من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
مدينة حمص
حمص مدينة يقال إنها قديمة جدّاً وإن الّذي بناها رجل يقال له حمص بن المهرب بن جان بن مكنف، وقيل حمص بن مكنف العمليقي، وقيل بناها اليونانيون. وفيها آثار كثيرة ومشاهد ومزارات ومساجد شهيرة منها مشهد على بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، ودار الفاتح الكبير خالد بن الوليد. ويقال إن أهل حمص كانوا أشدّ الناس على علي بصفّين وأكثرهم جدّاً في حربه، ثمّ صاروا بعد ذلك من غلاة الشيعة. أمّا المدينة فقائمة على مستوى من الأرض، وهي حصينة مقصودة من سائر الجهات جميلة الهواء والتربة، كثيرة المياه والأشجار وأهلها من ذلك في خصب ورغد من العيش. ويقال أنها في قديم الزمان كانت أكبر البلاد وأحسنها، وكانت بيد ملوك الروم إلى أن ملكها كسرى في أيام عطيانوش في جملة ما ملك من البلاد الرومية. ولمّا اِنهزم الروم بعد وقعة اليرموك، كان هرقل بحمص ففارقها وجعلها بينه وبين المسلمين، وأمّر عليها أميراً. ولمّا حصر المسلمون دمشق، كان بها عسكر من أهل حمص أتوا نجدة. ولمّا فتحت دمشق، سار أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد قاصدين حمص بجيوش كافية، وذلك سنة ١٥ للهجرة، فنازلوها وجعلوا يقاتلونها صباحاً ومساءً. وكان البرد قد آذى المسلمين وطال الحصار فصبروا، وكتب هرقل إلى أهل الجزيرة أن يأتوا مدداً إلى حمص، فاعترضهم المسلمون وفرقوهم فلم يأتوها. فلمّا اِنصرم الشتاء، كان قد ضاق الحال بأهل حمص فخرجوا يطلبون الصلح فصالحهم أبو عبيدة على صلح دمشق، ثمّ استخلف عليها عبادة بن الصامت ورحل إلى حماة. وقد حصل فيها بعد الفتح جملة حوادث مهمّة لا يتّسع المقام لتفصيلها. أمّا سكّانها فيبلغون نحو ٨ آلاف نسمة، منهم ألفان من الروم الأرتدكس وألف من اللاتين والباقي من طوائف مختلفة.
نزلنا في محطة حمص، وكان يستقبلنا على إفريزها عدد كبير من رجال الحكومة
وأعيان المدينة ووجهائها المحترمين، وفي مقدمتهم صاحب السعادة قائمقام حمص. وكان سعادة عبد الحميد باشا الدروبي يعرّفنا بالذوات والعظماء ويقدّمهم إلينا واحداً واحداً، وكنت أقابل الجميع بجزيل الشكر والامتنان. ثمّ ركبنا وركب معنا سعادة القائمقام عربة الباشا الخاصة الّتي كانت قد حضر بها مع جملة عربات أنجال سعادته، وقصدنا توّاً إلى منزله. وكان الطريق من المحطة حتّى بيت سعادة الباشا مزدحماً بالناس الّذين كانوا يستقبلوننا والبشر يتلألأ على وجوههم، حتّى لقد كنت أخال أنّي ضيف كلّ واحد منهم على حدته. وما كنت لأستغرب أن يخرج إلى المحطّة وطرقات البلد سكّان المدينة عن بكرة أبيهم فألاقي من حفاوتهم واحتفالهم بنا ما لم يتّفق أن نلاقيه في جميع بلاد الشام. وأنا أعرف أنّ سعادة عبد الحميد باشا الدروبي قد اِشترى من جميع هؤلاء الناس أفئدتهم وملك نفوسهم بما يسديه إليهم من معروفه وماله، فهو في تلك المدينة بمثابة والد شفيق لكافة الناس.
بِبذلٍ وحلمٍ سادَ في قومِهِ الفَتىوَكَونك إِيّاه عَليكَ يَسيرُ
أمّا البيت فكان واقعاً من البلد في أجمل منطقة وأحسن بقعة، تحيط به الحقول اليانعة والبساتين الواسعة من جميع جهاته، وليس منظره من الداخل بأقلّ حسناً وبهجة منه في الخارج.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع