من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
حماة
وهي على مسافة ٥٥ كيلومتراً من حمص وقد قطعها القطار في نحو ساعة و٤٥ دقيقة.
حماة
هذه البلدة واقعة في حدود ولاية سورية وكانت أوّلاً تابعة لأيالة الشام، أمّا الآن فقد انفصلت عنها وجعلت متصرفيّة مستقلة وهي مدينة قديمة التاريخ، ويظنّ كثير من النّاس أنّ بانيها هو حمت بن كنعان. فإذا صحّ ذلك فيكون قد مضى عليها الآن أكثر من ٤ آلاف سنة. ويقال إن حماة كانت في وقت خروج الإسرائيليين من مصر مملكة مستقلّة تتاخم أرض الميعاد الّتي اِحتلّها الإسرائيليون. وكانت المملكة التي تسمّى باسمها تمتدّ من منبع العاصي حتّى مصبّه مع كلّ السهل الشرقي منه، وكان يتاخمها من الجنوب مدينة دمشق ومن الغرب بلدا فينيقية وممّا
يدلّ على أن هذه البلدة قديمة جاهلية ما جاء في شعر اِمرئ القيس من بعض قصائده حيث
قال:
تقطّع أَسباب اللبانة وَالهوىعَشيّة رُحنا مِن حَماة وشيرزا
ثمّ إنّها أوسع من مدينة حمص مساحة وأكبر منها عمارة وسكانها يبلغون نحو
٩آلاف نفس. ويقال إن المسلمين من هؤلاء السكّان متمسكّون بدينهم تمسكّاً شديداً بلغ بهم إلى درجة التعصّب، ثمّ إنّهم غاية في الشهامة والشجاعة. ويقال إن الملك المؤيد عندما فتح بلاد الشام جعل هذه المدينة قاعدة ملكه، وتسمّى بسلطان حماة. وينسب إليها بعض العلماء والملوك، وأشهرهم المؤرّخ أبو الفداء الحموي أحد ملوكها من الأيّوبيّين، والجغرافي الكبير ياقوت صاحب المعجم، وتقي الدين ابن حجّة الشاعر المعروف. ومن أشهر بيوتها الّتي يفتخر بها أهل حماة ويذكرونها بالفضل والسيادة بيت الشيخ عبد القادر الكيلاني، شيخ الطريقة الكيلانية المعروفة. أمّا صناعتها فمنحصرة في اِصطناع الأشياء العمومية الّتي لا يستغنى عنها من المنسوجات الحريرية والقطنية والأحذية وما أشبه ذلك. ومن محاصيلها الحنطة والشعير والذرة وغيرها من الحبوب والفواكه الّتي يصدر كثير منها إلى طرابلس،
ويرسل أيضاً كثير من سمنها وجبنها إلى أسواق الشام وزحلة وغيرها. وتجارتها دائرة على تلك المصنوعات وهذه المحاصيل.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع