تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

مسجد سيدنا زكريا

أمّا نحن فما نشبنا بعد انصراف عطوفة الوالي وصاحبه إلا بضع دقائق ريثما تهيأنا للخروج، ثمّ ركبنا من باب الفندق عربة، ومعنا صاحبنا الهمام سعادة عبد الحميد باشا الدروبي. وركب عقبنا عربة أخرى عزيزنا الفاضل أحمد بك العريس، ومعه الياور خيري أفندي، فقصدنا توّاً إلى جامع سيّدنا زكريا نبي الله ﵇. وهو مسجد جميل الشكل متقن الصناعة والبنيان، تعتمد سقوفه المتينة على أقبية وعمد في طول المسجد وعرضه. ويقال إنّ موضع هذا المسجد كان في الأصل كنيسة من عهد الإمبراطورة هيلانة من قياصرة الرومان، ويسمّى الجامع الأموي لأنّه من آثار بني أميّة. ويدّعي أهل هذه الجهات أنّه كان شبيهاً بالجامع الأموي في دمشق، وقد أحرقته طائفة الإسماعيلية سنة ١١٦٩ ميلادية، ثمّ أعاد بناءه المرحوم السلطان نور الدين الشهيد، ثمّ هدمه المغول تحت رياسة هولاكو. ويمتاز هذا المسجد بمئذنته الشاهقة الّتي يبلغ ارتفاعها نحو ٥٤ متراً، ولم نشاهد مأذنة في مساجد المسلمين الّتي رأيناها بلغت من العلو هذا المبلغ إلا تلك المأذنة العجيبة، وهي قائمة في الزاوية الشمالية الغربية من جهة الصحن الكبير الّذي تحيط به الأعمدة من الثلاث جهات. ويقال إن هذه المأذنة بنيت في سنة ١٢٩٠ ميلادية. أمّا المسجد الّذي تقام فيه الصلاة فإنّه واقع في الجهة الجنوبية من الصحن المذكو، وفيه حجاز من الخشب (درابزين) يقسمه إلى قسمين لكنّهما غير متساويين؛ وقد خصّص القسم الأصغر منهما بالصلوات الخمس، وجعل القسم الأكبر خاصّاً بصلاة الجمعة. وفيه يوجد قبر النبي زكرياء، والد النبي يحيى الّذي قدّمنا أنّه مدفون بجامع بني أمية في دمشق، ويسمّى يوحنّا المعمدان. وهذا القبر لم يكن هو القبر الوحيد المجمع عليه من أهل المدن والطوائف، فإنّ مدينة سامرّا وبعض مدن أخرى من الشام تزعم أنّ فيها قبره عليه

السلام، وقد رأيناه محاطاً بمقصورة مذهّبة بديعة الشكل. دخلنا المسجد أوّلاً وصلّينا فيه تحيّته ركعتين، ثمّ

ذهبنا إلى ذلك المقام الشريف وقرأنا في داخله ما تيسّر لنا من كتاب الله بنيّة حصول البركة وإصلاح الحال. وهناك سألنا الله تعالى أن يتقبّل منّا هذه الزيارة الّتي نشكره، جلّ شأنه، على هدايتنا لها وتوفيقنا إليها. وخرجنا بعد ذلك عامدين على زيارة القلعة الحلبية، وكان طريق سيرنا إليها من داخل البلد. ولا بدّ لنا من ذكر كلمة عن هذه القلعة تتضمّن نبذة من تاريخها، ووصفها على حالتها الحاضرة بقدر الإمكان.

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حماة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.