تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

ظلم الحكومات في الزمن القديم

خرجنا من القلعة ووقفنا نتزوّد منها النظرة الأخيرة وعندئذ ما كان أشدّ حركتها في سكونها وأعظم فصاحتها في سكوتها، إذ كان يخيّل إلينا أنّ أصواتاً خافتة كأنّها لا تزال خائفة تتصاعد من خلال الأبنية الفخيمة، ومن تحت قواعد الأعمدة الجسيمة والهياكل العظيمة، قائلة: انظروا إلى ما بقي من هذه المباني العالية، ثمّ إلى تلك الأطلال البالية تعلّموا كيف كان مقدار قسوة الحكّام وظلمهم في العصور الخالية.

حَمَلنا فوقَ أظهُرِنا جبالاًوَشيّدنا بِها حِصناً حَصينا
يَقومُ مَدى الزمان أدلّ شيءٍعَلى ظلمِ الملوكِ السابقينا
وَيشهد أنّنا عِشنا عَبيداًوَقاسَينا العَذابَ بِه سِنينا

نعم وهل كان يرتاب أحد في أنّ هؤلاء العمال كانوا يساقون إلى جرّ الأثقال من

الجبال كما تساق الثيران والبغال؟ ولا بدّ أنّهم فقدوا الصبر وعيت بهم الحيل، بعد أن استنصروا فلم يجدوا ناصراً واستصرخوا فلم يجدوا مغيثاً. أرأيت لو أن أصحاب الأمر جعلوا بدل ما أن يقيموا من الحجارة مثل هذا البناء الهائل أن يقيموه من أجسام العشائر والقبائل التي ذهبت في سبيل الأغراض ضحيّة الأتربة والأنقاض، أليس كانوا يسدون منها الفضاء ويبلغون بها إلى عنان السماء؟ أرأيت إن نطقت هذه التماثيل النائمة والصور القائمة، أليس كانت تخبر عن عدد الأرواح الّتي أزهقت في نحتها وقطعها وحملها ووضعها؟ ولا ذنب يستوجب عقابها ولا جناية تستدعي عذابها سوى أنّها خلق كريم من الإنسان، كان من حقّه أن يشتغل بعقله ويستخدم مواهبه فيما خلقت لأجله. ولكن ما كان أسوأ حظّ هؤلاء المساكين في ذلك الوجود المظلم، إذ عاشوا ما قدّر لهم أن يعيشوا، مسخّرين لإرادة غيرهم، عاملين غير فاعلين إلا على مقتضى أمرهم ونهيهم.

هَل كانَ يُرضيكَ يا جوبترُ ما صَنعوابِالناسِ في غابرِ الأزمانِ والأممِ
أَم كانَ يحسن يافينوس ما نَظرتعيناك مِن ظلمنا في خِدمةِ الصنمِ
إلهة العشقِ ما ذُقنا النعيمَ وماكنّا لِندركَ غيرَ الذلِّ والألمِ
عِشنا لِنَحملَ أَحجاراً وأَعمدةطولَ الحياة وَمتنا مَوتةَ الغنمِ

هذه هي الأصوات التي كان يتخيّلها الإنسان تبعث من ذلك المعبد القديم أو كان يسمعها من لسان حاله وما كان أبلغه في نطقه وأصدقه في مقاله.

لِسانُ المرءِ يكذبُ في كثيرٍوَأصدَق ما يدلّ عليهِ فعله
فَيَنطق ساكناً نطقاً صحيحاًوَيَظهر منهُ باطنهُ وعَقله

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مدينة بعلبك

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.