من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
تاريخ المدينة
أصل مدينة بعلبك غير معروف وقد وجد اِسمها ضمن كتابة قديمة عثر عليها في الآثار الأشورية والمصرية ويؤخذ من هذه الكتابات أنّ المدينة كانت مخصّصة بعبادة الإله بعل، وكان اليونان يقولون أن بعلاً هذا هو نفس إليوس إله الشمس ويفسّرون بعلبك ب (اليوبوليس)، ولما أن جاء الرومان قالوا أن إليوس هو المشتري وكانوا يمثّلونه بشاب أمرد أمامه ثوران وفي يمينه سوط وفي يساره صاعقة وبعض من سنابل القمح وفي عهد الملك أوغيست اعتبرت المدينة مستعمرة رومانية كما يدلّ على ذلك بعض نقود القرن الأوّل الّتي وجدت تحت الجدران، وفي عهد الملك أنطنيوس الصالح من سنة ١٣٨ إلى سنة ١٦١ بعد الميلاد شرع في بناء معبد لآلهة اليوبوليس الثلاثة المشتري والزهرة وعطارد،
ولكن لم يتم بناء ذلك المعبد إلّا في عهد (كراكلا) سنة ٢١٧، ثمّ بنى بعد ذلك معبد الإله باكيس إله الخمر. ولمّا جاء عهد الإمبراطور قسطنطين الأوّل محيت عبادة الزهرة، وذلك كان من سنة ٣٢٤ إلى سنة ٣٣٧. وفي عهد الإمبراطور بتودوز، الّذي كان من سنة ٣٧٩ إلى سنة ٣٩٥، هدم بأمر منه المعبد الكبير بعد أن كانت الزلازل قد نالت منه مرادها أيضاً، ثمّ بنى الإمبراطور في موضعه كنيسة. وقد وجد في ضمن الآثار كتابات يذكر فيها بعض أساقفة اليوبوليس. وفي القرن السابع استولى على المدينة بطل المسلمين أبو عبيدة بن الجراح ﵁، بعد أن دارت حرب بينه وبين بطريق يسمّى هربيس، أرسله هرقل
عظيم الروم. وكان هربيس هذا رجلاً شديد البأس شجاع القلب، ولكنّه لم تنفعه شجاعته ولم تغنه كثرة قومه وجنده والمسلمون يومئذٍ أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلاً وكان عليهم من أمراء الجيش وقوّاده خالد بن الوليد وعمرو بن معدي كرب الزبيدي ورافع بن عبد الله السهمي من سادات قريش فنصر الله المسلمين وأيّدهم بعدما كان حمي وطيس الحرب بين الروم والعرب، وحصر العرب الروم حصاراً شديداً ضايقهم حتّى اِنتهى الأمر باِنهزامهم واِستكانتهم وخضوعهم لشروط الغالبين. وقد ثار الروم أخيراً بالبطريق هربيس زعيمهم فقتلوه واِنضموا للإسلام، وتمّ الفتح للمسلمين واِستخلف أبو عبيدة على بعلبك رافع بن عبد الله السهمي وأوصاه على عادته بالعدل والاِستقامة. ويعتقد العرب أنّ القلعة من بناء سيدنا سليمان، وقد بنوا فيها حصوناً كان لها أهمّ تأثير في حروب القرون الوسطى. وفي سنة ١١٣٩ اِستولى الأمير محمود زنكي على المدينة والقلعة. وفي سنة ١١٧٥ اِستولى عليهما أيضاً السلطان صلاح الدين. وفي سنة ١٢٦٠ خرّبها المغول تحت رياسة هولاكو، وجاء بعده تيمورلنك فأجهز عليها. أمّا بناء المعابد فقد وجدت نقود من عهد الإمبراطور سبيتم سفير سنة ١٩٣ إلى سنة ٢١١، وكذلك وجدت نقود من
العصور الّتي تلي عصر هذا الإمبراطور، عليها كلّها صورتا المعبدين. ولكن مع هذا لم يعلم بالتحقيق متى كان تمّ بناء المعبد الكبير. وقد وجدت كتابة من عهد أنطونيوس الصالح تدلّ على أنّ المعبد الكبير كان لجميع آلهة اليوبوليس. وأمّا المعبد الصغير، فكان خاصّاً بالإله باكيس. وعلى كلّ حال، فإن بناء المعبدين ينتهي تاريخه إلى عصر واحد. وقد هدمت جميع تلك المباني في ما جاء من العصور بعد ذلك. وفي القرن السادس عشر عثر بعض الأوربيين على آثار المعبدين. ومنذ ذلك الوقت، تناوبتهما الزلازل خصوصاً في سنة. ١٩٥٩ وقد أظهرت مباحث علماء من سنة ٩٠٠ إلى سنة ٩٠٤ كثيراً من الآثار المفيدة.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع