من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
فتح حماة
وقد فتحت حماة سنة ١٧ هجرية على أيدي المسلمين، وكان بطلها ذلك الفاتح العظيم أبا عبيدة بن الجراح فإنّه، ﵁، قصدها بعد فتح حمص فتلقّاه أهلها مذعنين فصالحهم على الجزية والخراج. وقد توالت عليها بعد ذلك جملة حوادث عظيمة ففي سنة ٢٩٠ قصدها القرامطة وقتلوا أهلها ولم يبقوا على النساء والأولاد. وفي سنة ٣٥٢ خربت حماة بالزلازل الّتي أصابت الديار الشامية. ويروى أنّ معلماً خرج من المكتب فلمّا حدثت الزلزلة سقط المكتب على الصبيان فهلكوا عن آخرهم، ولم يأت أحد يسأل عن ولده، ممّا كان دليلاً على أن جميع آبائهم هلكوا في تلك الحادثة أيضاً. وفي سنة ٥٦٥ تخرّبت بالزلازل أيضاً، وملكها السلطان صلاح الدّين الأيوبي سنة ٥٧٠ مظهراً طاعة الملك الصالح بن نور الدين زنكي. وفي سنة ٥٧٣ حصرها الإفرنج، وكان فيها خال صلاح الدين مريضاً وكانت بينهم وبين أهلها مقتلة عظيمة، وأقاموا على قتالها أربعة أيّام، ثمّ استظهر عليهم المسلمون فرحلوا
عنها. ثمّ كانت بعد صلاح الدّين لفرع من عائلته منهم ملكها المشهور أبو الفداء الحموي. وعندما كنّا وصلنا إلى محطّة حماة وجدناها غاصّة بعظماء الناس وأكابرهم، وكان بعضهم من حكومة حماة ومن رؤساء البيوت الكبيرة فيها مثل زعيم أسرة الكيلاني الشهيرة ورئيس أسرة الأزهري الّتي هي من أفخم الأسر في تلك المدينة. وقد عرفنا من حديثهم أنّ لهم قرابة في مديرية المنيا بالقطر المصري. وكان البعض الآخر من مدينة حلب، وهؤلاء منهم اثنان مندوبان من قبل عطوفة الوالي وهما صاحبا السعادة مرعي باشا ناظر أوقاف حلب والميرالاي (قومندان الجندرمة) واثنان آخران مندوبان من
جهة أعيان المدينة ووجهائها. وقد جاؤوا جميعاً إلى محطّة حماة ليستقبلونا على أطراف ولايتهم، يحملون إلينا سلام دولة الوالي وتحيّة عظماء البلاد وليكونوا أيضاً في خدمتنا وتحت إشارتنا من هذا البلد حتّى نصل إلى بلدهم. وإنه لا غرابة أن ألاقي مثل هذه العناية الفائقة والأريحية العظيمة من عطوفة الوالي ورجال حكومته وأهالي ولايته، بعد أن رأيت شبيهها أو أكثر في حمص وفي كثير من البلاد الشامية، إذ كان هؤلاء الناس الكرام المخلصون يقدّرون ضيوفهم حقّ قدرهم، ويبالغون في إكرامهم وإحسان وفادتهم، ويبلغون بهم من الكرامة إذاً ما هم حقيقون به وأهله. ولقد شكرت هذا الوفد ومن كان واقفاً معهم من أهل حماة من لساني بما كنت أستطيع أن أعبّر به عمّا استقرّ في نفسي من معروفهم الكبير ولطفهم الكثير. وبعد ذلك ودّعنا الحمويين حيث كان قد تحرك القطار، ونزل معنا فيه ذلك الوفد الجليل، فمررنا ببلدة تعرف بمعرّة نعمان، نسبة فيما يقال إلى نعمان بن بشير. وهي من القرى الّتي اشتهرت بالحروب الصليبية، ويوجد فيها خربة مهدّمة يقال إنّها كانت قلعة نعمان. وسألت أصحابنا عن عدد سكّانها الآن فقالوا إنهم يبلغون ٧ آلاف نفس. وشاهدنا حول هذه القرية مروجاً وأحراشاً واسعة، يقال إن أكثر غرسها من شجر التين والفستق. ومررنا بعدئذٍ ببلدة تسمّى السرمين، وهي مشهورة بالينابيع والعيون الكثيرة التي تتفجّر من خلال الصخور. ويقال إن في هذه القرية عدداً كبيراً من المغارات والكهوف حيث كان الناس في سابق الزمان يسكنونها ويأوون إليها وإلى بطون الجبال. أمّا أرضها فكان منها الخصب المزروع، ومنها القحل الأجرد بسبب تغلب الملوحة في تربته. أمّا تلك الأراضي المملحة فكانت ترى للمسافر على مسافة
بعيدة من البلد. ثمّ مررنا ببلد يدعى بخان تومان، ويزعمون أنّ هذا الاسم مأخوذ من اسم أحد السلاطين، وعند هذه القرية يشاهد المسافر مآذن حلب من بعيد. ثمّ ما برحنا سائرين ننتقل من بلد إلى آخر
والمزارع من جمالها الطبيعي على ما وصفنا حتّى مررنا بنهر يسمّى قويق، وهو من الأنهار المشهورة في تلك الجهات. أمّا المسافة من تلك النقطة إلى مدينة حلب فكانت تقرب من نصف الساعة بسير القطار وقد كنّا في غضونها نطلّ من نافذة العربة فنشاهد أمامنا على بعد هيكل مدينة حلب جسيماً ضخماً تعلوه مآذنها الشاهقة الّتي هي أوّل ما يظهر للناظرين، وما كدنا نقرب من المحطّة حتّى وجدناها تموج بالمنتظرين من وجهاء المدينة وحكّامها موجاً، وهنا لا أستطيع أن أعبّر عن وصف الابتهاج وشرح السرور الّذي كان يخامر نفسي من العناية الكبيرة والحفاوة التامة الّتي كنت أراها بين لحظة وأخرى من سعادة مرعي باشا ناظر الأوقاف وبقيّة الوفد الحلبي حيث كانوا في أثناء هذا السفر لا يألون جهداً في تعهّد راحتنا وانبساطنا وإعمال ما كان يمكنهم من الوسائط لإدخال الفرح على أنفسنا، وقد كانوا يرشدوننا في الطريق على كل شيء مهم سواء من جهة الزراعة والصناعة أو من جهة تاريخ البلاد الّتي كنّا نمرّ بها وأحوال السكّان وعوائدهم في بلادهم وآثار القدماء في تلك البقاع ذلك فضلاً عن أنّهم كانوا يراسلون بواسطة السلك البرقي جميع المحطّات الّتي كان يرسو عليها القطار في طول السكّة ويهتمّون جدّاً بخروج الناس لاستقبالنا على المواقف عند مرور القطار حتّى وصلنا بسلامة الله إلى محطة حلب.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع