من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
ردّ زيارة
ولم نمكث بعد ذلك إلا حيث تهيّأنا للخروج وأعددنا له عدّته، ثمّ قصدنا إلى منزل عطوفة فخري باشا، الوالي، لنردّ لدولته ودولة ناظم باشا ضيفه الكريم زيارتهما. وقد لبثنا لديهما مدّة غير قصيرة، دار حديثنا في أثنائها على موضوعات
شتّى ومباحث كثيرة، كنت أجدني في خلالها غاية في الارتياح والسرور، لأنّي كنت أراني جالساً بين رجلين فاضلين عاقلين من أكبر الناس أدباً وحلماً، وأوسعهم معرفة بأحوال الأمم والشعوب. وقد كان عطوفة والي حلب يتدفّق علماً ويتوقّد فطنة وذكاء، وإذا تحدّث في موضوع علمي أو سياسي أو أخلاقي اتّسعت له فيه المادة، فيصوغ ما شاء الله من معلوماته الصحيحة ومعارفه الكثيرة عبارات رقيقة رشيقة. ثمّ هو يجيد التركية والعربية والفرنساوية غاية الإجادة، ويتكلّم بها كلّها كأنّها لغته الأصلية الّتي فطر عليها. وقد فهمت من خلال كلامه وحركاته أنّه تربّى تربية عسكرية، وأنّه كان أركان حرب في الجيش الماضي، غير أنّه كان مرتدياً لباساً ملكياً ملائماً لوظيفته الحاضرة. ثمّ كنت سمعت أنّه تقلّب على جملة وظائف عالية، حيث كان في ولاية الأناضول وبلاد العرب والشام وبغداد وبصرى. وإن رجلاً تعاقبت عليه كلّ هذه الولايات، وكان عمله في كلّ واحدة منها ينادي بفضله ويشهد لاستعداده وكفاءته، وأنّه من الذكاء والعلم بالدرجة الّتي لا نعرفها إلا لبعض أفراد يعدّون على الأصابع، لهو حقيق أن يوضع في العيون وتعقد عليه القلوب. كما أنّ الحكومة التي تريد أن تكون في صف أعظم
الحكومات، وتكبر من دولتها وصولتها، هي أحوج ما تكون إلى استخدام مثل هذه الأفكار الواسعة المتصرّفة لتنتفع بها في أجلّ شؤونها وأخطر أعمالها. والشيء الغريب الّذي لا يزال غامضاً غير مفهوم إلى الآن، هو أنّنا نرى الحكومة العثمانية الحاضرة تختار لأعلى مناصبها وأسمى مراكزها صغار الموظّفين وضعافهم. على حين أنّه لا يزال يوجد، والحمد لله، رجال عثمانيون أذهبوا أعمارهم الطويلة في خدمة الدولة مع غاية الصدق والإخلاص، وما برحوا يعملون في مصالحهم على رقيّ الدولة ورفعة شأنها، ويسعون سعياً متواصلاً وراء سعادتها وإكبار أمرها. فكان من حقّ هؤلاء العمّال المخلصين المتفانين في حبّ الدولة أن يشغلوا تلك المراكز السامية والوظائف الكبيرة. وأغرب من ذلك دعوى بعض الناس اليوم أنّه لا يوجد بين كبار الرجال في الحكومة من تتوفر فيه الكفاءة والاستعداد لإدارة الأعمال السياسية الخطيرة. وهذا ما جعلني أتجاسر أمام دولة ناظم باشا، والي بغداد، وأقول له بكلّ صراحة، على مسمع من سعادة القومندان توفيق باشا وغيره، أنّي أستغرب كثيراً أن الحكومة الحالية تعيّن في أرقى
مصالحها الداخلية بعض المستخدمين في المصالح الصغيرة، كما تعلم دولتكم. وربّما كان أمثال هؤلاء، الّذين ترفعهم الحكومة وتمرّ بهم فوق رؤوس الكبراء، لم يكونوا من العلم والفضل بالمكان الّذي ينبغي لصاحبه أن يتّصل بأرباب العمل وأصحاب الرأي، ثمّ تترك في زوايا الإهمال فطاحل العلماء وأفاضل الرجال مثل عطوفة فخري باشا، ذلك الرجل العظيم الّذي كلنا يعلم بمقدار نبله وفضله وتثبّته في الأمور. نعم، إنّي مستغرب جدّاً كيف تنساه الحكومة وتهمله وتؤخّره من تقديم هو أولى وأحق به من أولئك الّذين قدّمتهم وكبرتهم، ممّن لا يحسن بمثلنا التصريح بأسمائهم أو عنوانات وظائفهم. هذا وقبل أن أبرح مجلسهم اِلتفتّ مرّة ثانية إلى دولة ناظم باشا وصافحته، ودعوت الله له أن يعينه ويساعده على مأموريّته المهمّة، وأن يؤيّده
ويوفّقه لخدمة البلاد والأمّة بما يقطع عنه ألسنة مبغضيه وحسّاده، وبما يكون منه البرهان الساطع على نقيض ما يقال الآن عن بعض المتفيهقين في كبار الرجال وشيوخهم المعمّرين. ومن هناك قفلنا عائدين إلى الفندق. وقد كنت أشعرت بعض الجماعة من أهل المدينة بشدّة ميلي إلى مشاهدة ما يصنع في ذلك البلد من قبيل المنسوجات الحريرية والقطنية والأصواف والجلود، كما طلبت إليهم أن يعرضوا عليّ كرائم خيلهم، عسى أن أظفر هذه المرّة بطلبي وأستعيض من جياد حلب الكريمة ما فاتني في المدن الأخرى. ولما أن سكنت معالم الطبيعة ولبس الجوّ جلبابه الحالك، قصدنا إلى غرفة الأكل حيث تناولنا ورفاقنا طعام العشاء، وكان معنا سعادة المفضال الأكرم عبد الحميد باشا الدروبي.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع