من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
قلعة بعلبك
هذه القلعة قائمة في الجهة الغربية من المدينة، وهي مغطّاة بآثار المعبدين، وقد تقدّم ذكرهما. قصدنا إلى تلك القلعة، وقد كنّا قبل أن ندنو منها نشاهد منظراً ضخماً وبناء شاهقاً لم نر له مثيلاً، فما برحنا نردّد النظر حوله حتّى إذا صرنا منه على مسافة أمتار، أفزعنا شكله في مجموعه وروّعنا ما رأيناه من أصوله وفروعه، وما زال يزداد عجباً وتعظم دهشتنا كلّما تدانينا منه حتّى بلغنا إليه، فرأينا ذلك المنظر المهول وقد تحلّلت جملته وتفكّكت كليته بين حديقة وأغراس جميلة إلا أنّها من الأوضاع الحديثة. رادنا رئيس الآثار إلى القلعة حيث دخل بنا إليها من باب كبير على جانبه من اليسار واليمين بابان صغيران، فوصلنا إلى ساحة مسدّسة الشكل وفي جميع جوانبها آثار أعمدة يفيد ظاهرها وبعض شيء لا يزال باقياً عليها أنها
كانت مكسوة (بالموزاييك) وعند كلّ من الجانبين الشرقي والغربي حُجر صغيرة حوّلها العرب إلى حصون ومنافذ ضيّقة لإرسال السهام. ومن تلك الساحة المسدّسة يدخل إلى ساحة المذبح بعد اجتياز ثلاثة أبواب، منها اثنان متهدّمان أمّا الثالث، وهو أصغرها، فلم يزل قائماً على حاله. ويظهر أيضاً أنّ هذه الساحة كانت محاطة بأعمدة مثل الّتي تقدمتها، وأنّه لا يزال يوجد فيها
آثار بعض غرف على الجانبين الشمالي والجنوبي، وقد تأمّلنا الجدران في الساحتين فوجدناها آخذة من الزخرف والزينة بالصناعة الدقيقة ما يفوق الوصف. ثمّ إن في تلك الجدران محاريب كانت معدّة لوضع الأصنام، ولم يزل بعض الحجرات إلى اليوم مسقوفاً وحافظاً لشيء من جمال سقوفه. ويظهر أن تلك الغرف كانت معدّة لإيواء بعض زائري المعبد. وفي وسط الساحة تقريباً يوجد مذبح كبير لم يظهر إلا نصفه وبعض الدرج التي كان الكهنة يقفون عليها عند تقديم القربان، أمّا النصف الثاني من ذلك المذبح فلا أثر له، ويقال إنّه هدم لإدخاله ضمن الكنيسة التي بناها بيتودوز. ويوجد على المذبح حوض المعمودية الّذي صنعه الإمبراطور المذكور أيضاً وفي جنوب ذلك الحوض يوجد حوض آخر يظهر أنّه كان للاستحمام، ولم يبق إلا شيء قليل من آثار المعبد الكبير الّذي كان مخصّصاً بجميع آلهة اليوبوليس، وأهمّ هذه البقية ستّة أعمدة هائلة ويوجد في الجنوب الشرقي من هذه الأعمدة معبد باكيس وهو يكاد يكون وحده الأثر المحفوظ وربّما كان من أحسن الآثار القديمة في جميع البلاد السورية، وهو مستقل تمام الاستقلال عن المعبد الكبير وأقلّ منه ارتفاعاً وليس له ساحة، ويصعد إليه بسلّم ذي ثلاث درجات، وسقفه مصنوع بغاية الإتقان يمثل مسدّسات فيها بعض صور محي معظمها بمرور الزمان. وفي الجهة الغربية توجد أعمدة لا تزال باقية حتّى الآن، ويوجد في تلك الجهة نفسها بعض قطع هائلة من السقف. ومن الجهة الشرقية يوصل السلم المذكور سابقاً إلى دهليز على جانبيه أعمدة، ومن ذلك الدهليز يصل السائر إلى باب المعبد الداخلي وهو باب جميل الصنع جدّاً، وعلى جانبي الباب الكبير بابان صغيران، وبأعلاهما يمتدّ على طول الجدار إفريز جميل، يظهر أنّه كان مزداناً بنقوش بارزة. أمّا الهيكل الداخلي فقد رأيناه متهدّماً إلا أنّه في الجهة الشمالية كان أقلّ تهدّماً منه في الجهة الجنوبية، على أنّ النقوش
الّتي كانت على هاتين
الجهتين لا تختلف عنها في بقية الجهات، كما أن ما رأيناه من تيجان الأعمدة في كلّ جهات المعبد كان أيضاً لا يمتاز عن تيجان الأعمدة في تلك الجدران، ورأينا أيضاً عدّة محاريب كانت لوضع الصور والتماثيل. وقد وضع في إحداها لوحة من الرخام منقوش فيها كتابة بالتركية والألمانية تذكاراً لزيارة إمبراطور ألمانيا. ويوجد أمام واجهة هذا المعبد مبان عربية حديثة العهد، بعضها مبني بأنقاض أخذت من نفس القلعة. ويؤخذ من شكلها أنّها كانت حصوناً وكانت في الأصل أقبية، ويقال إنّهم كانوا جعلوها كذلك بقصد أن تكون مخازن. وفي طريق العرب الموصل إلى تلك الحصون توجد عدة غرف متقنة الصنع جميلة النقوش. ثمّ إن آثار المعبد الكبير كانت محاطة بسور هائل على بعد عشرة أمتار من المعبد، وكان هذا الفضاء مملوءا بأحجار ضخمة كما يشاهد ذلك في الجهة الشمالية. ويظهر أنّ هذه الأحجار الكبيرة كانت مهيأة لأن تستعمل في مبان أخرى. ويوجد في تلك الجهة حفرة يمكن لمن نزل إليها أن يرى الأحجار العظيمة التي كانوا وضعوها في أساس البناء. أمّا ذلك السور الخارجي، فإنّه مبني بحجارة خارقة للعادة، إذ يبلغ سمك الحجر الواحد منها أكثر من أربعة أمتار. وفي الجهة الشرقية للقلعة يقوم المعبد الصغير المسمّى معبد الزُّهَرة، وهو مستدير الشكل ويصعد إليه بسلّم واقع في الجهة الشمالية منه. وهو معبد جميل، في داخله رقوش بديعة ونقوش مشابهة لنقوش المعابد القائمة في القلعة، وفيه أيضاً محاريب لوضع التماثيل. وكان ظاهر هذا المعبد أجمل من باطنه، فإنّه يحيي ذكرى الصناعة الرومانية في العصور المتأخّرة، ثمّ هو خماسي الشكل وجوانبه مستديرة في الداخل، وتحيط به من الخارج أعمدة على رؤوس الزوايا، وبأعلى الجدار إفريز مزخرف بإكاليل الزهر. وقد استعمل هذا المعبد فيما سبق كنيسة رومية، كما يدل على ذلك بقايا الصلبان الّتي لا تزال آثارها ظاهرة على الجدران.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع