من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
بيت جابري باشا
ثمّ برحنا القلعة متّجهين نحو بيت صاحب السّعادة جابري باشا إجابة لدعوته، حيث كان سيرنا إليه من داخل البلد الّذي تطوّفنا فيه على جملة جهات، بقصد أن نطّلع على ما لم يسبق لنا الاطّلاع عليه حتّى وصلنا إلى المنزل. وهناك رأينا في اِنتظارنا على بابه سعادة الباشا في لفيف من أقاربه، فاستقبلونا بأكبر حفاوة واحترام ودخلوا بنا إلى البهو، فاستقبلنا فيه أيضاً جمّ غفير من حضرات المدعوّين، يتقدّمهم إلى ذلك عطوفة الوالي. وما جلسنا إلا نحو خمس دقائق، ثمّ دعينا إلى غرفة المائدة فتناولنا عليها جملة ألوان من ألذّ الطعام وأشهاه. وكان أحسن ما تذوّقنا منها ثلاث صحاف من طعام البلد الخاص بها والمشهور بين
أهلها. وبعدما انتهينا من الأكل والشرب، عدنا إلى مجالسنا في ردهة الاستقبال. وكان عدد المدعوّين معنا يبلغ نحو ١٨ نفساً من أشراف الناس في المدينة، وقد قدّم لكلّ واحد منهم نارجيلة يدخن فيها كما هو المعروف في عوائد هذه البلاد. وإذ ذاك كان المنظر في ذاته غريباً، وأغرب منه ما كنّا نسمعه من قرقرة النارجيل الّتي لم نجد لوصفها أبلغ وأظرف من قول الشاعر:
ولابسة مِنَ الياقوتِ تاجاًتقهقهُ كلَّما قَبّلت فاها
ويظهر لي أن هذه القعقعة في مسمع أرباب الكيوف ألذّ من رنّات المثاني ودقّات الدفوف. وكان في الحفلة جوقة موسيقى وترية جميلة تطرب الجالسين بألحانها الشجيّة، وفيها اثنان يغنيان من أشهر المغنّين في مدينة حلب. وبينما نحن في تلك الحفلة جاءنا جماعة من مشاهير التجّار ومعهم بضائع وأصناف شتّى من المنسوجات الحريرية والقصبية وما أشبه ممّا يصنع في نفس البلد. وبعد أن اطّلعت عليها وأعجبني حسن نسيجها ودقّة صنعتها، اشتريت منها بعض الشيء الّذي يلزم لي. وعلى أثر ذلك أخبرت بحضور حصانين من أشهر خيل العرب في تلك الجهات فنهضت لرؤيتهما، وكانا حقيقة جوادين كريمين، أعجبني حسنهما حتّى رغبت فيهما رغبة تامّة وهممت بشرائهما، لولا أنّه ظهر لي أخيراً بالبحث الدقيق أن فيهما من العيوب الخفيّة ما لا يرجى زواله بسهولة. وبعد ذلك رأينا جواد صاحب الدولة ناظم باشا، وهو أدهم جميل المنظر، يشبه كلّ الشبه حصاني الأسود الّذي كنت أهديته من قبل السلطان عبد الحميد.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع