من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
في محطة حلب
وقف القطار فكان الصالون الخاص بنا محاذياً تمام المحاذاة لموقف صاحب العطوفة فخري باشا الوالي، وما أوشكت أن أنزل من باب العربة حتّى أسرع عطوفته إلى مقابلتنا وتهنئتنا بسلامة الوصول إلى بلدهم. وبعد ذلك أخذ يقدّم إلينا حضرات المستقبلين واحداً واحداً، وكان في أوّلهم صاحبا السعادة توفيق باشا، قومندان عسكر الأردي السابع في ولاية حلب، وأسعد باشا جابري، ثمّ حضرات
العلماء فالرؤساء الروحيين. ولمّا أن انتهينا من مصافحتهم والسلام عليهم، ذهبنا إلى قاعة
الاستراحة في المحطّة، وجلسنا فيها برهة مع حضرات المحتفلين الكرام. وعند ذلك قام في وسط هذا الاجتماع العظيم شيخ جليل وألقى على مسامع الحاضرين خطبة لطيفة، كان موضوعها منحصراً في تهنئتنا بالسلامة وإظهار سرور أهل البلاد بقدومنا إليهم، فسررت منه ومن خطبته، وشكرته وشكرت أيضاً جميع الموجودين. ثمّ ذهبنا إلى خارج المحطّة حيث كانت العربات مجهّزة لنا فركبنا وركب معنا عطوفة الوالي عربته الخاصة، وتبعتنا حاشيتنا في عربة أخرى. فسرنا أوّلاً من طريق كان قد اِصطفّ على حافتيه عدد كبير من العساكر الّذين كانوا يختلفون بين بيادة وسواري وطوبجية، وكانت الموسيقى العسكرية تحيينا بنغماتها الشجية. ثمّ سرنا في الطريق الموصل إلى الفندق بين زحام عظيم على جانبيه من سكّان المدينة الّذين كنّا نشاهد البشر العظيم يتألّق سناه على وجوههم البسّامة، لا فرق في ذلك بين شبابهم وشيبهم ولا بين غنيّهم وفقيرهم. كما أنّنا كنّا نرى من لطف عطوفة الوالي وكماله ما ليس في وسعي أن أقدّره في عبارتي فيدرك أو أصفه فيفهم بأكثر ممّا يعرفه الإنسان من أحب الناس إليه وأشفقهم عليه. وقد صرّح لي في خطابه أثناء السير بما كان ينطوي عليه فؤاده من محبّتنا وما كان ينويه ويودّه من نزولنا ضيوفاً عليه مدّة إقامتنا في المدينة، لولا أنّ بيته صغير وقد نزل فيه بالصدفة صاحب الدولة ناظم باشا بدعوة سابقة من لدن عطوفته. فسررت جدّاً من تصريحه بجميل نيّته وحسن قصده بنا، وقد اتّسعت من صدري مكانته وعظمت في قلبي محبّته، عندما كان يكرّر أسفه الشديد من ضيق البيت، حتّى لقد عدّ ذلك من الصدف الّتي عاكسته في أحبّ شيء إليه، وحالت بينه وبين ما كان يرجوه ويودّه من صميم قلبه. ثمّ ما زال عطوفته معنا حتّى دخلنا الفندق وتعرفنا منه بهداية صاحبه ما كان خصّص لأجلنا من
الحجرات. وهناك جلسنا مستأنسين بحديث عطوفة الوالي ولطفه ريثما شربنا القهوة، ثمّ جاء إلينا سعادة توفيق باشا القومندان وعدد كبير من عظماء المدينة فرحبنا بمقدمهم وأهّلنا بهم جميعاً، وذكرت لهم بعبارات متكرّرة حسن عنايتهم واِهتمامهم بنا، وكنت أشكرهم لذلك شكراً جزيلاً. وقد كنت في غضون حديثي معهم ألاحظ من حركاتهم ولهجاتهم نشاطاً عظيماً وأدباً تامّاً وحماساً زائداً، إلى غير ذلك ممّا اِستوجب فرط محبّتي لهم، خصوصاً بعدما أظهروا لنا مودّتهم الكاملة وإخلاصهم
المتناهي. وحقيقة كنت أقرأ في وجوههم آيات الإخلاص والصدق وكانت نفسي لا تحدّثني بغير ذلك فيهم.
وَالعينُ تَعلَمُ من عَيني محدّثهاإن كانَ من حزبها أَو مِن أَعاديها
ولم نلبث، بعد أن خرجوا من عندنا وخرج عطوفة الوالي أيضاً، إلا برهة صغيرة، ثمّ وصل إلينا أن دولة ناظم باشا قد حضر إلى الفندق بقصد زيارتنا، فاهتممت جدّاً بزيارة هذا الرجل الكبير المحبوب. وعندما اِستشعرت بقدوم دولته، ذهبت مسرعاً لاستقباله على سلّم الفندق. وكانت هذه أوّل مرّة تقابلت فيها مع دولته، فسلّمت عليه، وذهبت به إلى ردهة الاستقبال، حيث جلسنا نتحدّث، آونة في بعض الشؤون العامة، ومرّة في بعض الأحوال الخاصّة، حتّى انتهى بنا الحديث إلى ذكر القلاقل والصعوبات الكثيرة الّتي توجد الآن في جهة العراق من جرّاء الحوادث الأخيرة. ذلك كان لمناسبة أنّ دولة الباشا سيسافر من حلب إلى مركز وظيفته في تلك الجهات، حيث أنّ دولته والي بغداد والموصل وديار بكر. وقد ذكر لي في خلال حديثه أنه يعرف الجناب العالي الخديوي، وأنه يحبّ كثيراً نجل عمّنا دولة الأمير عزيز باشا حسن، المستخدم في الجيش العثماني. وقد كنت كلّما تغلغلنا في الكلام وتبادلنا أطراف الحديث في المسائل المهمّة، أجد في ذلك الرجل العظيم نباهة زائدة وذكاء حادّاً وعلماً غزيراً. أمّا هو فكان شيخاً أبيض
اللحية والرأس، وعسكرياً بكلّ معاني الكلمة، وكانت تبدو على وجهه مع السماحة والبشاشة سيمياء القوة والشجاعة. وعندما أراد الانصراف قمنا فودّعناه بما يليق بمقامه الجليل من الحفاوة والتبجيل شاكرين له خفّته إلى زيارتنا في الفندق على أثر حضورنا.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع