تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الأول (٣)

وكان كاتب زيرك يعشق يهودية، وكان يمص بظرها، ثم يدخل إصبعه في استها ويخرجها، ويصير ما خرج عليها على طرف لسانه ويقول: هذا الماح من الراح، أشهى إلي من التفاح.

وأبو أيوب ابن أخت أبي الوزير، أدخل يوماً إصبعه في استه، فأخرج شيئاً، فدلكه ثم مسح به تحت إبطه وقال: لا يقطع الشر إلا الشر، هكذا قال أبو العنبس.

وأما عبد العزيز بن أبي دلف فإنه دعا بجارية كان يرى الدنيا بعينها فضرب عنقها، فقيل له: لم فعلت ذلك؟ فقال: مخافة أن أموت في حبها فتبقى هي بعدي تحت غيري.

وهذا أيضاً نمط من الجنون؛ إلى الله المفزع منه، ومن كل أمر يجلب السخط ويصلي جهنم.

قال عبد الله لبني نهشل:

لا أخمد النار أخشى أن يبينهاعان يريد سناها جائع صرد
لكن أقول لمن يعرو مناكبهاألقوا الضرام عليها علها تقد
إما أقوم إلى سيفي فأشحذهأو يستهل عليهم محلب زبد
إني لأحمد ضيفي حين ينزل بيأن لا يكلفني فوق الذي أجد

يقال: ليس في الطيور أوفى من قمرية، فإنه إذا مات ذكرها لم تقرب ذكراً آخر بعده، ولا تزال تنوح عليه إلى أن تموت.

وكان بايكباك التركي اشترى جارية، وكانت قبله لفتى يحبها وتحبه فمات عنها، فجعلت لله على نفسها أن لا يجمع رأسها إلى رأس رجل وساد؛ فبيعت في الميراث، فلما حصلت بالشراء لبايكباك، نظرت إلى وجهه وخلقته - وكان منكراً متفاوتاً - فبكت، فقال لها: يا بنت الزانية! أيش تبكين؟ في حر أم أمس، وفي بظر أم غد، الشأن في اليوم، قومي حتى نتنايك ونأكل ونشرب، فوقع عليها الضحك واسترخت له وأمكنته.

قال الفرزدق:

يا رب خود من بنات الزنجتمشي بتنور شديد الوهج

أخثم مثل القدح الخلنج

قدم بلال بن أبي بردة البصرة أميراً، فقال خالد بن صفوان، سحابة صيف عن قليل تقشع، فقال بلال لما بلغته هذه الكلمة: أما إنها لا تقشع حتى يصيبك منها شؤبوب؛ وأمر به فضرب مائة سوط.

والشؤبوب: الدفعة، ويقال للجيل: شؤبوب من الناس، كأنه الطائفة منهم.

قال أعرابي: بلوت فلاناً فلم يزدني اختباره إلا اختياراً له.

وأراد زيد بن ثابت أن يركب، فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه فقال: تنح يا ابن عم رسول الله ﷺ، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، قال زيد: أدن يدك مني، فأدناها، فقبلها وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.

قالت ماوية بنت النعمان بن كعب بن جشم لزوجها لؤي بن

غالب: أي بنيك أحب إليك؟ قال: الذي لا يرد بسطة يده بخل، ولا يلوي لسانه عي، ولا يغير طبعه سفه، وهو أحد ولدك بارك الله لنا ولك فيه - يعني كعب بن لؤي. ولؤي تصغير لأي، وهو بقر الوحش.

شاعر:

إذا أمل يوماً غزاني حبوتهكتائب يأس كرها وطرادها
سوى أمل يدني إليك فإنهيبلغ أسباب المنى من أرادها

قيل لسقراطيس الفيلسوف - وكان من خطبائهم -: ما صناعة الخطيب؟ قال: أن يعظم شأن الأشياء الحقيرة، ويصغر شأن الأشياء العظيمة.

يقال: فلان قد جمع طهارة المروءة وأريحية الفتوة.

قيل للبوشنجي شيخ خراسان: ما المروءة؟ قال: إظهار

الزي؛ قيل: فما الفتوة؟ قال: طهارة السر.

وقال بعض السلف: العلوم أربعة: الفقه للأديان، والطب للأبدان، والنجوم للأزمان، والنحو للسان.

لأبي زبيد الطائي:

إذا نلت الإمارة فاسم فيهاإلى العلياء والحسب الوثيق
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
فكل إمارة إلا قليلاًمغيرة الصديق على الصديق
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «إذا نلت الإمارة فاسم فيها»
فلا تك عندها حلولً فتحسىولا مراً فتنشب في الحلوق
أعاتب كل ذي حسب ودينولا أرضى معاتبة الرفيق
وأغمض للصديق عن المساويمخافة أن أعيش بلا صديق

قال الماهاني: سار رجل أبخر رجلاً أصم، فلشدة ما صدم خياشيم الأصم قال للأبخر: قد قهمت ما قلت؛ فلما ولى قيل للأصم: ما الذي قال لك؟ قال: والله ما أدري ولكنه فسا في أذني.

شاعر:

وقد علم العوج المراضيع تقتريعشاء على النيران هدلاً جنوبها
نداي إذا ما الناس جاعوا وأمحلوافكانت كأقراب النعام سهوبها

يقال في مثل من أمثال العرب: لا در إلا بإيالة؛ الإيالة: السياسة. رأيت من صحف بايالة، وكان وجهاً في اللغة، فعد من سقطاته.

شاعر:

أيديكم نعم تعم بنفعهاوسيوفكم من كل باغ تقطر
فكأن أنصلها إذا حمي الوغىشقق الرياط صباغهن العصفر

ولد المختار بن أبي عبيد سنة هاجر النبي ﷺ، وأمه دومة بنت عمرو بن معتب، أتاها آت في نومها فقال لها:

ألا آبشرن بولدأشبه شيء بالأسد
إذا الرجال في كبدتغالبوا على بلد

كان له حظ الأسد

قال حميد الطويل: لقد غسلنا الحسن البصري وإن في بطنه لعكناً؛ واحدتها عكنة وهي مثاني البطن عند السمن.

هلك ابن عباس سنة إحدى وسبعين، وهلك ابن عمر بعده بسنة.

لمعن بن زائدة وهو إذ ذاك بالسند:

لو أبصرتني وجوادي ثوراوالسرج فيه قلق ومور

لضحكت حتى يميل الكور قال شاعر:

ما على الأيام معتبةهل من الأيام منتصف
وجدت بي ما وجدت بهافكلانا مغرم كلف

قال الصولي: رأيت الفضل بن الحباب أبا خليفة الجمحي وقد قال له إنسان: ما أحسبك أيدك الله تثبتني، قال: وجهك يدل على علو

سنك، والإكرام يمنع من مسألتك، فأوجد السبيل إلى معرفتك.

أنشد الأصمعي:

عام يرى الأفق به مغبراقد أصبح الضر به مفترا
وأوغل الزارع فيه شراوأبت الحلوب أن تدرا
وموتت فيه الخشاش طرافكل جحر قد خوى واقفرا
وأشبع الكلب فعم هراغادر ذا الشدة مقشعرا

قد أظهر العبوس وأقمطرا

الأغبرار: الغبرة، والغبراء: الأرض، والأفترار: الأنكشاف، ومنه: أفتر فلان، أي ضحك، كأنه أبدى أسنانه؛ وفر الرجل إذا ذهب، كأنه انكشف عنك، وعينه فراره أي عيانه خبره؛ والفاء مكسورة، كذا قال أبو سعيد السيرافي، وقد لج في ضمه بعض من لا يعتد برأيه، ومنه قول الحجاج: وفررت عن ذكاء كما تفر الدابة فينظر إلى سنها. وسمعت في البادية بفيد رجلاً من العرب يقول لأخر عند قاضيها أبي العباس: أنا الضامن المخبور والجذع المفرور؛ فحفظت عن غير معرفة، ثم سألت العلماء فوضح الجواب. ورأيت في

رواية السكري ديوان امرىء القيس: فلانة حسنة الفرة - خفيفة الراء. وأما الأقترار - بالقاف - فتبردك بالماء وحثيك على يديك، ويقال حثوك، وكأنه من القر وهو البرد. وقرة العين خلاف سخنة العين، كأن دمعة الفرح باردة عن سكون الأخلاط، ودمعة الهموم حارة عند ثوران الأخلاط؛ والقرار: السكون والهدوء، وقر البرد: سكن، وقر فلان: سكن وهدأ، وأقر فلان بكذا أي دخل في الهدوء والسكون، أي لا يضطرب عند المطالبة بما اعترف به، وهي بمنزلة أشهر فلان أي دخل في الشهر، وأحرم أي دخل في الحرام أو الحرم. وأما الاعترار فالزيادة أو الفضل، والمعتر: الذي يغشى رحلك، والقانع: السائل، في قوله ﷿ " القانع والمعتر " الحج:، والقنوع: السؤال، والقناعة: الاقتصار على ما دون الكفاية، وخطأ أشباه الخاصة في القنوع إذا وضعوه موضع القناعة ظاهر، وكأن القانع يستر حاجته؛ والقانع في السؤال: الكاشف قناعه، والقناع: خمار المرأة، وهو ما تتقنع به، والقناع: طبق توضع عليه الفاكهة، وذلك لستره وتغطيته. وأما الاجترار للبعير إذا رد إلى فيه ما في جوفه وأعاد جرته؛ وأما الابتيار فأفتعال من برت إذا تحيرت؛ وأما الابتهار فرميك بما لا علم لك فيه. والخشاش - بفتح الخاء -: المنكر كرأس

الحية، كذا قال الأموي في النوادر بخط ابن الكوفي، وها هنا يريد جميع الدبيب، والخشاش - بكسر الخاء - خشاش الناقة، هذا لفظ الأموي أيضاً؛ وقال الأموي: ليس الكلام على نبرة واحدة، بالنون.

وقال الأموي أيضاً: إذا استسقى المستسقي الماء فأنتضخ عليه - بالخاء معجمة - من الدلو، فذلك السقي - بتشديد الياء.

وقال الأموي أيضاً: خفس لهم الشراب إذا سقاهم صرفاً، أو أقل فيه من الماء، وكذلك اللبن.

وقال الأموي: نكيت العدو أنكيه، وهو ينكي العدو، ونكيت أنا - بالكسر.

قال فيلسوف: عادم بصر البدن يكون قليل الحياء، كذلك عادم عين العقل يكون كثير القحة - القاف من القحة تفتح وتكسر، هكذا قال سيبويه وغيره.

وقال فيلسوف: ليس ينبغي أن يرام الأنقياد ممن وضع في نفسه ألا يقبل شيئاً، وذلك أنه لا ينقاد إلا للأمتناع من القياد.

وقال أرسطاطاليس: كما أن البهيمة لا تحس من الذهب والفضة والجوهر إلا بثقلها فقط ولا تحس بنفاستها، كذلك الناقص لا يحس من الحكمة إلا بثقل التعب عليه منها ولا يحس نفاستها.

يقال: أحسست الشيء وبالشيء، وفي القرآن بحذف الباء، والفقهاء يخطئون فيه.

تركت حروفاً في أبيات الأصمعي لأن الكلام آخذ بعضه برقبة البعض فلم يقع منه مخلص، كذلك الحديث ذو شجون لأعتراض بعضه بعضاً: وأما قوله خوى وأقفرا: خوى معناه خلا، وخوي النوء معناه إخلاف مطره، وخوى نجمه - في الاستعارة - كقولهم ركدت ريحه، وباح ميسمه، وكبا جواده، وخمد ضرامه، ونضب ماؤه، وانثلم ركنه، وانهار جرفه، ونقب خفه، ودمي ظلفه، ورغم أنفه، وخر سقفه، وجذب عطفه، وعطفه رداؤه، وقد يراد به جماله، وبار ماؤه - نضب، وسقط بهاؤه - ذهب، وقلق وضينه، وعرق جبينه، وانخزل قرينه، وقرينه نفسه، وكذلك

قرونه، وجمح حرونه، وساخت قدمه، وانتهى أمره، ونحو ذلك مما يتصرف فيه أرباب صناعة البلاغة ويطبعونه في طابع كلام العرب، وينسجون على منوالهم، بعد التمكن من طرائقهم، والتشبه بخلائقهم، وليس لمن لم يكن ذا مهارة في هذا أن يتعرض لشيء منه، فإنه يصير على صير أمر ما يمر ولا يحلي.

وأما قوله واقفرا، فإنما هو وأقفر مخففة، فشدد ضرورة. وأما قوله وأشبع الكلب لأنه قال وموتت فيه الخشاش طرا، فكأنه أكل ذلك وعاث فيه ثم أشر فهر، وأما المشرة فالكسوة، برفع الكاف وكسرها، هكذا قيل. وقال أبو حنيفة صاحب النبات: المشرة ورق الشجر، وكأن الكسوة للعريان المقشعر كالورق للنبات والشجر. وقال أبو عبيدة في الغريب ما هذا قريب منه؛ ولا أقول: ما هو قريب من هذا، فيكون استطالة على العلماء ومجانبة لمحمود الأدب. ولقد رأيت متكلماً - وقد سمع من فيلسوف مذهب

أرسطاطاليس في شيء شرحه فأوضحه - فقال: هذا قول أبي هاشم وبه قال أرسطاطاليس، فعد ذلك من سقطاته، لأن صاحب المنطق قديم، ومن عزا إليه صواب قوله حديث، والثاني يأخذ من الأول ويقتفي أثره ويستقي مما أنبطه وينشر ما بسطه.

وأما قوله العبوس - بضم العين - فمصدر عبس، وأما بفتح العين فهو العابس بعينه والفرق بينهما بقدر الفرق بين الفاعل والمفعول، إذ أحدهما يدل على إنشاء الفعل وهو المفعول، والآخر يدل على استحقاق الاسم، وعل هذا الخائط والخياط، والغادر والغدار، والماكر والمكار. وأما قوله واقمطرا فمعناه اشتد، في قوله ﷿ " يوماً عبوساً قمطريراً " الإنسان:، كفانا الله سوء ذلك اليوم، ووقانا كيده وشروره، ولقانا نضرته وسروره.

قال الأموي في النوادر: قال أبو ذر: إن في مالك شركاء ثلاثة - لا تصرف شركاء ولا ما كان في وزنه من الجمع - أنت أحدهم، والقدر يقع فيأخذ خيرها وشرها، ووارثك مجنب لك على الطريق ينتظر متى تضع خدك فيستفيئها وأنت رميم، فلا تكن أعجز الثلاثة.

قال الأموي: يستفيئها أي يرتجعها، من الفي، وهو الرجوع، وقيل: معنى قوله " وما أفاء الله على رسوله " الحشر: ما رجعه عليه، يقال: رجعت أنا ورجعت غيري، ومنه قول الله ﷿ " فإن رجعك الله " التوبة:.

قال الراعي:

إذا ابتدر الناس المكارم عزهمعراضة أخلاق ابن ليلى وطولها
يمد إلى المعروف كفاً طويلةتنال العدى بلة الصديق فضولها

كذا أنشدهما الأموي عن البكائي، بضم العين من العدى، وكسرها جائز، وفتح العين من عراضة، وفتح الهاء من بلة، وكسر القاف من الصديق.

قال أفلاطون: ينبغي لك مع معرفتك بأنك من هذا البدن بمنزلة من هو في حبس، ألا تروم لنفسك إطلاقك منه من قبل أنك لم تحبس نفسك فيه، لكن تنتظر الذي حبسك فيه أن يطلقك منه.

قال ابن دريد: وفي كلام بعض أهل التوحيد: فما على الأرض

مدب راشحة، ولا مستن سابحة؛ هكذا في كتاب الجمهرة.

نظر حمصي إلى ابنته وأعجبته عجيزتها فقال: يا بنية طوبتنا لو كنا مجوسيين.

هذا لفظ هذا الجاهل، والصواب فيه يخل بالنادرة، ولا تنكر اللحن والخطأ إذا كانت الحكاية عن سفيه أو ناقص. وإني سمعت تميمياً من عسكر شيراز، وكان انتجع الملك عضد الدولة، يقول: ملح النادرة في لحنها، وحرارتها في حسن مقطعها، وحلاوتها في قصر متنها، فإن صادف هذا من الراوية لساناً ذليقاً، ووجهاً طليقاً، وحركة حلوة، مع توخي وقتها، وإصابة موضعها، وقدر الحاجة إليها، فقد قضي الوطر، وأدركت البغية. وهذا القائل كان يعرف بأبي فرعون مطل بن حرب التميمي، شاهدته سنة ست وخمسين وثلاثمائة، وكان طلاب الحديث يثبتون عنه ما يحكي مما يستظرف. ولا يقال في الكلام طوبتك، وإنما يقال طوبى لك.

قال الماهاني: رأيت ثلاثة من الهراسين ببغداد يتكايدون، وقد

أخرج أحدهم هريسته على المعرفة وهو يقول: انزلي ولك الأمان؛ والثاني يقول: يا قوم أدركوني الحقوني، أنا أجذبها وهي تجذبني، والغلبة لها؛ والثالث يقول: أنا يا قوم لا أدري ما يقولون، من أكل من هريستي ساعة أسرح ببوله شهراً.

قال الماهاني: رأيت جارية جاءت إلى بقال ببغداد فقالت: تقول لك مولاتي: أحب أن تطيب فمي ببصلة، فأعطاها بصلة وقال لها: قولي لمولاتك: يا قذرة، أكلت خرا حتى تطيبي فمك ببصلة؟! قال كاتب: تفكري في مرارة البين يمنعني من التمتع بحلاوة الوصل، فلي عند الأجتماع كبد ترجف، وعند النأي مقلة تذرف.

قال أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان:

قوم حصونهم الأسنة والأعنة والحوافر
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «علم ابن جدعان بن عمرو»
نزلوا البطاح ففضلتبهم البواطن والظواهر

قال أعرابي لصاحب له: أجعل العوض منه النزوع منه.

كاتب: أنت في زمان إن لم تغالط أهله وتحتلهم عما في أيديهم، وتصبر على مكاره الأمور وبعد المطالبة، لم تصر إلى شيء، ولم تجد أحداً منبهاً عل فضل منك وإن عرفه فيك، ولم يفتنه من محاسنك شيء إلا وجد في مساوىء غيرك عوضاً منه، وكان بذلك أثلج وإليه أسكن؛ فعليك بالصبر، فإن عاقبته إلى خير، وأقل ما فيه أن صاحبه لا يلوم نفسه ولا يلومه أحد، ولعله أن يظفر ويدرك.

كتب عامل إلى المأمون: قل من سارع في بذل الحق من نفسه إذا كان الحق مضراً به، وقل من ترك الاستعانة بالباطل إذا كان فيه صلاح معاشه وسبب كتسبه، وإذا تفرق الحق في أيدي جماعة فطولب به تشابهت في الكره لبذله، وتعاونت على دفعه ومنعه بالحيل والشبه قولاً وفعلاً، واحتاج المبتلى بإستخراج ذلك الحق من أيديها إلى مجاهدتها ومصابرتها.

إبراهيم بن إسماعيل بن داود الكاتب: وصل كتابك بخط يدك المباركة، فلم أر قليلاً أجمع لكثير، ولا إيجازاً أكفى من إطناب، ولا

اختصاراً أبلغ في معرفة وفهم منه، وما رأيت كتاباً على وجازته أحاط بما أحاط به.

قال أعرابي: حق الجليس إذا دنا أن يرحب به، وإذا جلس أن يوسع له، وإذا حدث أن يقبل عليه.

قال أعرابي: المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحل العقدة الوثيقة.

قال أعرابي: هلاك الوالي في صاحب يحسن القول ولا يحسن العمل.

عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: المحسن أمير على المسيء حيث كان.

كتب الكرماني: فإنك ممن إذا أسس بغى، وإذا غرس سقى، لاستتمام بناء أسه، واجتناء غرسه، وأسك في بري قد وهى وقارب

الدروس، وغرسك في حفظي قد عطش وشارف اليبوس، فتدارك بالبناء ما أسست، وبالسقيا ما غرست، والسلام.

أمسك رجل بلجام الفضل بن سهل بخراسان وقال: أما بعد، فسلام ممن عرف فضلك فأضمر ودك، وتحية ممن تعود برك فأوجب شكرك، واستغاثة ممن تذكر جاهك فرجا عونك.

قال أعرابي: مروءة الرجل في نفسه نسب لقوم آخرين، فإنه إذا فعل الخير عرف له، وبقي في الأعقاب والأصحاب، ولقيه يوم الحساب.

قال أعرابي: الناس رحلان، عالم لا غنى به عن الأزدياد، وجاهل الحاجة به إلى التعلم أعظم، وليس في كل حال يكون العالم لما يبدهه من الأمور مفيداً، ولا المتعلم على استفادة ما يستفيد منه قادراً.

كاتب: إذا أنت عطلتنا من أمورك، وأعفيت ظهورنا من حمل أثقالك ومؤنتك، وتركتنا غفلاً في ولايتك من تنبيهك وتحريكك، فقد أنزلتنا

منزلة من لا خير عنده: وجعلت نفسك أسوة من لا يعبأ به، وكفى بذلك لنفسك ظلماً.

نظر أعرابي إلى ابن أبي دواد فقال: ضفته شافية للقلوب، ونصيحته جالبة للمنافع.

كاتب: يرى حفظ الحرمة ديناً، ورعاية الذمام فرضاً، يأوون إلى كنف رحب من كرمه، ويردون على منهل عذب من فضله، ويتصلون بحبل متين من رعايته؛ فنسأل الله الذي أهله لهذه المنزلة واختصه بمزيتها، أن يجعله في مزيد من أجمل ما آتاه منها، واكمل ما أنعم به عليه فيها.

قال أعرابي في الثناء على الرشيد عام حج: قد أصبح المختلفون مجتمعين على تقريظك ومدحك، حتى إن العدو يقول اضطراراً ما يقوله الولي اختياراً، والبعيد يثق من إنعامك عاماً بما يثق به القريب خاصاً.

كاتب: أتاني كتابك فطامن من قلبي وطرفي بعدما كان شاخصاً إليه، ومتشوقاً إلى وروده، ثم ملأني سروراً بما رأيت فيه من آثار برك، وكريم تفقدك، واتصل بما عندي وقبله مما إن ذكرته فللاستراحة إلى الذكر، وإن أمسكت فللعجز عن الشكر، فأما الضمير فمبني على الإقرار بفضلك، والنية خالصة بشكرك، وقليل ذلك لك.

دخل يحيى بن الحسين الطالبي على المأمون فقال: يا أمير المؤمنين حيرتني عارفتك حتى ما أدري كيف أشكرك، قال: لا عليك، فإن الزيادة في الشكر على الصنيعة ملق، والنقصان عي، وحسبك أن تبلغ حيث بلغ بك.

شاعر:

يطيب العيش أن تلقي أديباًغذاه العلم والنظر المصيب
فيكشف عنك حيرة كل ريبوفضل العلم يعرفه الأديب

قيل لعلي بن أبي طالب ﵁: كيف صرت تقتل فأكون أنا ونفسه عليه.

وقال ﵁: من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف، والتنفيس عن المكروب.

دخل ميمون بن مهران على عمر بن عبد العزيز ﵁، فقال له - وقد قعد في أخريات الناس -: عظني، فقال ميمون: إنك لمن خير أهلك إن وقيت ثلاثة، قال: ما هن؟ قال: إن وقيت السلطان وقدرته، والشباب وغرته، والمال وفتنته، فقال: أنت أولى بمكاني مني، ارتفع إلي؛ فأجلسه على سريره.

فصل من تعزية لكاتب: إن الله جعل الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبي، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً، وجعل ثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً.

أعرابي: كانت لهم الكرة علينا وعليهم الدبرة، فحملوا حملة كاذبة أتبعناها بأخرى صادقة.

ذم أعرابي رجلاً فقال: لا أصل نبت في الأرض، ولا فرع بسق في السماء، من شكر أو وفاء أو حياء.

كاتب: ولفلان لدينا حرمة واجبة، وله مع الهوى منا فيه فضل ودين ومذهب.

قال محمد بن مسعر: كنت أنا ويحيى بن أكثم عند سفيان، فبكى سفيان، فقال له يحيى: ما يبكيك يا أبا محمد؟ فقال له: بعد مجالستي أصحاب رسول الله ﷺ بليت بمجالستكم، فقال له يحيى، وكان حدثاً: فمصيبة أصحاب رسول الله ﷺ بجالستهم إياك بعد رسول الله ﷺ أعظم من مصيبتك بمجالستنا، فقال سفيان: يا غلام، أظن السلطان سيحتاج إليك.

لبعض العرب:

يا دار بالبلد الخرابوالمنزل القفر اليباب
ومجر أذيال الهوىومصب أوداق السحاب
دار التأسف والبلىومحل نأي وأغتراب
بيدي فيك دفنت عمراً بين أطباق التراب
كشبا المهند أو كشبل الليث أو فرخ العقاب
ماذا صنعت بوجههوبسنه الغر العذاب
قالت لنا دار البلىوالدار تنطق بالصواب
أوما علمت بأن عمراً يا أبا عمرو ثوى بي
فسكوته ثوب البلىوسلبته جدد الثياب
ومحوت غرة وجههبالترب محوك للكتاب

قال فيلسوف: كما لا تشفق على عضو منك إذا وقع فيه شيء من القطع مخافة أن يسري بك ذلك، كذلك ينبغي أن تشفق على اختلاف التعب والصبر في المكروه على إصلاح النفس.

وقال فيلسوف: من القبيح أن تكون حاجة الإنسان إلى العقل أكثر من حاجته إلى المال.

سئل فيلسوف: أي الرسل أحرى بالنجح؟ قال: الذي له جمال وعقل.

وقال فيلسوف: الحساد مناشير لأنفسهم.

رأى فيلسوف غلاماً جميلاً لا أدب له، فقال: أي بيت لو كان له أساس؟! سئل رسول الله ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة؛ قيل: فأي الصلاة أفضل؟ قال: طول القيام؛ قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال جهد المقل؛ قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: أن تهجر ما حرم الله؛ قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بنفسه وماله؛ قيل: فأي القتل أفضل؟ قال: من هريق دمه في سبيل الله ﷿.

يقال أهرقت الماء وأرقت الماء، وقيل: أهرورق الماء؛ قال الشاعر:

شربنا فأهرقنا على الأرض فضلةللأرض من كأس الكرام نصيب

الجريض: الذي يغص بريقه، وفي المثل: حال الجريض دون القريض؛ والوسق: الطرد، وجماعه وسائق؛ الطلي: ولد الضائنة، والطلا: الصغير من ولد الظلف، وإنما سمي طلياً لأنه يطلى في رجله بخيط، هكذا حفظت من المجالس.

يقال: ما فلان بخل ولا خمر، أي ليس عنده خير ولا شر.

يقال للرجل: نبلني، أي أعطني سهماً، والعرب تقول: أتتني خطوب تنبلت ما عندي؛ قال الشاعر:

ولما رأيت العدم قيد نائليوأملق ما عندي خطوب تنبل
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «لليلى بأعلى ذي معارك منزلُ»

ويقال: أردمت الحمى عليه وأغبطت عليه، أي لزمته؛ وكساء ليس فيه متردم، أي مرقع.

ويقال: ما زلت أصاده أي أرفق به.

ويقال: ما عندي فرج ولا نفس، ويقال منفس، والمنفس: النفيس، وكأن المنفس ذو النفس، وكأن النفيس المنفوس به، أي المضنون

به، أي المأخوذ في النفس؛ والنفساء: لأنها تعالج نفسها. والنفس يذكر ويؤنث، والنفس مردود إلى النفس، لأنه إذا انقطع بطل ذو النفس.

وسئل بعض المتكلمين، وأنا أسمع، عن النفس فقال: هي النفس، وسئل عن الروح فقال: هي الريح؛ فقال السائل: فعلى هذا كلما تنفس الرجل خرجت نفسه، وكلما ضرط خرجت روحه؟! فأنقلب المجلس ضحكاً.

والكلام في النفس والروح صعب ضاق، ومن الحقيقة بعيد، ولأمر ما ستر الله معرفة هذا الضرب عن الخلق حيث قال: " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " الإسراء:. والروح من الروح، والراحة أيضاً من ذلك، والأستراحة: طلب الراحة، والرائحة جالبة للروح وملاطفة للروح - هذا متى لم تكن عاصفاً، فكأنها مؤذية للروح إذا كانت عاصفاً أو معصفاً.

قال العتبي: رأيت أعرابياً في طريق مكة يسأل الناس ولا يعطونه شيئاً، وبين يديه صبي صغير له؛ فلما ألح وأخفق قال: ما أراني إلا محروماً، فقال الصبي: يا أبة، المحروم من سئل فبخل، ليس من سأل فلم يعط؛ قال: فعجب الناس من كلامه، وأقبلوا يهبون له حتى كسوه.

العرب تقول: رضيت من الوفاء باللفاء، أي من النفيس بالخسيس.

قال الواقدي: رأيت بالمدينة بقالاً وقد أشعل سراجاً بالنهار ووضعه بين يديه، فقلت: ما هذا يا هذا؟ قال: أرى الناس يبيعون ويشرون حولي ولا يدنو مني أحد، فقلت: عسى ليس يراني إنسان، فأسرجت.

أنشد لشاعر:

يا نفس قد حق السفرأين المفر من القدر
كل امرىء مما يخاف ويرتجيه على خطر
من يرتشف صفو الزمان يغض يوماً بالكدر
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «يا نفس قد حق الحذر»

قال أعرابي: الدنيا دحض فحد عنها.

العرب تقول: الخنق يخرج الورق.

أتي عتاب ن ورقاء بخوارج فيهم امرأة فقال: أي عدوة الله، ما دعاك إلى الخروج؟ أما سمعت قول الله ﷿:

كتب القتل والقتال عليناوعلى الغانيات جر الذيول
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أن من أكبر الكبائر عندي»

فقالت: يا عدو الله، إنما أخرجني حسن معرفتك بكتاب الله تعالى.

قيل لأبي هارون الخياط: أنت تسبح كثيراً، فما تقول في تسبيحك؟ قال: أقول في دبر كل صلاة ألف مرة: حسبي الله.

العرب تقول: أصبحوا في مخض وطب خاثر، وفي أبي جاد ومرامر، أي في غير شيء.

دخل الحجاج بن هارون على نجاح، فذهب ليقبل رأسه، فقال: لا تفعل، فإن رأسي مملوء دهناً، فقال: والله لأقبلنه ولو أن عليه ألف رطل خراء.

دخل رجل على ابن الجصاص وهو يقرأ في مصحف، فأستحسن خطه، فقال ابن الجصاص: ما بقي اليوم من يكتب مثل هذا الخط، وبعد: هذا كتب منذ خمسمائة سنة.

قال الماهاني: دعاني ابن الكلبي يوماً، فأجلسني في بيت خيش على فرش ميساني وأطعمني فجلية، ثم قال في حديثه: لما مات أبي ندم أمير المؤمنين أشد ندامة في الدنيا، قلت: أكان نديمه؟ قال: لا، قلت: أفجليسه؟ قال: لا، قلت: أفمات حتف أنفه؟ قال: نعم، قلت: فما سبب ندامة أمير المؤمنين؟ قال: كذا أخبرني سعيد غلامنا.

قيل للفضل بن عبد الرحمن: ما لك لا تتزوج؟ قال: إن أبي دفع لي ولأخي جارية، قيل: ويحك دفع إليك وإلى أخيك جارية؟! قال:

أيش تعجبون من هذا؟ هذا جارنا أبو زريق القاضي له جاريتان.

قال ابن الجصاص يوماً: أشتهي بغلة مثل بغلة النبي ﷺ حتى أسميها دلدل.

وجد على خاتم ملك الهند: من ودك لأمر ولى عنك عند انقضائه.

وكان على خاتم أفلاطون: تحريك الساكن أسهل من تسكين المتحرك.

وكان على خاتم ملك الصين: من رد ما لا يعلم فهو أعذر ممن قبل ما يجهل.

قيل لفيلسوف: أي السباع أحسن؟ قال: المرأة.

قال المغيرة بن شعبة: ملكت النساء على ثلاث طبقات: كنت أرضيهن في شبيبتي بالباه، فلما أسننت أرضيتهن بالمداعبة والفكاهة، فلما هرمت أرضيتهن بالمال.

قال ركن بن حبيش: لما خلق الله المرأة قال إبليس لها: أنت رسولي، وانت نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي الذي أرمي بك ولا أخطىء.

وقال صاحب المنطق: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء آنس منه بلين العيش مع السفهاء.

وقال فيلسوف: الدنيا لذات معدودة، منها لذة ساعة، ولذة يوم، ولذة أسبوع، ولذة شهر، ولذة سنة، ولذة الدهر؛ فأما لذة ساعة فالجماع، وأما لذة يوم فمجلس الشرب، وأما لذة أسبوع فلين البدن من النورة، وأما لذة شهر فالفرح بالعرس، وأما لذة سنة فالفرح بالمولود الذكر، وأما لذة الدهر فلقاء الإخوان مع الجدة.

سئل عمار بن ياسر عن الكوفة فقال: رأيتها حلوة الرضاع، مرة الفطام، يعني الولاية. يقال: رضاع ورضاع.

قال نضلة: أجتزت في درب الزعفران يوماً فرأيت بين يدي جاريتين تمشيان وتتماجنان ولا تشعران بمكاني، فضرطت إحداهما وقالت: غلالة شرب، وضرطت الأخرى وقالت: رداء أصبغ الأصل، وعادت الأولى فضرطت وقالت: سراويل نيلي، وضرطت الثانية فقالت: طاق فستقي؛ قال نضلة: فضرطت أنا من خلفهما، فالتفتت واحدة وقالت: هذا أيش؟ قلت: منديل دبيقي يشدون فيه الثياب.

والعرب تقول في أمثالها: آخر الذلة إحراز المرء نفسه وإسلامه عرسه.

العرب تقول: أفضيت إليه بشقوري وبقوري، أي بحت له بكل ما في نفسي، وهو نظير قولهم: أخبرته بعجري وبجري.

ومن كلامهم: القول رداف والعثرات تخاف.

ومن كلامهم: اندب إلى طعانك من تدعوه إلى خوانك.

ومن كلام العرب: قليل الماء يروي من الظلماء، وكثيره يتلف الأحشاء.

ومن كلام العرب: من أشترى اشتوى؛ فأما قولهم: المستري، أي طالب سراة الشيء، فغير هذا، ويقولون من هذا اللفظ: استرى الموت بني فلان، أي أخذ سراتهم وأماثلهم؛ والسروة النبل، والشاعر يقول:

إن السري هو السري بنفسهوابن السري إذا سرا أسراهما

ومن كلام العرب: هو كالأرقم، إن يقتل ينقم، وإن يترك يلقم.

ومن كلام العرب: الحيلة لعطف المتجني أعسر من نيل التمني.

سئل أعرابي من عبس عن ولده فقال: ابن قد كهل، وابن قد رفل، وابن قد عسل، وابن قد فسل، وابن قد مثل، وابن قد فضل.

سئلت أعرابية عن ابنها فقالت: أنفع من غيث، وأشجع من ليث، يحمي العشيرة، ويبيح الذخيرة، ويحسن السريرة.

وكان عبد الله بن الزبير يسب ثقيفاً إذا فرغ من خطبته بقدر أذان المؤذن، وكان فيما يقول: قصار الخدود، لئام الجدود، سود الجلود، بقية قوم ثمود.

العرب تقول: العقل وزير ناصح، والهوى وكيل فاضح.

العرب تقول: رب واثق خجل، ورب آمن وجل.

كتب عبد الحميد الكاتب عن مروان كتاباً إلى أبي مسلم صاحب الدعوة، وقال لمروان: إني قد كتبت كتاباً إن أنجع فذاك، وإلا فالهلاك؛ وكان من كبر حجمه يحمل على بعير، وكان نفث فيه حواشي صدره، وجمع فيه غرائب عجره وبحره، وقال: إني ضامن أنه متى قرأ الرسول على المستكفين حول أبي مسلم بمشهد منه اختلفوا عليه، وإذا اختلفوا عليه كل حدهم وذل جدهم. فلما ورد الكتاب على أبي مسلم أخذه ودعا بنار فطرحه فيها إلا قدر ذراع، فإنه كتب عليه هذين البيتين جواباً:

محا السيف أسطار البلاغة وأنتحىعليك ليوث الغاب من كل جانب
فإن تقدموا نعمل سيوفاً شحيذةيهون عليها العتب من كل عاتب

ورده؛ فحينئذ وقع اليأس من معالجته.

قال أعرابي: اللهم إنك كفلت لنا الرزق وأمرتنا بالعبادة، فاكفنا ما شغلتنا به عما خلقتنا له، فإن ما عندنا يفنى، وما عندك يبقى.

ومر بي في كتاب الرتب مثل للعرب: ربضك منك وإن كان سماراً؛ السمار - خفيفية -: اللبن الممذوق؛ معناه فيما زعم: القريب منك وإن كان ردياً، كأنه شقيق قولهم: عيصك منك وإن كان أشباً. والعيص: الأصل، والأشب: الذي فيه خلط، ومنه نسب مؤتشب - بفتح الشين - إذا كان مغموراً.

دعا الحجاج رجلاً ليوجهه إلى محاربة عدو فقال له: عندك خير؟ قال: لا، ولكن عندي شر، قال: ذلك الذي أردتك له؛ امض لوجهك.

شاعر:

سأرحل عنك معتصماً بيأسوأقنع بالذي لي فيه قوت
للشاعر البحتري، من قصيدة «سأرحل عنك معتصما بيأس»
وآمل دولة الأيام حتىتجيء بما أؤمل أو أموت
للشاعر البحتري، من قصيدة «سأرحل عنك معتصما بيأس»

قال النبي ﷺ فيما رواه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لا تجالسوا أصحاب القدر ولا تفاتحوهم.

عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يتنازعون في القدر، فاحمر وجهه وغضب وقال: أبهذا أمرتم؟ إنما هلكت الأمم قبلكم بهذا.

وقال أبو الدرداء: قال النبي ﷺ: لا يدخل الجنة عاق ولا مكذب بقدر ولا مدمن خمر.

والكلام في القدر لطيف، وسأحكي لك عنه مسألة جرت في مجلس كبير، وأوضح المعنى والاسم، وأدرس لك مقالة الناس، ليتبين لك الحق إن شاء الله تعالى؛ والعرب تقول: الحق أبلج، والباطل لجلج، ومعناهما واضح

ومشكل؛ والسكوت عن هذه الأشياء أنفع، ولكن الحكاية ما على صاحبها لوم ولا عتاب، فتوقع ذلك من بعد.

لمست أعرابية كف أبيها فألقتها خشنة فقالت:

هذه كف أبي خشنهاضرب مسحاة ونقل بالزبيل

فأجابها أبوها:

ويك لا تستنكري خشن يديليس من كد لعز بذليل
إنما الذلة أن يمشي الفتىساحب الذيل إلى باب البخيل

وقال فيلسوف: لأن تستغني عن الشيء وتكفاه خير من أن تسأله وتعطاه.

وقال المغيرة بن حبناء التميمي، وقدم على طلحة الطلحات:

لقد كنت أسعى في هواك وأبتغيرضاك وأرجو منك ما لست لاقيا
للشاعر نصيب الأصغر، اقرأ القصيدة
وأبذل نفسي في مواطن غيرهاأحق وأعصي في هواك الأدانيا
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة
حفاظاً وتمساكاً بما كان بيننالتجزيني ما لا إخالك جازيا
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة
رأيتك ما تنفك منك رغيبةتقصر دوني أو تحل ورائيا
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة
أراني إذا أملت منك سحابةلتمطرني عادت عجاجاً وسافيا
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة
إذا قلت جادتني سماؤك يا منتشآبيبها أو ياسرت عن شماليا
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة
وأدليت دلوي في دلاء كثيرةفأبن ملاء غير دلوي كما هيا
للشاعر نصيب الأصغر، اقرأ القصيدة
فإن تدن مني تدن منك مودتيوإن تنأ عني تلقني عنك نائيا
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «وعين الرضا عن كل عيب كليلة»
إذا أنت أكرمت امرءاً أو أهنتهوأخفيت فأعلم أنه ليس خافيا
وتجعل دوني من يقصر رأيهومن ليس يغني عنك مثل غنائيا
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة
فلا تحسبني عن ثوابك غافلاًولا للذي استودعتني منك ناسيا
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة

قال بعض السلف: الناس ثلاثة: فقير وغني ومستزيد؛ فالفقير من منع حقه، والغني من أعطي ما يستحق، والمستزيد من طلب الفضل بعد درك الغنى.

قال أعرابي لصاحب له: عليك بالثريد فإنه يجلو البصر، ويجلب الخير، ويجتمع فيه ربيعة ومضر.

وقال فيلسوف: بلوت الأشياء فلم أجد شيئاً أشد من صالح يلي أمر صالح، ولم أر لهذا الدهر دواء إلا الصبر عليه، ولم أر هلاك أهله إلا في الطمع.

وقال بزرجمهر: من رجا الحزم بغير روية، والحمد بغير استحقاق، والمحبة بغير لين الكلمة، ومناصحة الأنصار بغير التوسعة، وما عند القضاة بغير حجة، فقد رجا ما يصعب على رجائه، واتكل على ما الغرور في الاتكال عليه.

أنشدت لبعض علوية الكوفة:

أرى ناراً تشب على يفاعلها في كل ناحية شعاع
وقد رقدت بنو العباس عنهاونامت وهي آمنة رتاع
كما رقدت أمية ثم هبتلتدفع حين ليس لها دفاع

هذا الأبيات نظيرة أبيات نصر بن سيار حين جاشت خراسان بالمسودة إلى مروان، وهي:

أرى تحت الرماد وميض جمرويوشك أن يكون لها ضرام
للشاعر نصر بن سيار، اقرأ القصيدة
فإن النار بالعودين تذكىوإن الشر مبداه الكلام
وقلت من التعجب ليت شعريأأيقاظ أمية أم نيام
للشاعر نصر بن سيار، اقرأ القصيدة
فإن يك أصبحوا وثووا نياماًفقل قوموا فقد حان القيام
للشاعر نصر بن سيار، اقرأ القصيدة

فما نفعت، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

وقال مروان لكاتبه: إذا انقضت المدة لم تنفع العدة.

قيل لفيلسوف وقد مات أخوه: ما كانت علته؟ قال: كينونته في الدنيا.

قال أعرابي في وصف اثنين: أين المنسم من السنام؟ وأين النحيت من النضار؟ وأين الخروع من النبع؟ وأين الخوافي من القوادم؟ وأين المغاني من المعالم؟ وأين الثمد من الغدير؟ وأين الجزر من المد؟ وأين القبول من الرد؟ وأين الوصل من الصد؟ قال أبو عبيدة: القرآن على عشرة أحرف: حلال. وحرام، ومحكم، ومتشابه، وعظه، وأمثال، وبشير، ونذير، وأخبار الأولين. وأخبار الآخرين.

أنشد الحارثة بن بدر الغداني:

طربت بفاثور وما كدت تطربسفاهاً وقد جربت فيمن يجرب
وجربت ماذا العيش إلا تعلةوما الدهر إلا منجنون يقلب
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
وما اليوم إلا مثل أمس الذي مضىومثل غد الجائي وكل سيذهب
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة

وقال محمد بن هاشم: التعليق في حواشي الكتب كالشنوف في آذان الأبكار.

قال فيلسوف: أحسن الكلام ما كان له نظام، وعرفه الخاص والعام.

وصف أعرابي نساء فقال: أقبلن بحجول تخفق، وأوشحة تقلق، فمن أسير ومطلق.

شاعر:

إذا افترشت أعناقها الأرض طيرتدقاق الحصى أنفاسها وزفيرها
شددنا بها الأنساع وهي قصيرةفطال على طول السفار قصيرها

قال سفيان: يا ابن آدم، إن جوارحك سلاح الله عليك، بأيها شاء قتلك.

قال بكر بن عبد الله، قائد التوكل الإخلاص، وخطامه حسن الظن، وزمامه نفي الحرص.

وقال أعرابي: لا تقل ما لا تعلم، فتتهم فيما تعلم.

قيل لمعاوية: أنت أمكر أم زياد؟ قال: إن زياداً لا يدع أن يتفرق الأمر عليه، وإنه ليتفرق علي فأجمعه.

كان ملوك الدهر الأول، وكذلك الخلفاء، يراجعون الحديث، وينازعون الكلام، ويسألون عن علل الرأي المقول به، والحكم المصير إليه، فكانت الحكم تنثر عنهم، والفوائد تنشر منهم، والدعاء يكثر لهم، والثناء يحسن عليهم؛ وإنك ترى زمانك فاسد المزاج، أبي الخير، معدوم الفضل، قليل الناصر، بعيد المنعطف؛ لا جرم، والله الموت متمنى، والحياة مقلية، واليأس واقع، والرجاء برقع.

شاعر يصف جيشاً:

في جحفل كسواد الليل منبعقفيه الردى وهو بالأبطال منعقد
لا يجمع الطرف أدناه وآخرهولا يسايره التحصيل والعدد
إذا أناخت على قوم كلاكلهلم تطف حرته إلا وقد خمدوا

قال ابن أبي طاهر: ذكر أعرابي البراغيث فقال: قبحها الله، ليلها ناصب، وطالبها دائب، ومددها ثائب.

وقال إسحاق: ذكر آخر البراغيث فقال: أخزاها الله ما آذى صغارها، وما أشر كبارها، وما أخفى انطمارها، وما أسرع مطفارها، وأقبح آثارها. كذا حكي لي.

لبعض أهل المغرب:

أتضحي في كتامة ذا اكتئابتقارعها قياماً في قيام
إذا ما وقعة دارت رحاهابحز معاصم وبفلق هام
أتت أخرى تطم وتعتليهايشيب لوقعها رأس الغلام
أألتذ الحياة بخفض عيشمعاذ الله والشهر الحرام
ولكن التجلد لي خدينفسني ضاحك والقلب دام
لعل الله يجمعنا جميعاًوقد تمت لنا رتب الكرام

قدم حماد بن جميل من فارس، فأتى آل المهلب في حق لهم وعليه جبة وشي، فنظر إليه يزيد بن المنجاب وقال: " هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً " الإنسان:، فقال حماد: " كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم " النساء:.

ومن نوادر كلام الأعراب قيل لأعرابي: أتأكل الضب؟ قال: وما ظلمني أن آكله؟ أي ما منعني؛ قال أبو عثمان سعيد بن هارون: ومنه قول الله ﷿ " ولم تظلم منه شيئاً " الكهف:، أي لم تمنع.

قال التوزي: دابة مهزول ثم منق إذا سمن قليلاً، ثم شنون، ثم سمين، ثم ساح، ثم مترطم الذي قد انتهى سمناً.

قال الأشنانداني: كل نار يشتوى عليها فالمشتوى حنيذ.

يقال شارب وشاربون وشرب، مثل: صاحب وصحب، وشربة، مثل: كاتب وكتبة وحاسب وحسبة، وشرباء، مثل: عالم وعلماء، ويكون شرباء جمع شريب، مثل: نديم وندماء؛ ورجل شريب وشراب وشروب بمعنى واحد؛ الشاربة: الذين يردون الماء فيشربون.

هكذا حفظت عن أئمة هذا اللسان، وما لي منه إلا حظ الرواية، إن وقعت موقعها منك، وحلت محلها عندك، وإن تكن الأخرى فما أقدرك على رد

ما أروي، وإفساد ما أقول، حتى يصير ما جمعته ونقلته، وكددت نفسي فيه، خاملاً في عينك، ومهين القدر بحكمك، وغير هذا أجمل بمطبوع على الخير، ومغذو بالأدب، وناشىء مع البر، وجار على طرق الطهارة. ولا أقول إن ما تمر بك ها هنا لا تصيبه في الكتب، ولا تجده عند الشيوخ، ولكن كم بين من يستقبل كفاية غيره، وبين من يستأنف كفاية نفسه. أنصف وأحسن، وانظر إلي بعين الرضا، ثم اقتحم بي حمر الغضا، ومهما أثبت فاقصد به تأديبي وتهذيبي، لتكون لائمتك عن غير حسد، وإنكارك خارجاً عن التنافس، فإني أخاف أن يقلينا قال: ويشبك حالنا شابك، فأستحي لك من جنايتك علي برد ما أثبته، وتزييف ما نقدته، والسلام عليك شبت أو خلصت، وزدت في إحساني أو نقصت، ورحمة الله وبركاته.

يقال: مصير ومصران ومصارين، مثل بعير وبعران وأباعير؛ هكذا السماع.

قال التوزي عن أبي عبيدة: سمعت العرب تقول: تمر وخواخ، ولا حلاوة فيه؛ وقال أيضاً: العرب تقول لجماعة الغيم: غيوم، ولجماعة الحمير: حمور.

قال فيلسوف: المحسن معان والمسيء مهان.

الغراث: الجياع؛ جوع يرقرع، وجوع هلقس، وجوع هنبغ بالغين معجمة -، إذا كان شديداً؛ هذا من الغريب المتروك لثقله، وإنما آتي به مع غيره كالمازج خمراً بماء. فإن الشيء يظهر حسلنه الضد.

قال التوزي: تحيرت البقاع والغدران إذا امتلأت، كأن تحير النفس بالأمر الوارد عليها والمعنى المبحوث عنه إنما هو من هذا.

ويقال: ماث الملح بالماء يميثه ميثاً إذا أذابه به.

ويقال: اشتغر عليه الحساب أي انتشر، واشتغرت الإبل: كثرت وأختلطت، ويقال: داهية وزباء ووبراء. وشغر الكلب برجله إذا رفعها وفرج إذا بال.

ويقال: حفاه يحفوه حفواً أي منعه وحرمه، ويقال: تحفاه أي بش به تحفياً، وأحسن مسألته، ومثله حفي به حفاوة، وأنا حفي به إذا فرحت به، وأحفي في المسألة والوصية إذا بالغ، وأحفى شاربه إذا استأصله، وأحفى دابته

إذا سارها حتى تحفى؛ يقال: سرت الدابة، هذا هو الفصيح، وينشد:

فلا تخرجن عن سنة أنت سرتهاوأول راض سنة من يسيرها

وأول راضي سنة على الإضافة يروى أيضاً؛ والبيت لابن أخت أبي ذؤيب، وله حديث، ولعله يعتن لك في عرض النوادر؛ وحفي فلان إحفاء بفلان أي يلزق به ما يكره، وحفي الرجل إذا رق أسفل قدمه من المشي، ورجل حاف وناعل، فأما الحفاء - مديدة - فالأسم، ويقال في المثل بيت:

لا تزدني على الحفاء شقوقافمن البر ما يكون عقوقا

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.