تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

نبذة من أخلاق المتقدّمين وعوائدهم

قد كنّا أطلنا التأمّل في هياكل القلعة وتماثيلها، فلم ندعها حتّى تلقينا عنها درساً طويلاً في أخلاق الحكّام السابقين وعقائدهم وشيء من تقاليدهم وعوائدهم، فعرفنا لهم من الخرافات الكثيرة والآراء الفاسدة ما ليس يتّفق بحال من الأحوال هو وما كان يقتضيه علمهم الواسع واِقتدارهم الكبير، حيث كانوا يقطعون من الجبال حجارة ويصوّرونها بأيديهم هياكل وتماثيل ثمّ يقيمونها ويعبدونها ويتقرّبون إليها

ببذل أنفس ما لديهم من الأموال والأرواح. ثمّ إنهم كانوا يسمّون كلّ هيكل باسم مخصوص، وفي الغالب يكون هذا الاسم بما يرتبط بنفس ماله الهيكل من الموجودات على حسب زعمهم الغريب. فهم يسمّون سيرس مثلاً بإلهة الزرع لأنّهم يعتقدون أنّ لها تأثيراً فيه، كما أنّهم يسمّون الزهرة بإلهة العشق وباكيس بإله الخمر، وهلمّ جرّا. ولعلّ ذلك لأنّهم كانوا لم يفكروا فيما وراء المادة ولم يوفقوا إلى البحث فيما يهديهم إلى العقائد السليمة والأفكار القويمة بل قصروا أنظارهم على ما كانت تتناوله

حواسّهم من الماديّات والطبيعيّات، فظلّوا من أجل ذلك عاكفين على عبادة الأصنام الّتي شيّدوها وأقاموا عليها المعابد وتغالوا في بنائها وزخرفها إلى حدّ يدهش العقول:

إنّ الهياكلَ وهيَ رأيٌ فاسدٌفيها دَلائلُ قدرةِ العمّالِ
تُلقي عَليك دُروسَ تاريخ الأُلىشادوا القِلاعَ بِأضخمِ الأثقالِ
تُعطيكَ مِنها للعقولِ وَللهوىمَثلاً يَسيرُ لآخرِ الأجيالِ
قالوا التناقضُ يَستحيلُ وجودهُوَبِها رَأيتُ تناقضَ الأمثالِ

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مدينة بعلبك

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.