تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

جَامع العسالي

هَذَا الْجَامِع عمره أَحْمد باشا كوجك الْمُتَوفَّى سنة سِتّ واربعين والف بِالْقربِ من قَرْيَة الْقدَم خَارج دمشق سنة خمس واربعين والف وَجعل فِيهِ تكية ووقف عَلَيْهَا قرى من ضواحي صيدا وبعلبك وَالْحق بذلك سِتِّينَ جُزْءا بالجامع الْأمَوِي وتعيينات لأهل الْحَرَمَيْنِ وَبنى سَبِيلا بِالْقربِ من تِلْكَ الْعِمَارَة عَظِيم النَّفْع وارخه بعض الأدباء بقوله

(أنشأ الْوَزير للوفود منهلا ... لوجه مَوْلَاهُ اذا وافى غَدا) (وانشد الْوَارِد فِي تَارِيخه ... هَذَا السَّبِيل الأحمدي قد بدا)

قَالَه المجي فِي خُلَاصَة الاثر وَكَانَت عِمَارَته لأجل الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ الحريري العسالي شيخ الخلوتية بِالشَّام قَالَ المحبي وَكَانَ العسالي عابدا زاهدا مُتَّفقا على صَلَاحه وَكَانَ وَالِده كردِي الأَصْل قدم من بِلَاد حَرِير وَنزل بقربة عَسَّال من ضواحي دمشق فولده لَهُ بهَا أَحْمد هَذ فَدخل دمشق فِي صباه وَأخذ بهَا عَن بعض صوفيتها ثمَّ ارتحل الى حلب ثمَّ إِلَى عينتاب فلقي بهَا الشَّيْخ شاه ولي الخلوتي فَأخذ عَنهُ الطَّرِيقَة الخلوتية وَرجع الى دمشق وَسكن بصالحيتها مُدَّة مديدة وَكَانَ نواب الشَّام وقضاتها وأعيانها يسعون اليه وَرُبمَا أَخذ بَعضهم الطَّرِيق عَنهُ وَأخذ عَنهُ من أهالي دمشق وَغَيرهَا خلائق لَا يُحصونَ وَلما عمر لَهُ أَحْمد باشا كوجك تكيته الْمَشْهُورَة نَقله اليها سنة سِتّ وَأَرْبَعين فأزداد اشتهارا الى أَن توفّي ثامن عشر ذى الْحجَّة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بهَا

وترجمه المحبي بترجمة مُطَوَّلَة وَوَصفه بالعابد الزَّاهِد وارتقى فِي مدحه الى انه وصل الى مقَام القطبية ثمَّ قَالَ والعسالي بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَبعدهَا سين مُهْملَة والف وَلَام نِسْبَة الى قَرْيَة من قرى الْجُبَّة من نواحي دمشق وَكَانَت طَرِيقَته خلوتية قَالَ والخلوتية معروفون ونسبوا الى الْخلْوَة لانها من لَوَازِم طريقتهم ثمَّ أَفَاضَ فِي ذكر القطب والغوث وَنقل كَلَام الاستاذأيوب فِي رسَالَته الاسمائية فِي كَيْفيَّة الْخلْوَة ولسنا الْآن بصدد ذكر ذَلِك فليراجعه من أحب زِيَادَة الِاطِّلَاع

تَرْجَمَة واقفها قَالَ المحبي فِي تَارِيخه خُلَاصَة الاثر مَا ملخصه أَحْمد باشا الْوَزير الْكَبِير الْمَعْرُوف بكوجك أَحْمد الارنؤودي أحد الوزراء الْمَشْهُورين بالشجاعة وَشدَّة الْبَأْس وَحسن التَّدْبِير وَكَانَ عَارِفًا بأحوال الحروب كَانَ أَولا خامل الذّكر ثمَّ نَهَضَ بِهِ الْحَظ حَتَّى صَار بكلربكيا وَتَوَلَّى حُكُومَة سيواس ثمَّ ورد دمشق حَاكما بهَا أَولا سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَبعد ماعزل عَنْهَا ولي حُكُومَة كوتاهية فنجم فِي بِلَاد الرّوم الياس باشا وَأظْهر العقوق للدولة العثمانية وَذَلِكَ أَيَّام السُّلْطَان مُرَاد فعينه السُّلْطَان لمحاربته فَسَار اليه وقابله وفتك بِهِ واسره غنم مِنْهُ غَنَائِم كَثِيرَة وَعَاد بِهِ الى الابواب السُّلْطَانِيَّة فَأكْرمه السُّلْطَان لذَلِك وفوض اليه ثَانِيًا كَفَالَة دمشق وَكَانَ ذَلِك سنة اثْنَتَيْنِ واربعين والف وخلع عَلَيْهِ خلعة الوزارة وعينه لمقاتلة الامير فَخر الدّين بن معن وَقد كَانَ خرج

عَن طَاعَته السلطنة وَملك كثيرا من القلاع الَّتِي فِي ضواحي دمشق وَتصرف فِي ثَلَاثِينَ حصنا وانضم اليه من طائفه السكبان خلق عَظِيم وَلما وصل المترجم الى الشَّام جمع اعيان الْعلمَاء وكبراء الْعَسْكَر فَقَرَأَ عَلَيْهِم الفرمان فأذعنوا لطاعته وانضم اليه أُمَرَاء الاطراف ونائب حلب فَخرج بِمن مَعَه ثَانِي صفر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين فخيم بمعسكره بِالْقربِ من قَرْيَة الْكسْوَة ولمت تَكَامل الْجمع رَحل الى قره خَان وَكَانَ بنوالشهاب يسكنون وَادي تيم الله بن ثَعْلَبَة فَأرْسل شرذمة من الْعَسْكَر لمنازلتهم لأَنهم منبع الشقاوة فَسَارُوا الى جَانب حاصبيا وريشيا فَالتقى العسكران وَكَانَ الْأَمِير عَليّ بن فَخر الدّين أَمِير صفد مَعَ الشهابية وَبعد حَرْب طَوِيل ظفر الْعَسْكَر بالشهابيين وَقتل الامير عَليّ وَجِيء بِرَأْسِهِ الى الْوَزير أَحْمد فسر بذلك وَكَانَت الْغَنِيمَة عَظِيمَة والقتلى والأسرى كَثِيرَة وَلم ينج الا شرذمة يسيرَة ثمَّ سَار أَحْمد باشا بعساكره الى الْبِقَاع العزيزي وافتتح قلعة قبر الياس وَكَانَ فَخر الدّين فِي قلعة جزين فحاصرها الباشا فَلَمَّا راى قخر الدّين انه مَأْخُوذ خرج من القلعة وأتى احْمَد باشا طَائِعا فَقبض عَلَيْهِ واتى بِهِ الى دمشق ودخلها بموكب حافل وفخر الدّين خَلفه مُقَيّد على فرس فَكثر دُعَاء النَّاس للباشا ومدحه شعراء دمشق بالقصائد واكثروا من التواريخ ثمَّ ارسل ابْن معن الى مقرّ السلطنة فَقتل هُنَاكَ وأحاط أَحْمد باشا بِمَالِه من الاملاك وَالْعَقار واواني الذَّهَب والفضه وآلات الْحَرْب ووقف قراه وأملاكه على التكية العسالية ثمَّ طلبه السُّلْطَان الى محاربة الْعَجم فِي قلعة روان وعزل عَن حكومه دمشق ثمَّ أُعِيد اليها قَرِيبا وامر بمحافظة الْموصل وَعين مَعَه عَسْكَر الشَّام فحافظوا مُدَّة ثمَّ مرض فِي اثناء الْمُحَافظَة وَأَرَادَ المقاومة لشاه الْعَجم عَبَّاس شاه فَمَا ساعده الْقدر فَقتل وَأسر غَالب من مَعَه من العساكر وَأرْسل راسه الى دمشق فَدفن فِي تكيته الْمَذْكُورَة وَكَانَ قَتله فِي ربيع الثَّانِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين والف ﵀

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.