَاحب كشف الظنون ورايته انا أَيْضا وطالعت فِيهِ وَاخْتَصَرَهُ شمس الدّين الْحلَبِي وَسَماهُ الدّرّ الفاخر وَصَححهُ الشَّيْخ شهَاب الدّين احْمَد بن غُلَام الله بن احْمَد كاسب الكومي الديشي بِجَامِع الْملك الْجَدِيد وَسَماهُ نزهة النَّاظر فِي تَصْحِيح زيج ابْن الشاطر ثمَّ اخْتَصَرَهُ وَسَماهُ اللمْعَة فِي حل الْكَوَاكِب السَّبْعَة ولخصه أَيْضا مُحَمَّد بن عَليّ ابراهيم الشهير بِابْن زُرَيْق الخيري الشَّافِعِي الموقت وَسَماهُ الرَّوْض العاطر فِي تَلْخِيص زيج ابْن الشاطر وقرات فِي رِسَالَة الْعَمَل بِالربعِ الْمُجيب بِلَا موري تصنيف الشَّيْخ جلال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الْجُوَيْنِيّ مالفظه اعْلَم اني لما وجدت غَالب مَا يحدث من الْخلَل فِي الرّبع الْمُجيب الموري وَذَلِكَ لِأَن الْخَيط اذا شدّ تحول الموري عَن مركزه وَكَذَلِكَ اذا أرخي فتختلف الاعمال وَلَا تكون غَالِبا الا تقريبية وَلم أجد مَا يَفِي باصلاح ذَلِك مَعَ ان الْعَلامَة الشَّيْخ عَلَاء الدّين ابْن الشاطر رَحمَه الله تَعَالَى وضع رِسَالَة فِي الْعَمَل بِالربعِ الْمُجيب بِلَا موري لكنه قَيده فِي غَالب الاعمال بعرضدمشق وَمَعَ ذَلِك زَاد فِي أوضاع الرّبع المدارات الثَّلَاث وخطي الطول وَالْعرض والمدارات اليومية ثمَّ جَاءَ بعده تِلْمِيذه شمس الدّين الخليلي وَأصْلح من ذَلِك شَيْئا يَسِيرا لَكِن سلك فِي ذَلِك طرقا يعسر فهمها على المبتدىء وَلَا يفْتَقر اليها المنتهي وَنقل عَنهُ من ذَلِك شَيْئا يَسِيرا الْعَلامَة الشَّيْخ بدر الدّين سبط المارديني فِي ستينيته وَلَو اهْتَدَى الى هَذِه الطَّرِيقَة الَّتِي سلكتها فِي هَذِه الرسَالَة لما صدر رسَالَته بأعمال الموري وَقد يسر الله وَله الْحَمد والْمنَّة مَا صَعب على أولئكالافاضل وعسر على كل لَبِيب كَامِل مَعَ أَنِّي سلكت فِي أَعمال هَذِه الرسَالَة من الطّرق أسهلها وَمن الاعمال أَصَحهَا وَمن الْوُجُوه أقربها هَذَا كَلَامه وَمِنْه يعلم ان ابْن الشاطر هُوَ المخترع لهَذَا الْعَمَل وَأَن لمن بعده التَّهْذِيب والتقريب وَكَفاهُ بذلك افتخارا انتهي
اقول ثمَّ اني اطَّلَعت لَهُ على رِسَالَة مُطَوَّلَة سَمَّاهَا تسهيل اليواقيت فِي الْعَمَل بصندوق النواقيت وَهِي آلَة اخترعها وَجعل هَذِه الرسَالَة لبَيَان الْعَمَل بهَا فَعلمت مِنْهَا ان لَهُ اختراعات كَثِيرَة فِي هَذَا الْفَنّ ورايت لَهُ رِسَالَة تحتوي على خمس وخمسينومائة مَسْأَلَة من الْأَعْمَال الفلكية بناها على طَريقَة فن الْجَبْر وَفِي كشف الظنون انه توفّي سنة سبع وَسبعين وَسَبْعمائة
وَقَالَ فِي شذرات الذَّهَب فِي حوادث سنة خمس وَسبعين وَسَبْعمائة عَليّ بن ابراهيم
ابْن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي ابْن الشاطر وَيعرف أَيْضا بالمطعم الفلكي كَانَ أوحد زَمَانه فِي ذَلِك مَاتَ أَبوهُ وَله سِتّ سِنِين فَكَفَلَهُ جده واسلمه لزوج خَالَته وَابْن عَم ابيه عَليّ بن ابراهيم فَعلمه تطعيم العاج وَتعلم علم الْهَيْئَة والهندسة والحساب ورحل بِسَبَب ذَلِك الى مصر والاسكندرية وَكَانَت فضائله لاتنكر وَكَانَ لَا يفخر بِعُلُومِهِ وَله ثروة ومباشرات وَدَار من أحسن الدّور وضعا وأغربها وَله الزيج الْمَشْهُور والاوضاع الغريبة الْمَشْهُورَة الَّتِي مِنْهَا الْبسط الْمَوْضُوع فِي مَنَارَة الْعَرُوس بِجَامِع دمشق يُقَال ان دمشق زينت عِنْد وَضعه فِيهَا انْتهى
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع