تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

قصيدة جورجي أفندي خياط

أَيا مَن زار هذا القطرَ أهلاًوَسَهلاً فيكَ يا أسمى سريِّ
تفاخر فيكَ مصر كلِّ قطرٍأَجل يا نَجلَ توفيق الأبيِّ
وَعبّاس الحليم عزيزُ مصرٍأَخوكَ دَعوته بالأريحيِّ
فَتىً حَكَم البلادَ بعدلِ كِسرىوَأحكَم قبل ضربِ المشرفيِّ
لَقد طابَت مَغارِسكم قَديماًفَأَنت الفرعُ من أصلٍ زكيّ
وَأَنتَ محمّد للمجدِ تَهديلِذا سمّاك آلكَ بالعليِّ
فَسُبحانَ الّذي سوّاك يا منيذكّر بِالجمالِ اليوسفيّ
وَإِن شِئنا نَقول اليومَ شمناتَباشيرَ الكمال الآصفيِّ
أَلا اهنأ يا أَخا العبّاس واصعدذُرى العلياءِ يا أَولى وليِّ

وهنا لا أستطيع أن أصف كيف كان تحرّجي في هذا الموقف الضيّق، إذ كنت منه بين عاملين عظيمين يتنازعاني إيجاباً وسلباً: فبينما أرى أنّه من حقّ القوم عليّ أن أحيّيهم وأشكر لهم مجاملتهم ومروءتهم في خطبة مثل خطبهم، قياماً بالواجب المفروض على الإنسان للإنسان من جهة دينه وأدبه، خصوصاً في مثل هذه الظروف؛ وقد قيل من صنع معكم معروفاً فكافئوه؛ وقيل أيضاً من لم يشكر الناس لم يشكر الله؛ وفوق هذا وذاك قول الحقّ جلّ شأنه: (وَإِذا حُيّيتم بِتحيّةٍ فَحيّوا بِأَحسنَ مِنها أَو ردّوها)، إذ أجد أنّ مقتضى السياسة الحاضرة يحظر على مثلي أن يقف خطيباً في هيئة عامّة كهذا المحفل الكبير، مخافة أن ينقلب الاجتماع من عادي بسيط إلى سياسي محض، فإنّه ما أسرع ما تحيط الظنون والأوهام بالأحاديث التي يلقيها الأمراء والحكّام في المجالس الرسميّة أو الشبيهة بها، ويتناقلها الناس بعضهم عن بعض. وقلّ في الناقلين من لم يشوّه وجوه الأخبار ويمسخ صورها، ومن لم تحمله نزعته على أن يذهب بها وفاق الأغراض والغايات. ولا على مثل هذا أن يفعل غير مبال إذا هو وافق المصلحة العامة أو

خالفها، بل إذا ترتب على فعله شقاء أمّة بأجمعها. وكثيراً ما ينتفع سماسرة السوء وأعوان الشرّ من مثل هذه الفرصة، وينتهزونها لإلقاء الدسائس وإثارة الوساوس بما اعتادوه من الشغب وإقلاق الخواطر. ومن العجيب أنّ هؤلاء يستطيعون أن يرتّبوا أخطر الأعمال على أوهن الأسباب،

ومتى أرادوا أن يحاولوا أمراً من الأمور لا يعدمون له وسيلة ولا يفقدون فيه حيلة. إذن، فماذا عساني أن أصنع ولا محيص من الكلام مع هؤلاء الخطباء الكرام، لاسيما وأن فيهم عطوفة الوالي وقومندان الجيش وأركان الولاية إلى غير ذلك ممّن عرفت أنّه لا يحسن السكوت في إجابتهم؟ نعم، إنّي قمت وأجملت في أقل ما يمكن من الكلام ما كان يجول في نفسي من إظهار عواطفي نحو الجماعة وشكرهم على ما لاقيته من كرمهم ولطفهم. وقلت في ختام مقالتي، بعد أن دعوت الله لهم ولجلالة السلطان، أنّي أرجو لبلدكم هذا مستقبلاً جميلاً في عهد عطوفة الوالي، وأنّكم بهمّته ونشاطه ستبلغون، إن شاء الله، أسمى المقاصد وأعلى المطالب، فإنّه من خير الرجال المخلصين والحكّام العاملين دائماً على سعادة بلادهم وراحة شعوبهم. ثمّ عدنا إلى الفندق مودّعين من لدن صاحب العطوفة فخري باشا بكلّ تجلّة واحترام. وقد بيّتنا النية على الرحلة من

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حماة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.