من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
إلى بيت الباشا
ومن هناك ذهبنا قاصدين إلى دار سعادة المتصرّف لنردّ له زيارته، وكان طريقنا
إليه من داخل المدينة. وبعد أداء الزيارة، عدنا إلى بيت سعادة صاحبنا عبد الحميد باشا. وقد أعدنا إليه النظر، فأعجبنا جدّاً شكله وموضعه الّذي حاز مع جمال المنظر
كمال الأبّهة، حتّى إذا رآه الواحد على بعد لم يشك أنّه بيت مجد وإمارة. ومذ دخلناه رأينا فيه إشارة برقية أرسلها إلينا صاحب العطوفة فخري باشا والي حلب فاستلمناها وقرأنا فيها سؤال عطوفته عن وقت قيامنا من حمص، وعن اليّوم الّذي نصل فيه إلى حلب. فأرسلنا إلى عطوفته إشارة من لدنّا أخبرناه فيها بما كنّا صمّمنا عليه من العدول عن زيارة هذه المدينة، معتذرين إليه بضيق الوقت، مظهرين كبير أسفنا من عدم سنوح الفرصة برؤية حلب الشهباء. وأنه لقد كان في نفسي من أوّل الأمر أن أزور مدينة حلب وأن أقيم فيها يومين، عندما كنت متردداً بينها وبين حماة. ولكنّي، على الرغم من ذلك، جاريت الظروف وقتئذ ونسخت ما كنت رسمته في خطّتي الأولى من مشارفة هذا البلد، مستعيضاً منه مدينة حماة. وعندما جاء وقت الظهر، وكان قد حضر حضرة القائمقام، دعينا إلى المائدة فتناولنا عليها طعام الغداء الشهي. وما لبثنا بعد ذلك إلا قليلاً، ثمّ قدّمت إلينا إشارة برقية أخرى من لدن عطوفة فخري باشا، يذكر فيها أنّ جميع أعيان حلب ووجهائها قد كلّفوا عطوفته أن يرجونا بالنيابة عنهم أن نجيب طلبهم إلى زيارة بلدهم، إلى أن قال: وإن لهم وطيد الأمل وكبير الرجاء في أن لا يحرموا من تلك الزيارة الجليلة، وأنهم منتظرون بفروغ الصبر إجابة تسرّهم، وإلا فإنّهم مستعدّون جميعاً للحضور بأنفسهم إلى مدينة حمص لكي ينالوا رغبتهم ويحصلوا على غرضهم. وإذ ذاك لم يسعني حيال هذا الكرم الكبير سوى أن أعدل خطّتي مرّة ثانية وأستردّ عزيمتي على زيارة مدينتهم، فأرسلنا إلى عطوفة الباشا الوالي رسالة برقية نشعره بما صار إليه عزمنا من قبول ملتمسه بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن حضرات من كلفوه ذلك، مع إبداء مزيد الشكر والامتنان لمعروفه ومعروف
أبناء حكومته المخلصين.
ثمّ توجّهنا إلى زيارة المدرسة الإسرائيلية لمناسبة أنّ مؤسّسيها كانوا قد طلبوا إلينا زيارتها. وقد وجدنا في اِستقبالنا عدداً كبيراً من تجّار الحمصيّين في مدينة طنطا. وعندما دخلنا أخذ جميع الحاضرين يهتفون لنا بالدعوات تارةً وبالتحيّة والترحيب تارة أخرى. وبعد أن جلسنا في قاعة الاستقبال بين المحتشدين، قام بعضهم يذكر بين أيدينا قصائد ومقالات بليغة كانت كلّ عباراتها تدور حول الترحيب بنا والثناء علينا. وإنّا نقتطف منها ما نراه يناسب رحلتنا مبتدئين بالمقالة الّتي قدّمها إلينا
مطبوعة حضرة الكاتب البليغ الدكتور كامل لوقا، قال حضرته:
يا دولة الأمير العظيم، أتشرّف الآن بالوقوف أمام دولتكم عن مفوّض المسيحيين الحمصيين، نزلاء الديار المصرية، الّذين طالما تمتّعوا بالراحة والعدالة والحقوق التجارية تحت كنف العائلة الشريفة المحمّدية العلويّة. أتشرّف بالنيابة عن أولئك العثمانيين لأحيي أميراً عثمانياً مصرياً، فأحيّيكم مرحباً بسلامة قدومكم الميمون من ديار عربية عثمانية مصرية إلى ديار عربية عثمانية سورية. أحيّيكم وأقدّم لكم عواطف الامتنان والشكر بلسان أولئك الّذين يستثمرون أموالهم وأتعابهم في تلك الديار السعيدة منذ خمسين عاماً، وهم في بحبوحة من السعة ورغد العيش. نعم أحيّيكم وأحيي بكم مصر وساكنيها بلسان بضعة آلاف من الأهالي الحمصيين الّذين ينتفعون ويشتغلون ويقدّمون منسوجاتهم الوطنية إلى قطركم المصري. أجل، إقراراً بالفضل ومعرفة الجميل، نحيي باِسمكم الكريم أيّها البرنس الفخيم ونحني الهام أمام تلك الروح الطاهرة الشريفة الّتي أحيت العدل والمعارف في القطر المصري السعيد، روح أحد أبطال الشرق العظام، جدّ العائلة الخديوية الشريفة المرحوم محمد علي باشا الكبير. فأهلاً وسهلاً بأمير أحيا لنا ذلك الاسم المحبوب، فنحيّيكم باسم أولئك النزلاء الحمصيين في كافة القطر المصري عموماً، وفي
طنطا خصوصاً، كأمير زائر شريف يقصد النزهة في بلاد ترحّب بزيارته. أمير متنوّر فاضل عرف أن البلاد السورية شقيقة البلاد المصرية، فأحبّ إلى زيارتها على الرحب والسعة. فأهلاً بالفضل ومرحباً بالنبل، وأكرم بهذا الضيف العظيم وبمضيفه الكريم من يفتخر به الوطن مولاي سعادة الهمام عبد الحميد باشا الدروبي. وفي الختام، تنازلوا يا دولة الأمير لقبول عواطفنا القلبية وسرورنا بتشريفهم، مجاهرين بقولنا ليعش جلالة مولانا السلطان محمد رشاد وليعش سموّ الخديوي عباس المعظم وليحي دولة البرنس محمد علي باشا، والسلام.
وممّا كان ذكر في هذه الحفلة أيضاً بعض أبيات قدّمها لنا مطبوعة لفيف من الحمصيين المسيحيين الّذين يتّجرون في القطر المصري وهي:
لا غَرو إِن شمت حمصاً تَزدهي طرباًوَفي مَرابِعها تَزدادُ أنوارُ
فإنّها بَلغت من دَهرها أرباًغَنّت لِبهجتهِ في الروضِ أطيارُ
قَد زارَها اليومَ مِفضالٌ منَ الأمراتَشرّفت وَاِنثَنت تيهاً بِملقاهُ
وَزينت بِشقيق باتَ مُزدهراًوَزنبقٍ فاحَ طيباً عرفُ ريّاهُ
شَرّفتنا يا سَليلَ المجدِ عَن كثبشَرّفتنا فَعلى الترحيبِ والسعةِ
فَاِقبَل تشكّرنا يا أيّها العربييا ربّ كلّ ندىً سام وَمكرمةِ
أَهلاً وسهلاً بِمَولى زارَ بَلدَتنابِموكبٍ قادمٍ مِن بقعةِ النيلِ
أَولت زيارتهُ أَفرادنا مِنناًفَلَنبدينّ لهُ شكراً كإكليلِ
تجّار حمص بِطنطا حاصِلون عَلىعَطفِ الحكومةِ مَع أَقصى عِنايتها
وَمع بَني مصر عاشوا إخوة فإِلىمصر تحيّتنا الجلّى بِغايَتها
مِن حمصَ في مصركم بيت وعائلةحلّت بِجملتِها والأنسُ موجودُ
إنّا على ثقةٍ إنّا على ثقةٍبِما اِنطويتم علَيه أيّها الصيدُ
لَذا أَتيناك يا مَولى الكرامةِ يارُكنَ الفخامةِ نَتلو آيَ شكرانِ
بلّغ عَواطِفنا لا زلتَ مُرتقياًحُكومةً قَد حَبَتنا كلَّ إِحسانِ
هَذي العواطفُ بالإِخلاصِ نُبديهابِشَخص علياكمُ الأسمى إلى مصرِ
لا زلتَ بينَ البرايا تَنثنيباليمنِ وَالرغدِ والإسعادِ والبشرِ
وبعدما فرغوا من ذكر أشعارهم ومقالاتهم، أخذنا نتحدّث في موضوع التجارة المحليّة. وسألتهم في ماذا يتّجر أهل حمص وأيّ الأشياء أكثر شهرة في متاجرهم فذكروا لي أنّ تجارة الحمصيّين قائمة في الغالب على ما لا يمكن الاستغناء عنه من محاصيلهم ومصنوعاتهم التي أشهرها وأهمّها المنسوجات الحريرية والقصبية ثمّ إن حمص هي البلدة الوحيدة الّتي اِشتهرت في جميع بلاد سورية بحل الحرير وإحسان صنعته ونسيجه، ثمّ قمنا من ذلك المجلس الحافل مودّعين من كلّ المحتفلين الكرام بغاية الإكرام والاحترام وبعد أن شكرنا لهم هذا الأدب والمعروف عدنا إلى بيت سعادة الباشا الدروبي وما برحنا هناك نستقبل ونودّع حضرات الزائرين الّذين كانوا يفدون علينا في هذا البيت الكبير زمراً وأفواجاً حتّى اِحتجبت الغزالة في خدرها وقد كان جيء إلينا في تلك الأثناء بحصانين قريعين، فلم نجدهما وفق رغبتنا من كلّ الوجوه على أنّهما لم يكونا من الجياد الكريمة الأصل ولا من هذه الخيل المطهّمة.
وفي صبيحة اليوم الثاني كنّا تأهّبنا للسفر إلى حلب، فتوجّهنا من منزل سعادة عبد الحميد باشا إلى المحطّة في ركاب حافل من مظاهر القوم وأعيان المدينة الّذين رافقونا حتّى ودّعناهم ونزلنا في القطار وكان لا يزال معنا سعادة الباشا الدروبي ذلك الرجل الأريحي الّذي جمع بين حزم الشيوخ وعزم الشباب وعرف كيف يستخلص له قلوب الناس ويحلّ من صدورهم محلّ الوالد البارّ نعم إنّا لا ننسى لهذا الشهم الواسع الخلق الرقيق العواطف ما رأيناه من فرط كرمه ومزيد عنايته
بنا في كلّ حركة
وسكون، وسار القطار على بركة الله متّجهاً إلى حلب وما اِنفكّ يواصل بنا السير والأرض على يميننا ويسارنا إلى مسافات واسعة كانت كلّها خصبة جيّدة مفروشة ببساط من المزارع الخضراء حيث كان الزمن ربيعاً، وكنت أعجب كثيراً بما أشاهده على تلك الزروع من ألوان الزهر المختلفة بين الحمراء والبيضاء والزرقاء الّتي تشبه مجموعتها البديعة باقة الزهور المرصّعة، وجلّ هذه المزارع النضرة والأعشاب الجميلة إنّما نبتت في تلك الأرض بواسطة الأمطار وعندئذ لم أستغرب ولم أندهش ممّا كنت سمعته من أن قبائل العرب والرعاة يقصدون إلى الجهات قبل فصل الصيف بخيلهم ومواشيهم لرعي تلك الحشائش، وما أحسنها من مرعي وأجملها من ربيع خصوصاً وأن المياه في تلك البقعة غاية في الكفاية والصفاء، حتّى بلغ إلى محطّة
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع