تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

قلعة حلب

هذه القلعة واقعة في وسط المدينة على تل مرتفع مرصوف بالحجارة، وهو من ذلك يظهر أنّه صناعي. ويقول مؤرخو العرب أنه كان على هذا التل مدينة قديمة من مدن الشام، قائمة على ثمانية آلاف عمود، وهي بالطلع مدينة حلب. ويقال إنّ الّذي بنى هذه القلعة هو سلوقس الذي اختطّ حلب وبناها، فهي على هذا عتيقة متوغّلة في القدم. وبعض المؤرخين يزعم أنّ كسرى زاد في تحصينها ومنعتها. ولست أدري من هو كسرى هذا من ملوك فارس، ولعلّه كان غير كسرى الثاني، لأنّ ذلك هو الّذي أحرقت مدينة حلب بأمره سنة ٦١١ بعد المسيح. ومن أبعد ما يتصوّر أن يعمر القلعة ويزيد في تحصينها من يخرب المدينة ويأمر بإحراقها. ثمّ إنها محاطة من جميع جهاتها بخندق عميق يمكن غمره بالماء، ويقال إنّه بلغ من العمق بحيث يستغرق المسافر إلى قراره مسافة تقرب من نصف الساعة. ويوجد على هذا الخندق قنطرة جميلة مصنوعة من الخشب توصل إلى القلعة، وليس الدخول فيها مباحاً مطلقاً، بل هو محظور عادة إلا لمن حصل على إذن الحربيّة الّتي لا تزال صاحبة السلطة والسيطرة عليها إلى اليوم، على الرغم من أنّ هذه القلعة صارت خربة مهدّمة. ولهذه المناسبة وجدنا اِثنين من ضبّاط الجيش في اِنتظارنا هناك. وقد وصلنا من هذا المعبّر الخشبي إلى برج خارجي، دخلناه من

باب حديد مزخرف بأبدع حلية وأجمل نقش، وقد أخذ منّي الإعجاب

بمنظر ذلك الباب مأخذاً بلغ منه أنّي صمّمت على تقليد شيء من شكله في بيتي الّذي أسكنه في منيل الروضة. ثمّ دخلنا في بهو يلاحظ المارّ به أنّ في أعلى الباب الحديد من الجهة اليمنى من الداخل نقوشاً على الجدار ومرسومات حفريّة بديعة من شجر الريحان، وكتابات ينتهي تاريخها إلى سنة ٦٠٥ هجرية الموافقة سنة ١٢٠٩ ميلادية على عهد الملك الظاهر. ويلاحظ أيضاً على يمين ويسار الباب الثاني رسومات حفرية أخرى تمثّل رؤوس الفهود تمثيلاً متقناً. ومن ذلك الباب خرجنا إلى صحن متّسع مغطّى بكومات من الأتربة والأنقاض، وفيه آثار جملة طرق. وقد دار في نفسي وقت ما كنت ماشياً في ذلك الصحن أنّه لابدّ أن يوجد تحت الحجارة والردوم شيء عظيم من الآثار التاريخية العجيبة. وبعدئذٍ ذهبت مني اِلتفاتة على باب مخفي بعضه تحت أطباق التراب، فسألت عنه بعض الملمين بذلك الأثر العتيق، فقال لي: إن من ذلك الباب يدخل الإنسان إلى مسجد صغير، كان يصلّي فيه بعض العسكر المتمرضين، فمالت نفسي للاطلاع عليه شأن السائح الّذي يريد أن يستطلع كلّ شيء غريب يقع تحت نظره. فدخلت هذا المسجد ورأيت فيه محراباً، وكان في دوائره وزرة من خشب عليها نقوش ما نظرت عيني إلى اليوم أجمل منها. ولقد رأيت من الرسوم الناتئة والحفرية والنقوش العربية ما لست أحصيه عدداً، خصوصاً ما شاهدته من ذلك فيما يوجد عادة في أوائل الكتب الأثرية. ومع ذلك، لم أذكر في مرّة من المرات أنّي اطّلعت على أعجب وأتقن من تلك النقوش المحكمة والرقوش الدقيقة. وهذا ما اقتضاني، إذ ذاك، أن أتأسّف كثيراً من إهمال ذلك المسجد الجليل وتركه بدون أقل مراقبة. ولابدّ أنّ شيئاً عظيماً من صناعاته البديعة وزخارفه المدهشة قد ضاع ومحي أثره، لأن في وجود مثل الآثار التي شاهدناها على الجدران وغيرها ما يستدلّ منه

على أن المسجد كان قبل أن تفتك به عاديات الزمان حافلاً بالمصنوعات العربية الّتي من هذا القبيل. ولسنا نعرف لعفاء هذه الأشياء النفيسة سبباً سوى عدم العناية في مبدأ الأمر بحفظ آثار المتقدّمين وأعمالهم التاريخية النبيلة. وبعد ذلك مررنا بالآبار، وقال مرشدونا في ذلك المكان إنّها عميقة إلى قرار بعيد، ولا يبعد أنّها

تكون في عمق الخندق. ثمّ إنّ في صحن القلعة الّذي أسلفنا ذكره عدداً كبيراً من الأقبية، وفي وسطه قبّة فخمة قائمة على أربعة أعمدة من البناء. ويستدلّ من شكلها على أنّها كانت في أوّل عهدها فوق بئر محفورة في نفس الصخر، وهناك رأينا منارة جميلة الشكل بهيجة المنظر. وفي الجهة الشمالية الغربية يوجد مدفعان قديمان، صنعت فوهتهما من الحديد الممزوج بالرصاص. وبعدما اطّلعنا على أهمّ ما تشتمل عليه تلك القلعة من الداخل والخارج، صعدنا إلى أعلى نقطة فيها وأشرفنا منها على المدينة وضواحيها، فرأينا بين الأشجار والمزارع وما يتخلّلها من العيون والأنهار منظراً ساحراً فتّاناً لا ندري، وقد أخذتنا من حسنه روعة، أهو أبهج أم ذلك المنظر الّذي كنّا شاهدناه على دمشق من فوق الصالحية.

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حماة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.