من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)
تاريخ طرابلس
لم يعلم إلى الآن ما هو الاسم القديم الّذي كان يطلقه الفينيقيون على مدينة طرابلس. وقال بعض المؤرخين إنّه يغلب على الظنّ أنّ بناء هذه المدينة لا يتجاوز سبع مائة سنة قبل الميلاد. وهي باعتبارها مدينة من مدن الجمهورية الفينيقية لم يظهر عليها أنّها كانت شغلت مركزاً مهمّاً في تاريخ تلك الجمهورية. ويقال إنّها بنيت في ذلك الوقت على شاطئ البحر. وقد بنى فيها الأشوريون
والرومانيون بعد ذلك مباني فخمة، تكون منها إذ ذاك جمال المدينة وحسنها. ولكن الزلازل الّتي توالت عليها خرّبتها ولم تبق شيئاً يذكر من آثار العمائر الجميلة. وقد فتحها المسلمون بدون مقاومة منها مطلقاً. ثمّ توالت عليها حوادث الحروب الصليبية وغيرها، كما تعاقبت عليها مصائب طبيعية كثيرة. وهي تتألّف كما قلنا من قسمين، قسم الميناء البحرية وقسم المدينة الداخلية الّتي بناها المسلمون واِزدادت عمارتها وكثر عدد سكّانها في القرن السادس عشر. وقد اشتهرت طرابلس فيما بين الناس بأنّها مدينة غير صحيّة بسبب ما يظهر فيها من الحميات، مع أنّ هذه الأمراض لا تظهر هناك إلا قبيل فصل الخريف، وهي مع ذلك قليلة الخطر جدّاً. وتسمّى هذه المدينة عند أهلها بدمشق الصغرى، وشوارعها مرصوفة مرصوصة بالحجارة، وعليها أقبية وعقود يذكّر منظرها بالقرون الوسطى. وفيها سوق للحرير الّذي يصنع بها، وعدد كبير من الخانات،
وأجملها كلّها خان الصاغة. وأحسن موضع يرى منه الناظر جمال طرابلس في مجموعه هو القصر الحصين المبني على الجبل المقابل لها. ويقال إنّ الّذي شيّد هذا القصر هو الكنت ريموند ديسانجيل، ويسمّى عند المسلمين إلى الآن ساندجيل. ويوجد خارج المدينة غابة من أشجار الفاكهة، عظيمة المساحة جميلة المنظر. أمّا المدينة البحرية، فإنّها قائمة على لسان داخل في البحر، تحيط بها عدّة أبراج قديمة. وعدد سكّانها يبلغ خمسة آلاف نفس تقريباً، وهذا العدد محسوب من جملة العدد المتقدم.
هذا، وقد قدّرنا المسافة من طرابلس إلى ميناء بيروت بنحو أربع ساعات، قضيناها كلّها والحمد لله في راحة تامّة وسرور عظيم، لأنّ سير السفينة في طول هذا السفر كان قريباً من الشاطئ. وناهيك بمنظر الطبيعة البديع الّذي كنّا نشاهده على الساحل من شاطئ البحر إلى جبال لبنان، فقد كان من أحسن ما اتّفق أن يراه الإنسان في بلاد الجمال.
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع