من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
أسرة مطران
بك ثمّ نقيب السادة الأشراف، وقد دُعينا من جانب الأوّل لتناول طعام العشاء عنده في مساء ذلك اليوم فأجبناه شاكرين له حسن عنايته ومعروفه. وحين فرغنا من تلك الزيارات ذهبنا، وكنّا إذ ذاك في وقت العصر، إلى التروّض والفسحة في روضة أنيقة يمرّ في وسطها نهير غاية في العذوبة والصفاء. وقد اِجتمع لأجلنا هنالك عدد كبير من الفرسان على خيلهم الجميلة، ثمّ أخذوا يلعبون أمامنا على جملة كان منها طريقة الهجوم. وكان البعض من تلك الخيل حرورياً كريماً، فسررت كثيراً من ألاعيبهم. وأكثر ما سرّني أنّي شاهدت بين هؤلاء
الفوارس جملة من الشبّان الأحداث الّذين لا يزيد عمر أكبرهم عن ١٤ سنة، وكانوا يلعبون ألاعيب مدهشة بمهارة فائقة. وقد مكثنا نشاهدهم معجبين بما كانوا يأتونه من ضروب الفروسية، ريثما جيء لنا بالقهوة. ثمّ ذهبنا إلى حضرة أسقف المذهب الأرتدكسي (وهذا المذهب يحتمي أبناؤه بحماية دولة الروسيا) فاِستقبلنا حضرته اِستقبالاً جميلاً مع بعض رجاله. ومُذ جلسنا قام شاب من تلاميذ مدرستهم وألقى بين يدينا خطابة رشيقة اللفظ كانت تنحصر عباراتها في الترحيب بنا وبيان ما شمل القوم من السرور بزيارتنا لبلدهم. فشكرنا لحضرة الأسقف وحاشيته لطفهم وأدبهم، ثمّ خرجنا من عندهم مودّعين بكلّ حفاوة واِحترام حيث قصدنا إلى بيت آل مطران.
أسرة مطران
هي أسرة كبيرة قديمة كاثوليكية المذهب، هاجرت من زمن بعيد من حوران إلى الشام، ثمّ توطّنت بعلبك، ولم تزل فيها منذ أربع مائة سنة. ويحكى أنّ جدّ هذه الأسرة كان المطران أبيفانيوس، أسقف بعلبك الّذي حضر المجمع الأسقفي المعقود في
قرية الراس ضد البطريرك مكاريوس الدبّاس في سنة ١٦١٨. وممّا ثبت بشهادة البطريرك مكاريوس الحلبي أنّ المطران أبيفانيوس المذكور كان ذا أولاد، فمن سلالته آل مطران الّذين نحن بصددهم. ولهذه الأسرة الّتي مضى عليها نحو أربع مائة سنة، وهي في بعلبك تتناوب المجد وتتوارث الفضل والنبل إلى اليوم، تاريخ طويل رأينا أن نكتفي منه بالقدر الّذي ذكرناه ليعرف القرّاء من هم آل مطران الّذين دعونا، ونحن ذاهبون إليهم الآن إجابة لدعوتهم. ومذ وصلنا إلى بيتهم، رأيناه من أجمل البيوت، وكان فوق حسنه الذاتي وجماله الموضعي غاية في الزخرف والزينة، وفيه ثريّات كثيرة يكاد يبيضّ منها وجه الليل الحالك. وحين جلسنا في قاعة الاستقبال، جاء إلينا حضرة البك يعرفنا بقرينته المصونة
على حسب العادة، ثمّ دعينا على المائدة، وإذ ذاك أخذوا يشعلون السواريخ ذات الألوان البديعة الّتي كانت تمثل في صعودها وهبوطها جملة أشياء مختلفة رائعة حتى انتهينا من تناول الطعام الشهي وخرجنا إلى مجالسنا ريثما تعاطينا القهوة.
ثمّ اِنصرفنا مودّعين من تلك الأسرة الكريمة بمثل ما اِستقبلنا به حيث ذهبنا لا وجهة لنا إلا الفندق، ثمّ ما لبثنا هناك أن جاء إلينا جناب ميخائيل أفندي موسى ألوف البعلبكي، مدير مصلحة الآثار التاريخية في مدينة بعلبك فاستقبلناه وقد عرّفنا بنفسه ووظيفته فسررت من هذا التعريف، لأنّي كنت مصمّماً على زيارة الأثر الغريب في هذا البلد، وهو المسمّى بقلعة بعلبك أو المعبد القديم. أمّا هذا الزائر، فقد كان عالماً أثريّاً يكاد يتوقّد فطنة وذكاء، عرفت ذلك ممّا كان يدور بيني وبينه من الكلام الّذي كان يتناول بعض العموميات تارة وبعض الخصوصيات تارة أخرى. ثمّ إنّه خرج من عندنا على نية أن ينتظرنا عند الأثر ليرشدنا فيه إلى ما عساه يخفى علينا، وعلى ذلك انتهت رحلة اليوم الأول في تلك المدينة. ولمّا جاء صباح اليوم الثاني توجّهنا إلى زيارة القلعة، وكان في اِنتظارنا هناك مدير الآثار المذكور فأخذ يسرد لنا قصّتها وتاريخها من أوّل الأمر إلى آخره، ويشرح عجائبها وغرائبها شرحاً وافياً
ضافياً. ومن ذلك أن هذه القلعة أو المعبد القديم كان قبل الآن مغموراً معظمه بالأنقاض والأتربة، حتّى ما كان يظهر من معالمه الأثريّة المدهشة سوى جزء صغير، وما زال كذلك حتّى أتاح الحظ لبعلبك أن زارها جلالة غليوم الثاني إمبراطور الألمانيين. ومذ رأى أنّ المعبد كما وصفنا ليس ظاهراً منه إلا شيء قليل، توجّهت همّته لكشف هياكله وإظهار تماثيله ومعالمه ليعود إلى سيرته الأولى، فوجّه من أجل ذلك بعثة علمية تتألّف أعضاؤها من خير مهندسي حكومته ويرأسها أحد مشاهير العلماء، فأخذت هذه البعثة في البحث والتنقيب عن الآثار تحت أطباق الردم والتراب حتّى كشفت ما هنالك
للرومان والأوثان، وما تمّ على يد البيزانطيين ودين المسيح، ثمّ ما زاده من البناء غزاة الإسلام. ويقال إن هذه البعثة الألمانية استمرت تشتغل في تلك المهمّة نحو سنتين، وأنّها اشترطت أن تأخذ لنفسها في نظير ذلك العمل كلّ ما تعثر عليه من الآثار ذات القيمة متى كان يمكن لها نقله من جهة إلى أخرى. وقد ذكر لنا أيضاً أن العرب والأتراك كانوا قد اتّخذوا حصنهم الحصين من ذلك المعبد مدّة حرب الصليبيين، وأنّهم هدموا ما كان يحيط به من البناء الّذي كان يستطاع تسلّقه وكان غرضهم من ذلك تحصين القلعة وزيادة منعتها.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع