تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الأول

اللهم إني أسألك جداً مقروناً بالتوفيق، وعلماً بريئاً من الجهل، وعملاً عرياً من الرباء، وقولاً موشحاً بالصواب، وحالاً دائرة مع الحق؛ نعم، وفطنة عقل مضروبة في سلامة صدر، وراحة جسم راجعة إلى روح بال، وسكون نفس موصولاً بثبات يقين، وصحة حجة بعيدة من مرض شبهة، حتى تكون غايتي في هذه الدار مقصودة بالأمثل فالأمثل، وعاقبتي عندك محمودة بالأفضل فالأفضل، مع حياة طيبة أنت الواعد بها ووعدك الحق، ونعيم دائم أنت المبلغ إليه.

اللهم فلا تخيب رجاء من هو منوط بك، ولا تصفر كفاً هي ممدودة إليك، ولا تذل نفساً هي عزيزة بمعرفتك، ولا تسلب عقلاً هو مستضيء بنور هدايتك، ولا تعم عيناً فتحتها بنعمتك، ولا تحبس لساناً عودته الثناء عليك، وكما أنت

أولى بالتفضل فكن أحرى بالإحسان: الناصية بيدك، والوجه عان لك، والخير متوقع منك، والمصير على كل حال إليك، ألبسني في هذه الحياة البائدة ثوب العصمة، وحلني في تلك الدار الباقية بزينة الأمن، وأفطم نفسي عن طلب العاجلة الزائلة، وأجرني على العادة الفاضلة، ولا نجعلني ممن سها عن باطن ما لك عليه، بظاهر ما لك عنده، فالشقي من لم تأخذ بيده، ولم تؤمنه من غده، والسعيد من آويته إلى كنف نعمتك، ونقلته حميداً إلى منازل رحمتك، غير مناقش له في الحساب، ولا سائق له إلى العذاب، فإنك على ذلك قدير.

ثبت - أطال الله بقاءك - الرأي بعد المخص والاستخارة، وصح العزم بعد التنقيح والاستشارة، على نقل جميع ما في ديوان السماع، ورسم ما أحاطت به الرواية، وأشتملت عليه الدراية، منذ عام خمسين وثلاثمائة، مع توخي قصار ذلك دون طويله، وسمينه دون غثه، ونادره دون فاشيه، وبديعه دون معتاده، ورفيعه دون سفسافه، ومتى أنصفتك نفسك، وهدتك الرأي، وملكتك الزمام، وجنبتك الهوى، وحملتك على النهج، وحمتك دواعي العصبية، علمت علماً لا يخالطه شك، وتيقنت تيقناً لا يطور به ريب، أنك ممن كفي مؤونة التعب بنصب غيره، ومنح شريف الموهبة بطلب سواه، وذلك بين عند تصفح ما تضمن هذا الكتاب؛ فإنك مع النشاط والحرص ستشرف على رياض الأدب، وقرائح العقول، من لفظ مصون، وكلام شريف، ونثر

مقبول، ونظم لطيف، ومثل سائر، وبلاغة مختارة، وخطبة محبرة، وأدب حلو، ومسألة دقيقة، وجواب حاضر، ومعارضة واقعة، ودليل صائب، وموعظة حسنة، وحجة بليغة، وفقرة مكنونة، ولمعة ثاقبة، ونصيحة كافية، وإقناع مؤنس، ونادرة ملهية، عقل ملقح، وقول منقح، وهزل شيب بجد، وجد عجن بهزل، ورأي أستنبط بعناية، وأمر بيت بليل، وسركتم على الزهد، وحجة أستخلصت من شوائب الشبه، وشبهة أنشئت من فرط جهالة، وبلادة طباع رويت بلسان عي، ولفظ مرذول عن صدر حرج، وفؤاد عبام.

جمعت ذلك كله في هذه المدة الطويلة مع الشهوة التامة، والحرص المتضاعف، والدأب الشديد، ولقاء الناس، وفلي البلاد، من كتب شتى حكيت عن أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ الكناني، وكتبه هي الدر النثير، والنور المطير، وكلامه الخمر الصرف، والسحر الحلال؛ ثم كتاب النوادر لأبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، ثم كتاب الكامل لأبي العباس محمد بن يزيد الثمالي، ثم كتاب العيون لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة

الكاتب الدينوري، ثم مجالسات ثعلب، ثم كتاب ابن أبي طاهر الذي وسمه بالمنظوم والمنثور، ثم كتاب الأوراق للصولي، ثم كتاب

الوزراء لابن عبدوس، والحيوانات لقدامة. هذا إلى غير ذلك من جوامع للناس مضافات إلى حفظ ما فاهوا به، وأحتجوا له، وأعتمدوا عليه، في محاضرهم ونواديهم، وحواضرهم وبواديهم، مما يطول إحصاؤه، ويمل استقصاؤه، وسيعتزي في التفصيل كل شيء منه إلى معدنه وينتسب إلى قائلة ةالعرض من الكتاب مسوق إليك والمراد فيه معروض عليك، فلا عائدة إذن للإطالة، إلا بقدر التلطف والأستمالة.

وأنا ضامن لك أنك لا تخلو في دراسة هذه الصحيفة من أمهات الحكم، وكنوز الفوائد:

أولها وأجلها ما يتضمن كتاب الله تعالى الذي حارت العقول الناصعة في رصفه، وكلت الألسن البارعة عن وصفه، لأنه المطمع ظاهره في نفسه، الممتنع باطنه بنفسه، الداني بإفهامه إياك إليك، العالي بأسراره وغيوبه عليك، لا يطار بحواشيه، ولا يمل من تلاوته، ولا يحس بإخلاق جدته، كما قال علي ابن أبي طال كرم الله وجهه: ظاهرة أنيق، وباطنه عميق، ظاهره حكم، وباطنه علم.

والثاني سنة رسول الله ﷺ؛ فإنها السبيل الواضح، والنجم اللائح، والقائد الناصح، والعلم المنصوب، والأمم المقصود، والغاية في البيان؛ والنهاية في البرهان، والفزع عند الخصام، والقدرة لجميع الأنام.

والثالث حجة العقل؛ فإن العقل هو الملك المفزوع إليه، والحكم المرجوع إلى ما لديه، في كل حال عارضة، وأمر واقع، عند حيرة الطالب، ولدد الشاغب، ويبس الريق، وأعتساف الطريق، وهو الوصلة بين الله وبين الخلق، به يميز كلام الله ﷿، ويعرف رسول الله، وينصر دين الله، ويذب عن توحيد الله، ويلتمس ما عند الله، ويتحبب إلى عباد الله، ويساس عباد الله، ويتخلص عباد الله من عذاب الله؛ نوره أسطع من نور الشمس، وهو الحكم بين الجن والإنس، التكليف تابعه، والحمد والذم قريناه، والثواب والعقاب ميزانه، به ترتبط النعمة، وتستدفع النقمة، ويستدام الوارد، ويتألف الشارد، ويعرف الماضي، ويقاس الآتي، شريعته الصدق، وأمره المعروف، وخاصته الأختيار، ووزيره العلم، وظهيره الحلم، وكنزه الرفق، وجنده الخيرات، وحليته الإيمان، وزينته التقوى، وثمرته اليقين، والرابع رأي العين؛ وهو يجمع لك بحكم الصورة، وأعتراف الجمهور، وشهادة الدهور، نتيجة التجارب، وفائدة الأختيار، وعائدة الأختبار، وإذعان الحس، وإقرار النفس، وطمأنينة البال، وسكون الاستبداد.

هذا سوى أطراف من سياسة العجم، وفلسفة اليونانيين، فإن الحكمة ضالة المؤمن، أين ما وجدها أخذها، وعند من رآها طلبها، والحكمة حق، والحق لا

ينسب إلى شيء، بل كل شيء ينسب إليه، ولا يحمل على شيء، بل كل شيء يحمل عليه، وهو متفق من كل وجه، يطرب به الراضي، ويقنع به الغضبان، مشرق في نفسه، موثوق بحكمه، معمول بشرطه، معدول إلى قضيته، به خلق الله ﷿ السماء والأرض، وعليه أقام الخلق، وبه قبض وبسط، وحكم وأقسط.

فأستدع - أيدك الله - نشاطك الشارد، وراجع بالك الرخي، وجل بفهمك في رياض عقول القدماء، وأنظر إلى مآثر هؤلاء الحكماء، وأطلع على نوادر فطن الأدباء، وأجمع بين طيب السلف، وخبيث الخلف، فما تخلو عند جولانك فيها من جد أنت سعيد به، وهزل أنت مداري فيه، ورأي أنت فقير إليه، وأمر لعلك محمود عليه:

فالدهر آخره شبه بأولهناس كناس وأيام كأيام

وإذا حفظت ما مضى، حذرت ما بقي.

وأجعل نهاية حالك، وقصارى أمرك، فيما تستفيد من هذا الكتاب، وعساه يجمع ألفي ورقة، أن تكون سالياً عن هذه الدنيا، قالياً لأمورها، واثقاً بالله تعالى، مطمئناً إليه، ممترياً لمزيده، منتظراً لموعوده، عالماً بأنه أولى بك، وأملك لك، وأقرب إليك، فإنه متى خلاك من توفيقه عثرت عثاراً بعد عثار،

وأسرت إساراً بعد إسار، وأستمررت في الخزي استمرارً بعد استمرار، وتلك حال من غضب الله عليه، وأرسله من يده، ووكله إلى حول خفيف، ومتن ضعيف؛ لا أذاقك الله كرب هذه البلوى، ولا أخلاك أبداً من متجدد النعمى.

وأصرف ما أستطعت همتك عن هذا الظل القالص، والزخرف الغاطل، والعيش الزائل، إلى ما وعدك الله، فإن الهامة إياك متى صادف طاعتك له، ودعاءه لك متى وافق إجابة منك، مدت السعادة جناحها عليك، وصافحت يد اليمن كفك، ونجوت من معاطب عالم: الساكن فيه وجل، والصاحي من أهله ثمل، والمقيم على ذنوبه خجل، والراحل عنه مع تماديه عجل؛ وإن داراً هذا من آفاتها وصروفها، لمحقوقة بهجرانها وتركها، والصدوف عنها، خاصة ولا سبيل لساكنها إلى دار قراره إلا بالزهد فيها، والرضى بالطفيف منها كبلغة الثاوي وزاد المنطلق.

عرفنا الله حظنا، وسلك بنا في طرق رشدنا، وسل حب الدنيا من قلوبنا،

وحط ثقل الحرص عليها عن ظهورنا، وفتح على ما عنده بصائرنا، وغمض عما ها هنا أبصارنا، ولا أبتلانا بنا، ولا أسلمنا إلينا، إنه ولي النعمة ومانحها، ومرسل الرحمة وفاتحها، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير؛ جل مذكوراً، وعز مراداً.

اللهم فأسمع، وإذا سمعت فأجب، وإذا أجبت فبلغ، وإذا بلغت فأدم، فإنه لا يشقى من كنت له، ولا يسعد من كنت عليه، وصل على نبيك المبعوث من لدنك إلى خلقك، محمد وآله الطاهرين، ولا تنزع من قلوبنا حلاوة ذكره، ولا تضلنا بعد إذ هديتنا، وقرب علينا طريق الاقتداء بأمره، والاهتداء بهديه، فإنك تصرف من تشاء إلى ما تشاء؛ لا راد لقضائك، ولا معقب لحكمك، ولا محيط بكنهك، ولا مطلع على سرك، ولا واصف لقدرك، ولا آمن لمكرك؛ أنت الإله المحمود، وأنت نعم المولى ونعم النصير.

قد تلطفت إلى قلبك بحثي إياك على حظك في فنون من القول، وضروب من الوصايا، وأرجو أن يكون صوابي عندك فيها متقبلاً، وخطأي فيها عندك متأولا، لا لأني لذلك أهل، ولكن لأنك حقيق به، وله خليق، ومهما شككت فيما يرد عليك مني في هذا الكتاب، فلا تشك أني قد نثرت لك فيه اللؤلؤ والمرجان، والعقيق والعقيان، وهكذا يكون عمل من طب لمن حب.

ثبت الله نعمه لديك، وخفف مؤونة شكرها عليك، وتابع لك المزيد، في

كل يوم جديد، وحرسك من نفسك، وعصمك من بني جنسك، وعرفك الخير، وحبب إليك الإحسان، ووفقك للرشاد، وختم أمرك بالطهارة بعد بلوغ الأماني ودرك المطالب، بمنه وقدرته.

قال رسول الله ﷺ: لا مال أعود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا عقل كالتدبير، ولا كرم كالتقوى، ولا قرين كحسن الخلق، ولا ميراث كالأدب، ولا فائدة كالتوفيق، ولا تجارة كالعمل الصالح، ولا ربح كثواب الله تعالى، ولا ورع كالوقوف عند الشبهة، ولا زهد كالزهد في الحرام، ولا علم كالتفكر، ولا عبادة كأداء الفرائض، ولا إيمان كالحياء والصبر، ولا حسب كالتواضع، ولا شرف كالعلم، ولا مظاهرة أوفق من المشورة؛ فأحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وأذكر الموت وطول البلى.

وقال ﷺ: حب المال والشرف أذهب لدين أحدكم من ذئبين ضاريين باتا في زريبة غنم إلى الصباح، فماذا يبقيان فيها؟ وقال الحسن البصري: إنا لو أتعظنا بما علمنا، أنتفعنا بما عملنا، ولكنا علمنا علماً لزمتنا فيه الحجة، وغفلنا غفلة من لا تخاف عليه النقمة، ووعظنا في أنفسنا بالتحول من حال إلى حال: من صغر إلى كبر، ومن صحة إلى

سقم، فأبينا إلا المقام على الغفلة بعد لزوم الحجة، إيثاراً لعاجل لا يبقى، وإعراضاًً عن آجل إليه المصير.

وقال بكر بن عبد الله المزني: المستغني عن الدنيا بالدنيا كمطفىء النار بالتبن.

وقال الثوري: إذا استوت السريرة والعلانية فذلك العدل، وإذا كانت العلانية أفضل من السريرة فذلك الجور، وإذا كانت السريرة أفضل من العلانية فذلك الفضل.

قيل لمحمد بن واسع: ألا تتكئ؟ قال: تلك جلسة الآمنين.

وقال الحسن: أعمل كأنك ميت غداً، ولا تجمع كأنك تعيش أبداً.

وأنشد لأبي الجهم:

والمرء منسوب إلى فعلهوالناس أخبار وأمثال
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «للدهر إدبار وإقبال»
يا أيها المرسل آمالهمن دون آمالك آجال

خاصم حجام بصنعته حذاء، فقال الحجام للحذاء: أنت تمشط وتسرح، وأنا أمشط وأسرح، وأنت تخرق وأنا أخرق، وأنت تشق الجلد بشفرتك وأنا أشقه بمشراطي، فأي فضل لك علي؟ قال الرقاشي، سمعت الأصمعي يقول، سمعت الأعراب تنشد:

يا باري القوس برياً ليس يحكمهلا تفسد القوس أعط القوس باريها

هكذا، ولعل القطع مراد بالاختلاس.

قال أبو هفان: كان مزين يخدم رئيساً، وكان الرئيس قد خالطه بياض، وكان يأمر المزين بلقطه؛ فلما أنتشر البياض وتفضغ الشيب قال المزين: يا سيدي، قد ذهب وقت اللقاط، وحان وقت الصرام، فبكى الرئيس من قوله.

قال الأصمعي، سمعت أعرابية تقول: إلهي، ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله، وأوحشه على من لم تكن أنيسه.

وقال الحسن البصري: من عمل بالعافية فيمن دونه، رزق العافية ممن فوقه.

أوصى المخرمي، وكان ذا يسار، فقيل له: ما تكتب؟ فقال: أكتبوا: ترك فلان ما يسوءه وينوءه، مالاً يأكله وارثه، ويبقى عليه وزره.

نظر زاهد إلى باب ملك فقال: باب حديد، وموت عتيد، وفزع شديد، وسفر بعيد.

وقال المغيرة لعمر بن الخطاب ﵁: نحن بخير ما أبقاك الله لنا، فقال له عمر: أنت بخير ما اتقيت الله تعالى.

ذم أعرابي آخر فقال: أفسد آخرته بصلاح دنياه، ففارق ما عمر غير راجع إليه، وقدم على ما أخرب غير منتقل عنه.

يقال: من اعتراه الحدب طال أيره، وأشتد شبقه، وأحدثت الحدبة له خبثاً وظرفاً.

قيل لابن الجصاص وقد كان مات له إنسان: لا تجزع وأصبر، فقال: نحن قوم لم نتعود الموت.

وقال شملة لرملة: تعال حتى لا نفلح أبداً، فقال: أما أنا فأقعد حيث شئت، فإن شئت أنت فتعال.

سئل أبو الريان الحمصي عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم

حين سئل: متى تقوم الساعة؟ فأشار بأصابع يده الثلاث، فتأوله على ثلاثمائة سنة؛ قال: إنه أراد الطلاق، لأنه لا يدري متى تقوم الساعة.

وقال المنصور للربيع: كيف تعرف الريح؟ قال: أنظر إلى خاتمي فإن كان سلساً فشمال، وإلا فهي جنوب. وقال المنصور للطلحي: كيف تعرف أنت؟ قال: أضرب بيدي إلى خصيتي فإن كانتا تقلصتا فهي شمال، وإن تدلتا فهي جنوب، فقال المنصور: أنت أحمق.

قال الحسن البصري: اللهم لا تجعلني ممن إذا مرض ندم، وإذا استغنى فتن، وإذا افتقر حزن.

قال العتبي: سأل أعرابي قوماً فقال: أنا جاركم في بلاد الله ﷿، وأخوكم في كتاب الله ﷿، وطالب من فضل الله ﷿، فهل أخ يواسي في ذات الله ﷿؟

قال إسماعيل بن عياش، سألت عبد الله بن عثمان بن خثيم: ما كانت معيشة عطاء؟ قال: جوائز السلطان وصلات الإخوان.

خطب عبد الملك بن مروان أهل المدينة فقال: لا نحبكم أبداً ما ذكرنا عثمان، ولا تحبوننا أبداً ما ذكرتم يوم الحرة.

كتب عبد الملك إلى الأحنف بن قيس يدعوه إلى نفسه، فقال الأحنف: يدعوني ابن الزرقاء إلى ولاية أهل الشام؟! فو الله لقد وددت بأن بيننا وبينهم جبلاً من نار، فمن أتانا منهم احترق، ومن أتاهم منا احترق.

قال الهيثم بن عدي: خرج معاوية يريد مكة، حتى إذا كان

بالأبواء، أطلع في بئر عادية فأصابته اللقوة، فأتى مكة، فلما قضى نسكه وصار إلى منزله، دعا بثوب فلفه على رأسه وعلى جانب وجهه الذي أصابه فيه ما أصابه، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، وعنده مروان بن الحكم فقال: إن أكن أبتليت فقد أبتلي الصالحون قبلي، وأرجو أن أكون منهم، وأن عوقبت فقد عوقب الظالمون قبلي، وما آمن أن أكون منهم، وقد أبتليت في أحسن ما يبدو مني، وما أحصي صحيحي، وما كان لي على ربي إلا ما أعطاني؛ والله إن كان عتب علي بعض خاصتكم، فقد كنت حدباً على عامتكم، فرحم الله رجلاً دعا لي بالعافية؛ قال: فعج الناس له بالدعاء، فبكى، فقال مروان: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فقال: كبرت سني، وكثر الدمع في عيني، وخشيت أن تكون عقوبة من ربي، ولولا يزيد لأبصرت قصدي، وأنشد:

وإذا رأيت عجيبة فأصبر لهافالدهر قد يأتي بما هو أعجب
ولقد أراني والأسود تخافنيفأخافني من بعد ذاك الثعلب

قال أعرابي للحسن: أيها الرجل الصالح، علمني ديناً وسوطاً، لا ذاهباً شطوطاً، ولا هابطاً هبوطاً، فقال الحسن: أما إن قلت ذلك: إن خير الأمور أوساطها.

قال العتبي: كان من دعاء الحسن بن علي ﵄: اللهم أرزقني خوف الوعيد، وسرور الموعود، حتى لا أرجو إلا ما رجيت، ولا أخاف إلا ما خوفت.

قال رجل لعمر بن الخطاب ﵁: اتق الله يا أمير المؤمنين، فقال له رجل: لا تألت أمير المؤمنين، فقال عمر: دعهم فلا خير فيهم إذا لم يقولوها، ولا خير فينا إذا لم تقل لنا، ومنه قوله تعالى " وما ألتناهم " أي ما نقصناهم.

قال ابن الأعرابي: يقال: قد انفلقت بيضتهم عن كذا، إذا وضح لهم ما يريدون.

وقال ابن الأعرابي: تركت فلاناً يضرب ظهر الأرض وبطنها، ورأس الأمر وعينه، إذا روى فيه.

وقال ابن الأعرابي: قيل لعبد الملك: أقتلت عمراً؟ قال: قتله

وهو أعز علي من دم ناظري، ولكن لا يجمع فحلان في شول.

قال آخر:

ألا أيها الغادي تحمل رسالةإليها وبلغها سلامي مع الركب
فكم في حمى القلب الذي نزلت بهلها من مراد لا وخيم ولا جدب

قال ثعلب: قولهم: ليس له أصل ولا فصل؛ الأصل: الوالد، والفصل: الولد.

خرج عيسى ﵇ على الحواريين فرآهم يضحكون فقال: لا يضحك من خاف، فقالوا: يا روح الله، مزحنا، فقال: لا يمزح من تم عقله.

قالت عائشة ﵂، قال رسول الله ﷺ: إن الله يحب أن يعفو عن زلة السري.

أنشد ثعلب، قال: أنشد إسحاق بن إبراهيم الموصلي:

أأن غبت عن مولاك دمعك سافحبشوق وسهم في فؤادك جارح
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
كفى حسرة أن المسافة بينناقريب وأني غائب عنك نازح
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
وإن يك شخصي غاب عنك فإننيلشوقي لغاد كل يوم ورائح
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
وما زلت مذ غيبت عني يعودنيسقام له في الجسم نار وقادح
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

عمر بن أبي ربيعة:

إذا خدرت رجلي أبوح بذكرهاليذهب عن رجلي الخدور فيذهب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ذكرتك يوم القصر قصر ابن عامر»

هذا البيت شاهد في مصدر خدر مع لطف المعنى فيه.

يقال: سمت العاطس وشمته، فأما السين فمن السمت، كأنه قال: جعلك الله على السمت الحسن، وأما الشين فمن قولك: تشمتت الإبل، إذا اجتمعت في المرعى، فكأن المعنى: سألت الله أن يجمع شملك؛ هكذا قال ثعلب؛ قال ابن دريد: الشوامت: اليدان والرجلان وأطراف الرجل، فكأنه قال: حفظ الله أطرافك.

قال المسيح ﵇: يا معشر الحواريين، إني بطحت لكم الدنيا على بطنها، وأقعدتكم على ظهرها، فإنما ينازعكم فيها اثنان: الملوك والشياطين، فأما الشياطين فاستعينوا عليهم بالصبر والصلاة، وأما الملوك فخلوا لهم دنياهم يخلوا لكم آخرتكم.

وقيل لمدل بشرف: لعمري لك أول ولكن ليس لأولك آخر.

وقيل لشريف آخر ناقص الأدب: إن شرفك بأبيك لغيرك، وإن شرفك بنفسك لك، فافرق الآن بين ما لك وما لغيرك؛ ألا ترى بأنك لو وصفت أنك تام الأدب أو ظريف الغلام، كان الأدب لك والظرف لغيرك، ولا تفرح بشرف النفس فإنه دون شرف الأدب، وإياك أن يكون إعجابك بشرف غيرك مثل إعجاب الخصي بأير مولاه إذا أتى ربة بيته.

قال بزرجمهر: مما يدل على أن القدر حق تأتي الأمور لأهل الجهل، وتحرفها عن العلماء مع علمهم.

يقال في اللغة: الحصان - بفتح الحاء - العفيفة، والجمع الحواصن، ولا يصرف هذا الوزن؛ والحصان - بكسر الحاء - الفرس، والجمع حصن، يا هذا. يقال: فاد يفيد فيداً وفيوداً إذا مات؛ ويقال: الغطاط أول

الصبح؛ ويقال: السريس العنين، وهو الحافظ أيضاً؛ وتقول عنين بين التعنين، وأجتنب قول الفقهاء بين العنة فإنه كلام مرذول؛ وقد مرنوا على فنون من الخطأ لسوء عنايتهم بلغة نبيهم ﵊.

يقال: الوعد وجه والإنجاز محاسنه.

وقال جعفر بن محمد: الفتن حصاد الظالمين، وأنشد:

إذا عظمت محنة عن عزاءفعادل بها صلب زيد تهن
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة
وأعظم من ذاك قتل الوصيوذبح الحسين وسم الحسن
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة

قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: لا ينقضي عجبي من ثلاثة أشياء: إفلات عباس بن عمرو من القرمطي وهلاك أصحابه؛ ووقوع الصفار

وإفلات أصحابه؛ وولاية أبي الحسن وأنا متعطل.

وكان للمتوكل مضحكان، يقال لأحدهما شعرة وللآخر بعرة، فقال أحدهما لصاحبه: ما فعل فلان في حاجتك؟ فقال: ما فتني وما قطعك.

عزى سهل بن هارون رجلاً فقال: مصيبة في غيرك لك أجرها خير من مصيبة فيك لغيرك ثوابها.

قال أبو العيناء: قال ملك من الأكاسرة لبنيه: صفوا لي شهواتكم من النساء، فقال الأكبر: تعجبني القدود والخدود والنهود؛ وقال

الأوسط: تعجبني الأطراف والأعطاف والأرداف، وقال الأصغر: تعجبني الثغور والنحور والشعور.

قال المدائني: قرأت على قبر بدمشق: نعم المسكن لمن أحسن.

قال رجل لعبد الملك: قلت دراهمي وأنت بحري، إذا فضت فضت، وإذا غضت غضت.

قال جحظة: وصف لي خياط يقول الشعر، فذهبت إليه لأسمع وأهزأ به، فأستنشدته فأنشدني:

أيا من وصله نعمويا من قوله نعم
تقول لقد سعى الواشون في التحريش لا سلموا
للشاعر القاضي عبد الوهاب المالكي، اقرأ القصيدة
وقد راموا قطيعتنافقلت له: أنا لهم
للشاعر القاضي عبد الوهاب المالكي، اقرأ القصيدة

قال: فحيرني حسنها.

قال المعذل بن غيلان: أخذنا عن غسان بن عبد الحميد أدباً حسناً؛ قال لجاريته: إذا استسقيتك خوضاً فأخثريه، فإنه لا يستحي الرجل أن

يدعو بماء فيرقه، ولا ترقيه فإنه يستحي أن يدعو بخوض فيخثره.

وقال علي كرم الله وجهه: قليل للصديق الوقوف على قبره.

كتب رجل إلى طاهر وقعة يسأله فيها، فوقع له عليها: ما شاء الله كان؛ فوقع الرجل في أسفلها: إن الله شاء المعروف؛ فلما قرأها طاهر وصله.

قال أبو هفان: كنت أنزل في جوار المعلى بن أيوب، وكان ابن أبي طاهر قد نزل عندي، وكنا على ضيقة شديدة، فقلت لابن أبي طاهر: هل لك في شيء لا بأس به؟ تجيء حتى أسجيك وأمضي إلى منزل المعلى وأعلمه أن رفيقاً لي توفي، وآخذ ثمن الكفن، فنتسع به أياماً إلى أن يصنع الله، فقال: أفعل؛ وكان المعلى قد أقام وكيلاً يكفن كل من مات ولم يخلف ما يكفن به بثلاثة دنانير؛ قال أبو هفان: فصرت إلى منزل المعلى وأعلمتهم ذلك، فجاء

الوكيل ليعرف حقيقة الخبر، ولما دخل منزلي وكشف عن وجه ابن أبي طاهر استراب به، فنقر أنفه فضرط، فالتفت إلي وقال: ما هذا؟ فقلت: هذه بقية روحه كرهت نكهته فخرجت من استه! فضحك حتى استلقى، ودفع لي ثلاثة دنانير وقال: أنتم ظرفاء مجان، فاصرفوها فيما تحتاجونه.

قال محمد بن راشد: كنا يوماً مع إسحاق بن إبراهيم الطاهري نتحدث ونخوض في ضروب من الآداب، إذ أقبل علينا فقال: ما أراد امرؤ القيس بقوله:

أغرك مني أن حبك قاتليوأنك مهما تأمري القلب يفعل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فكل قال بما حضره فقال: لم يرد هذا، قلنا: ما أراد؟ قال: أراد تملكين قلبك فإن أردت صرمي قدرت عليه، وإن أردت صلتي قدرت عليها، وأنا لا أملك من قلبي إلا صلتك؛ ومعنى أغرك أي جراك علي.

وكان الثوري يعظ أصحابه فيقول: ما تصنعون بشيء إذا بلغتم منه الغاية تمنيتم أن تنجوا منه كفافاً؟

قال ثعلب: سئل عنك الخبير، أي عرفك فأثنى عليك، ولا يجوز: سأل عنك الخبير، لأنه لا يجهله فيسأل عنه.

وقال رسول الله ﷺ: أمرني ربي بتسع: الإخلاص في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضى، وأن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون نطقي ذكراً، وصمتي فكراً، ونظري عبراً.

قال علي بن عبيدة: العقل ملك والخصال رعيته، فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها.

سمع هذا الكلام أعرابي فقال: هذا كلام يقطر عسله.

مدح رجل هشام بن عبد الملك فقال له هشام: يا هذا، إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه، فقال له: ما مدحتك وإنما ذكرتك نعم الله عليك لتجدد له شكراً، فقال له هشام: هذا أحسن من المدح، وأمر له بصلة.

قال عمر بن عبد العزيز: ما أطاعني أحد من الناس فيما عرفت من الحق حتى بسطت له طرفاً من الدنيا.

لفضل الشاعرة:

يا من تزينت العلوم بفضلهوعلا قباب مراتب الأدباء
صرف الإله عن المودة بينناوعن الإخاء شماتة الأعداء

كتب ابن الحرون إلى حمويه اليزدجردي صاحب أبي دلف: أيها السيد الذي جل قدره، وعظم خطره، إن الكتابة والبلاغة عندك شديدة، ولديك وافرة، وفيك كاملة، وقد أهديت إليك من آلتها ما خف محمله، وقلت قيمته، ليجدد عند مشاهدتك إياه، وأستعمالك له، ذكر حرمتي، فيؤكد عقد مودتي، وهي أقلام من القصب، كقداح النبل في أوزانها، وقصب

الخيزران في اعتدال قوامها، وسمر القنا في تمالك أجسامها، فكأنما خرطت بشهر استدارتها، وقسمت بقياس أجزاؤها، فهي أحسن اعتدالاً من الأسل الخطية، وأنقى وأبهى من الصفائح اليمانية، فلو كانت رجالاً لوجب أن تكون في ذروة من الشرف من آل آكل المرار وعبد المدان، وفي النجدة كملاعب الأسنة وصناديد الفرسان، وفي الجود كحاتم وابن جدعان، وفي السياسة كأزدشير وأنوشروان، وفي الجمال كما قال الشاعر:

أضاءت لهم أحسابهم ووجوههمدجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
للشاعر لقيط بن زرارة، اقرأ القصيدة

وكما قال الآخر:

وبيض رقاق خفاف المتون تسمع للبيض فيها صريرا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «وبيض رقاق خفاف المتون»
مهندة من عتاد الملوكيكاد سناهن يعشي البصيرا
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «وبيض رقاق خفاف المتون»

وقال الشاعر:

تود عدوي ثم تزعم أننيصديقك إن الرأي عنك لعازب
للشاعر النابغة الشيباني، من قصيدة «تود عدوي ثم تزعم أنني»
بلوتك في أشياء منها منحتنيأماني محاج وفيك مخالب
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

فليس أخي من ودني رأى عينهولكن أخي من ودني في المغايب
ومن ماله مالي إذا كنت معدماًومالي له إن عض دهر بغارب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تود عدوي ثم تزعم »
فما أنت إلا كيف أنت ومرحباًوبالبيض رواغ كروغ الثعالب
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

يقال: أرغى القوم إذا أرادوا الرحيل فرغت إبلهم. العد: الماء الذي له مادة. والجميع الأعداد؛ والشياهم هي الدلادل. يقال: الأرش والإتاوة في الحرب ما يشترى به السرب.

قال ابن الكلبي: العرب كلها سدوس. إلا سدوس بن أصمع في طيء، مضموم السين.

ويقال: العرب كلها عدس إلا عدس بن زيد في تميم، فإنه مضموم

وقال معاوية يوماً، وعنده الضحاك بن قيس الفهري، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، ويزيد ابنه: ما أعجب الأشياء؟ فقال الضحاك: إكداء العاقل، وخفض الجاهل؛ وقال سعيد: أعجب الأشياء ما لم ير مثله؛ وقال عمرو: أعجب الأشياء غلبة من لا حق له ذا الحق على حقه؛ فقال معاوية: أعجب من ذلك أن تعطي من لا حق له ما ليس له بحق من غير غلبة، قال يزيد: أعجب الأشياء هذا السحاب الراكد بين السماء والأرض، لا يدعمه شيء.

دعم يدعم دعماً إذا أمسك، والدعامة منه، والجماع الدعائم؛ هكذا قال الثقات.

قال أعرابي لآخر: حاجيتك، ما ذو ثلاث آذان يسبق الخيل بالرديان؟ يعني سهماً. حاجيتك معناه فاطنتك، والحجى: العقل والفطنة؛

والرديان: ضرب من المشي في سكون؛ هكذا قال الثقة.

قال أبو عمرو: قد صرمت سحري منه، أي يئست منه. ويقال: إني منك غير صريم سحر؛ والسحر: الرئة؛ والرئة مهموزة، وأما الرية - بالتشديد - ما أوريت منه النار، هكذا قال أبو حنيفة صاحب النبات. وأما الروية فقد جرت بينهم غير مهموزة، ولها الهمز بحق الأصل كقولك روأت في الأمر، وأما رويت رأسي من الدهن، وأرويت مشاشي من الماء، فلا همز فيه، ومعناه أكثرت ونقعت. يقال: إذا رويت - من الري - نقعت ونقعت غيري بكذا؛ هكذا قال الكسائي في النوادر.

قال يزيد بن المهلب: الكذاب يخيف نفسه وهو آمن.

معناه أنه قد عرض نفسه للمطالبة بحقيقة ما قاله، فهو خائف من الفضيحة، وملاحظ لعار التكذيب، ومستوحش لما فيه أنس الصادقين.

وقال بعض الأدباء: لو لم أدع الكذب تأثماً لتركته تكرماً.

وقال بعض السلف الصالح: لو لم أدع الكذب تعففاً لتركته تظرفاً.

وقال آخر من الأدباء: لو لم أدع الكذب تحوباً لتركته تأدباً.

وقال أبو النفيس: لو لم أدع الكذب تورعاً اتركته تصنعاً.

وقال ﷺ، وهو المقدم والمعظم، والمأخوذ بقوله في الحرب والسلم: الكذب مجانب للإيمان.

شاعر:

تقول إحدى البدن الرعابيبما لي أراك عاري الظنابيب

ممشق اللحم كتمشيق الذيب وقال العباس بن الأحنف:

لم ألق ذا شجن يبوح بحبهإلا حسبتك ذلك المحبوبا
حذراً عليك وإنني بك واثقأن لا ينال سواي منك نصيبا
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

وقال علي بن أبي طالب ﵁: إن الحق لو جاء محصاً لما أختلف فيه ذو الحجى، وإن الباطل لو جاء محضاً لما اختلف فيه ذو حجى، ولكن أخذ ضغث من هذا وضغث من هذا.

الضغث من الشيء: القطعة والطائفة منه؛ وهو كلام شريف ويحوي معاني سمحة في العقل.

قال علي ﵁: ليس من أحد إلا وفيه حمقة فبها يعيش.

أنشد لأعرابي:

كفى لأمة بالمرء والله عالموعندك من علم الكرام يقين
بأن يخرج المشتار من عند صبيةسغاب ويأتي الأهل وهو بطين
وإن امرءاً يهنا بطعم ومشربوترك جياع خلفه لمهين

يريد باللأمة اللؤم، وهذا اللفظ غريب، فإن اللأمة الدرع، وكذلك يقال: استلأم الرجل إذا دخل في شكته، والشكة: السلاح؛ فأما استلم - بغير همز - فلمس الحجر، والحجر هو السلام، والألائم: اللئام، والملائم: الخصال اللئيمة، فأما الملاوم فالمعايب ومنه " فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ". هكذا حصلته عن أبي سعيد السيرافي قراءة وسماعاً ومسألة ومراجعة.

قال أبو زياد: لم يلظ به إلا وهو يريد به خيراً؛ قال: الإلظاظ: اللزوم، ومنه قوله ﷺ: ألظوا بياذا الجلال والإكرام.

هكذا فسره أبو عبيد القاسم بن سلام - ولا تقل سلام، فقد كان بعض من صحب أبا الفتح ابن العميد إلى مدينة السلام سنة أربع وستين وثلاثمائة

يقول ذلك، فعابه بذلك البغداديون. فأما الإلطاط - بالطاء - فالأحتجاب والمطل؛ وقال الثقة: المرجوب: المهيب، وكأن رجباً منه لأنه كان يهاب فيه الحرب.

قال أعرابي في شأن امرأة: إنها والله عربية اللسان، وقلبها أعرب منها؛ هكذا قال ابن الأعرابي.

قال أبو بكر الواسطي: طلبت قلوب العارفين فوجدتها في أوج الملكوت تطير عنه الله، ووجدت وجه عطاء العاملين أن يكون من الله، ووجدت وجه عطاء العارفين أن يكون مع الله، لأن حاجة العامل إلى بره، وحاجة العارف إلى ذاته.

كتب أبو العتاهية إلى سهل بن هارون، وكان مقيماً بمكة: أما

بعد، فإني أوصيك بتقوى الله الذي لا بد لك من تقاته، وأتقدم إليك عن الله ﷿، وأذكرك مكر الله فيما دنت إليك به ساعات الليل والنهار، فلا تخدعن عن دينك، فإنك إن ظفرت بذلك منك وجدت الله ﷿ أسرع فيك مكراً، وأنفذ فيك أمراً، ووجدت ما مكرت به في غير ذات الله ﷿ غير راد عنك يد الله، ولا مانع لك من أمر الله؛ فلعمري لقد ملأت عينك الفكر، وأضطربت في سمعك أصوات العبر، ورأيت آثار نعم الله ﷿ تنسخها آثار نقمه حين استهزىء بأمره، وجوهر بمنابذته، وكأن في حكم الله أن من أكرمه فأستهان بأمره أهانه، والسعيد من وعظ بغيره، لا وعظك الله في نفسك، وجعل عظتك في غيرك، ولا جعل الدنيا عليك حسرة وندامة، فقد تقدم إليك مني كتابان، فإن كانا وصلا فقد أخبرا بحال زماننا، والسلام.

وبكوا على محمد بن النضر الحارثي عند موته، ففتح عينيه وقال: ما لكم تبكون؟ قالوا: لأنك تموت، فقال: أما والله ما أبالي أمت أو رميت في البحر، وإنما أنقلب من سلطانه إلى سلطانه.

قال عبيد الله بن محمد بن عبد الملك بن الزيات في كتاب كتبه:

وقريش - حفظك الله - بمحل الشرف، وبيت الكرم، وأهل الجلالة، أعظم الناس أحلاماً، وأصحهم عقولاً، وأبعدهم آراء، وأشدهم عارضة، وألسنهم بحجة، قال الله ﷿: " بل هم قوم خصمون " الزخرف:، وهاشم وبنوه منهم. قال: وقال بعض البلغاء يصفهم: وهم طينة التوحيد، وشجرة الإسلام، ونهية الخير، وبيت الرحمة، وينبوع الحكمة، ومعاذ الخائفين، وملاذ الخائبين، ونهاية الراغبين، مهبط جبريل، وربع التنزيل، ومنزع التأويل، وخدن الإيمان، وواسطة النظام، وأوعية القرآن، ليس إليهم مرتقى، ولا فوقهم متمنى، بيوتهم القبلة، وأفعالهم القدرة، وموالاتهم عصمة، ومحبتهم طهارة، ومقاربتهم نجاة، ومباعدتهم سخط؛ ولما اصطفى الله تعالى رجلاً جعله منهم، ولما أحكم كتاباً أنزله عليهم، ولما أرشد أمة دلها عليهم؛ أولهم ذبيح الله، وأوسطهم رسول الله ﷺ، وآخرهم خلفاء الله في أرضه، وبعصيانهم وطاعتهم أضحى الثقلان فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير.

وفي الكتاب أيضاً فصل آخر سأرويه على جهته إذا عثرت به عند النقل. فصرف فهمك ونعم بالك في طرف الحديث، وملح النوادر، وشريف

اللفظ، ولطيف المعنى، فإن لك بذلك مزية على نظرائك الذين أصبحوا متناحرين على الدنيا في كسب الدوانيق والحيل والمخاريق، وأصبحت أنت تلتمس موعظة تنهي نفسك بها عن غرورها، وتطلب فضيلة تتحلى بها من شكل الدنيا، وتتحول بها إلى دار القرار.

وقال علي بن أبي طالب ﵁: الكريم لا يلين على قسر، ولا يقسو على يسر.

وكان سهل بن هارون كاتب المأمون على خزانة الحكمة. وتوفي آخر أيام المأمون.

وكان يقال: بلغ فلان عنان السماء؛ العنان: الغيم الأبيض، وهو أشد الغيوم ارتفاعاً، فأما أعنان السماء فنواحيها؛ هكذا قال الثقات، وبخط السكري مر بي فنقلته، وكان ذلك في كتب أبي بكر القومسي الفيلسوف بمدينة السلام.

وصف أعرابي بعيراً فقال: إذا عصل نابه، وطال قرابه، فبعه بيعاً زليقاً، ولا تحاب به صديقاً. قرابه: خاصرته؛ هكذا وجدته.

العرب تقول: ويل أهون من ويلين، كما تقول: بعض الشر أهون من بعض.

يقال: مشى له الخمر والضراء إذا استنزله وختله، ومشى الملا والبراح إذا مشى ظاهراً بارزاً؛ كأنه في الأول دب خادعاً، وفي الثاني سلك السواء.

وأنشد لحبيب بن خدرة:

ألا حبذا عصر اللوى وزمانهإذ الدهر سلم والجميع حلول
للشاعر حبيب الهلالي، من قصيدة «ألا حبذا عصر اللوى وزمانه»
وإذ للصبا حوض من اللهو مترعلنا علل من ورده ونهول
للشاعر حبيب الهلالي، من قصيدة «ألا حبذا عصر اللوى وزمانه»

الحلول: الحالون، كما تقول: هم قعود أي قاعدون؛ وأما المترع فالمملوء، يقال: إناء مترع إذا كان ملآن، وجرة مترعة إذا كانت ملأى، ولا ينصرفان؛ ويستعار فيقال: عينه مترعة بالدمع، كما يقال: قلبه مطفح بالغيظ؛ وأما العلل فالشرب الثاني، والنهل: الري، والناهل: الريان العطشان، وهكذا جاء في الأضداد؛ وهذا التفسير حفظته سماعاً وأحكمته رواية.

وإذا نحن لم يعرض لألفة بينناتناء ولا مل الوصال ملول

ورجل مغوار: صاحب غارة، ورجل مغيار: من غيرة، والغيرة - بفتح الغين - هذا العارض للزوج على زوجها، وللزوج على زوجه، والزوجة لغة، والأول أعلى - هكذا قيل. وإياك أن تقيس اللغة، وقد رأيت فقيهاً من الناس وقد سئل عن قوم فقال: هم خروج، فقيل: ما تريد بهذا؟ قال: قد خرجوا، كأنه أراد: هم خارجون؛ قيل: هذا ما سمع، قال: هو كما قال الله تعالى: " إذ هم عليها قعود " البروج:، أي قاعدون، فضحك به.

والعرب تقول في أمثالها: الغرة تجلب الدرة، أي مع النقصان تؤمل الزيادة، من قولك غارت الناقة إذا انقطع لبنها؛ ويقال: غرة وغرار أي

كساد ونقصان - بفتح النون؛ يقال: هلل الرجل إذ فر، وكلل إذا حمل.

قال معاوية: تمردت عشرين، وتفتيت عشرين، ونتفت عشرين، وخضبت عشرين، فأنا ابن ثمانين.

وقال الحسن بن مخلد: كان أحمد بن أبي دواد يستغل عشرة آلاف ألف درهم، وكان ينفق أكثر منها.

يقال: تعلموا العلم وإن لم تنالوا به حظاً، فلأن يذم لكم الزمان أحسن من أن يذم بكم.

يقال في المثل:

ليس ذنابي الطير كالقوادمولا ذرى الجمال كالمناسم

وسئل ابن عباس عن القدر فقال: هو بمنزلة عين الشمس، كلما أزددت إليها نظراً أزددت عشى.

قال فيلسوف: إن كان من القبيح إذا كان البدن سمجاً بأوساخ وأقذار قد غشيته أن يكون مزيناً من خارج بثياب نظيفة، فأقبح من ذلك أن تكون النفس دنسة بأوساخ العيوب ويكون البدن من خارج مزيناً.

قال فيلسوف آخر: إن كنا نعنى بجميع أجزاء البدن، وخاصة بالأشرف منها، فبالحري أن نعني بجميع أجزاء النفس وخاصة بالأشرف منها، وهو العقل.

يقال عنيت بكذا - بفتح العين وضمها؛ قاله ابن الأعرابي.

وقال معاوية لصعصعة بن صوحان: صف لي الناس، فقال: خلق الله الناس أطواراً، فطائفة للعبادة، وطائفة للسياسة، وطائفة للفقه والسنة، وطائفة للبأس والنجدة، وطائفة للصنائع والحرف، وآخرون بين ذلك يكدرون الماء ويغلون السعر.

قال الفضل بن مروان: مثل الكاتب مثل الدولاب، إذا تعطل انكسر.

قال محرز الكاتب: اعتل عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فأمر المتوكل الفتح أن يعوده، فأتاه فقال له: أمير المؤمنين يسأل عن علتك، فقال عبيد الله:

عليل من مكانينمن الإفلاس والدين
وفي هذين لي شغلوحسبي شغل هذين

فلما عاد إليه وأخبره الخبر وصله بمائة ألف درهم.

لضرار بن الخطاب الفهري:

مهلاً أزيلوا لنا ظلامتناإن بنا سورة من القلق
لمثلكم تحمل السيوف ولاتغمز أحسابنا من الرقق
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «أغروا بنا وادعوا مقامتنا»
إني لأنمى إذا انتميت إلىعز عزيز ومعشر صدق
بيض سباط كأن أعينهمثكحل يوم الهياج بالعلق
للشاعر عبد الله بن علي الخليلي، من قصيدة «أغروا بنا وادعوا مقامتنا»

كان بعض الرؤساء يعجب من هذا الكلام ويتعجب به.

وصف أعرابي أجمة فقال: مناقع نز، ومرعى إوز، قضبها تهتز، ونبتها لا يجز.

الكامل

وإذا جددت فكل شيء نافعوإذا حددت فكل شيء ضائر
للشاعر يزيد المهلبي، اقرأ القصيدة

الجد - بالجيم، ها هنا بالفتح - هو إنقياد الأمر، والحد - بالحاء - هو أمتناعه ومنعه، ومنه سمي البواب حداداً لأنه يمنع، كذا قال ثعلب؛ ومنه قيل حدود الله ﷿ أي محارمه، كأنها مانعة من التعدي؛ ومنه حدود الدار كأنها حائزو لما أحاطت به، ومانعة من أنفسها ما ليس منها؛ والحداد: البحر، كأنه مانع من الطريق؛ والحدود: المصور، والمصر: الحاجز ويكتب هكذا: أشترى فلان هذه الدار بمصورها. وقال بعض المتكلمين: حد

الشيء حقيقته، ومعناه أنه ليس يدخل فيه ما ليس منه، ولا يخرج منه ما هو فيه، وكأن الحداد منه أيضاً، لأن المرأة إذا حدت لبست الحداد، وهي الثياب السود، ومنعت نفسها من العادة في النعمة؛ والنعمة: التنعم، والنعمة: ما ينعم به، والناعم: الشيء اللين، والنعم هو منه، وقولهم: نعم، كأنه من اللين في إيجاب الشيء والإجابة فيه.

أنشد ابن السكيت:

يا راقد الليل مسروراً بأولهإن الحوادث قد يطرقن أسحارا
للشاعر مُصعَب الماجن، اقرأ القصيدة
أفنى القرون التي كانت مسلطةمر الجديدين إقبالاً وإدبارا
يا من يكابد دنيا لا مقام بهايمسي ويصبح في دنياه سيارا
كم قد أبادت صروف الدهر من ملكقد كان في الأرض نفاعاً وضراراً
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

يقال في الدعاء: لا ترك الله له شفراً ولا ظفراً، أي عيناً ولا يداً.

وكان واعظ يقول في كلامه: يا أوعية الأسقام وأغراض المنايا، إلى متى هذا التهافت في النار؟

وأنشد لأبي مسلم:

تغيرت بعدي والزمان أنيسوخست بعهدي والملول يخيس
وأظهرت لي هجراً وأخفيت بغضةوقربت وعداً واللسان عبوس
ومما شجاني أنني يوم زرتكمحجبت وأعدائي لديك جلوس
وفي دون ذا ما يستدل به الفتىعلى الغدر من أحبابه ويقيس
فإن ذهبت نفسي عليك تحسراًفقد ذهبت للعاشقين نفوس

كفرت بدين الحب إن طرت بابكموتلك يمين ما علمت غموس

ولو كان نجمي في السعود لزرتكمولكن نجوم العاشقين نحوس

وقال زاهد: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود غيب يوم لم يرد.

أنشد لجحظة:

قلت للحاجب لماردني عنه بجهده
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وتألى أنه قد نام من إدمان كده
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
أنعاساً نام رب البيت أم نام لعبده
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وله أيضاً:

سقياً ورعياً للجزيرة موطناًنواره الخيري والمنثور
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وترى البهار معانقاً لبنفسجفكأن ذلك زائر ومزور
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وكأن نرجسها عيون كلهاكالزعفران جفونها الكافور
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وله أيضاً:

وقائلة ما دهى ناظريكفقلت رويدك إني دهيت
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
شققت دجاجة بعض الملوكفما زلت أصفع حتى عميت
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وله:

أنا في قوم أعاشرهمما لهم في الخير عائدة
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
جعلوا أكلي لخبزهمعوضاً من كل فائده
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

ليت في زماننا من يؤكل خبزه.

قال محمد بن عبد الملك الزيات ليعقوب بن بهرام: كلمت أمير المؤمنين في عمر بن فرج فعزله عن الديوان، فقال له يعقوب: فرغته والله لطلب عيوبك.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.