تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الثاني

اللهم إنك الحق المبين، والإله المعبود، والكريم المنان، والمحسن المتفضل، وناعش كل عاثر، ورائش كل عائل، بك أحيا، وبك أموت، وإليك أصير، وإياك أؤمل، أسألك أن تحبب إلي الخير وتستعملني به، وتكره إلي الشر وتصرفني عنه، بلطفك الخافي، وصنعك الكافي، إنك على ما تشاء قدير.

وبعد: هذا الجزء الثاني من بصائر القدماء، وسرائر الحكماء، ونوادر الملحاء، وخواطر البلغاء، وقد صار إليك الأول على اضطراب من تشتت أجناسه وفصوله، وليس يبعد منه الغرض المستفاد والأدب المقتبس، إذا صحت النية، وصدقت الشهوة، وتمت الإرادة، وساعدت القريحة، وأستجابت النفس، وكان تقدير الله من وراء اللطف بك، وتدبيره أمام الصنع لك، وتوفيقه مشتملاً عليك، وإحسانه متتابعاً إليك، فكد أيدك الله عز وجل

الذي بيده ينقاد الصعب، ويذل الشرس، وينجلي المظلم، وينفتح المبهم، ويؤاتي الممتنع، ويعود البعيد قريباً، والقريب سهلاً، والسهل حاضراً، والحاضر هنياً، والهني مستداماً، وأجتهد في طلب العلم، وأقتباس الأدب، وتحصيل الحكمة، اجتهاد من لا يرى لكونه فائدة إلا بها، ولا يعرف لحياته عائدة إلا منها، ولا لعقله مرجوعاً إلا معها، وصن نفسك بأمتهانها في مطانها، وأبل العذر منها غير تارك ممكناً، ولا مهمل مستطاعاً، وخذ بزمامها إلى البصرة، وأشعرها حلاوة الحكمة، وألبسها جلباب المعرفة، وزينها بأنوار العصمة، وبصرها مواقع اليقين، وروحها بمواد السكون، وشوقها إلى مقعد الصدق، وأطرابها بأغاني الملكوت، وأجلها في رياض القدس، وناغمها بأسرار الحق، فإنها إن أجابتك - أعني نفسك - أفقت من سكرة الدنيا. وربحت الآخرة والأولى، وشهدت غيباً لا عبارة عنه، وأصبت نعيماً لا متمنى فوقه، وأعلم أنك وعاء قد ملىء سراً، وظرف قد حشي نوراً، وجرم أسكن حكمة، وبحر أودع دراً، وإنما ينبغي لك أن تعرف منك ما هو فيك، بترتيب العقل الموهوب لك، وتنبىء عنه بتفصيل اللسان الخطيب عليك، فلا تأس بالعمل ما دمت مستوحشاً من العلم، ولا تثق بالعلم ما دمت مقصراً في العمل

ولكن أجمع بينهما، وإن قل نصيبك منهما، فإنك إن وهبت للعمل كلك أقعدك وأكلك، وإن منحت للعلم كلك حيرك وأضلك، وآفة العمل تعلقه بالرياء، وآفة العلم تعلقه بالكبرياء، والخير بين طرفيهما مرتفع.

قال واصل بن عطاء في هذا المعنى الذي قد طال القول فيه: ما آذى شيء كما آذى رجلان: عالم فاسق ترك الناس علمه لفسقه، وعابد جاهل أخذ الناس بجهله لعبادته، والقليل من هذا مع القليل من هذا أنجى في العاقبة، إذا تفضل الله تعالى بالرحمة، وتمم على عبده النعمة.

وإياك والمدافعة والوكال وحب الهوينا والأسترسال، وإيثار الخفض والدعة، والميل إلى الراحة والسعة، فإن خواتم هذه الخصال مذمومة، وعقباها كريهة وخيمة، وتجنب الهوى طاقتك، ولا تعره من طرفك لامحا، ولا من قلبك سامحاً، وأقبض عنه يدك، وأحبس دونه أذنك، فإنه سحار خدوع، وقرن جدوع، وقرين خلوب، وله تمويه وتشبيه، يستمدهما من حاشية العقل، وقد قال بعض الأولين: كيف يفلح الإنسان وعقله أسير الهوى في

الشهوة، ولهذا يعسر الحكم في كل مطلوب، ويشتبه القضاء على كل مراد، وكأنه - أعني الهوى - مركب من فرط الشهوة وفاضل العقل، يخدع بالشهوة ويعذر بالعقل، ويجر الدواعي كلها، ويستعبد الحواس بأسرها، ولا سلامة إلا بسابق توفيق، وحادث رأي وثيق.

ودع الضجر والكسل وحب العاجلة، فإنها من أخلاق البهائم، وهي داء دوي، واجنح نحو الأجتهاد، فإنه كاسب النجح وجالب الظفر، وتحرك فإن التحرك طريق إلى المنالة، مشرف على حميد العاقبة، ولذلك قيل: الحركة ولود والسكون عاقر؛ فإن قلت: وما أصنع بالحركة والأجتهاد، والسعي والأرتياد، في طلب العلم، وأنتجاع الرزق، والتماس المأمول، والأمر كله مرقوم بالقدر، ومردود إلى القضاء، فأعلم أن كلامك مشوب، ورأيك فائل، وحسبانك باطل، وظنك محلف؛ أما تعلم أن الأجتهاد والحركة مدمجان في أثناء القدر، والقصد والسعي مدرجان في طي القضاء، وأن الذي عليك بحكم عقلك، وصحيح نظرك، أن تعمل بظاهر ما ألقي إليك، لأنك جاهل بحقيقة ما غيب عنك، فكيف تجنح إلى خفي عنك، وتستوحش من جلي عندك، إنك إذن لمن الجاهلين.

قد خوفك العقل، وسنح لك الخاطر، ونبهك الداعي، وأبلغك الواعظ، وعرفت آثار الله ﷿ في الظالمين، وثوابه للمحسنين، وتوبيخه للعاصين، وتحذيره للغاوين؛ أفمن بعد هذا يغمض عينه بصير، ويسد أذنه سامع؟ إن ذلك لهو الضلال المبين.

سأل ابن الكواء علياً ﵁ عن القدر فقال: بحر عميق فلا تلجه، فأمهل ثم سأل، فقال: ستر الله فلا تكشفه، نقول بظاهر ما نرى، ثم يقضي الله تعالى بغيب ما يعلم؛ هذا ما قاله.

وقد تردد الحديث في هذا المعنى، وذلك بسب ظاهر لا يحتاج الناظر إليه إلى تحديق، وإن كان الباطن يحتاج فيه إلى تحقيق: لما كان التفاوت واقعاً بين الخلق في السعادة والشقاء، والشدة والرخاء، والبلادة والذكاء، والعلم والجهل، والعي والإفصاح، والشجاعة والجبن، والصدق والكذب، والحسن والقبح، والكرم واللؤم، والحب والبغض، والكراهة والإيثار، والتوقي والأسترسال، والشراسة والأستخذاء، والأمن والخوف، والعدل والحيف، والغنى والحاجة، والعز والمذلة، والسلامة والعطب، والراحة والتعب،

والرجاء والقنوط، والأرتقاء والهبوط، والإجابة والإباء، والعافية والبلاء، والفسولة والغناء، والمنع والعطاء، أحب كل أحد أن يقف من ذلك على غيبه، وحقيقته المطلوبلة من عقله، فمن مضيف جميع ذلك إلى إله واحد، ومن مضيف إلى اثنين، ومن ظان أنه اتفق اتفاقاً، وانبجس جزافاً، ومن متوهم أنه على ذلك ممتد الماضي من الزمان، وممتد الباقي من البرهان، ومن راجع إلى الحيرة، ومتسكع في متشابه الأدلة، ومن مقرب بالجدل، ومبعد بالنظر، ومن ظان أنه جار على التناسخ مع إقامة الجزاء على قدر الخير السالف، والطاعة المتقدمة، ورأس هذا الأمر كله وأنفه في التسليم، فإنه الدين كله، والإسلام الذي شرفنا الله به وجعلنا من أهله، ومن القائلين بفضله، والناضحين عن حوزته، والذابين عن حريمه، هو معقود بالتسليم، لكن ينبغي أن يكون التسليم والتفويض سابقين للنظر والجدال، والمراء والضلال، والحيرة في تناقض الأقوال، لأن التلاعب بحجج الله ﷿، والأجتراء على عقول عباد الله ﷿، ليس من سنن أنبياء الله، ولا من

أدب أولياء الله تعالى، وقلما يظفر من المتكلمين بمتأله له حرقة من قد فاته مطلوب، أو توفي من قد حصل له يقين، هكذا شهدت من شهدت طوال هذا السنين بالعراقين والحجاز وفارس والجبال، ولولا الإطالة لسميت لك واحداً بعد واحد، وأنت بكل عارف، وعلى أحوالهم واقف.

وكان أبو حامد شديد الأزورار عن الخلاف، شديد القعة في أهله. وكان أدنى ما يقول فيهم: الفقهاء إذا قالوا: قال الإجماع، وأنعقد الإجماع، أنهم لا يرادون بهذا اللفظ، لأن الإجماع لا ينعقد بهم، والخلاف منهم لا يعتد به، وشريعة النبي ﷺ إنما هي الحلال والحرام، والنظر في قواعد الأحكام، وتسليم ما غمض في هذه الفصول على الأفهام؛ وكان يقول أشياء غير هذا سأرويها لك.

وإنما أولع بذكر ما يقوله هذا الرجل لأنه أنبل من شاهدته في عمري، وكان بحراً يتدفق حفظاً للسير، وقياماً بالأخبار، وأستنباطاً للمعاني، وثباتاً على الجدل، وصبراً في الخصام.

ومن قبل ذلك أعود إلى العادة في نثر شيء من البصائر والنوادر، لئلا أكون خارجاً عما عقدت الكتاب عليه، وسقت ضماني إليه، ثم أذكر مسائل من فنون مختلفة، على قدر ما تم لي في الحفظ، وإذا وقع التمكن من جواباتها في الجزء الثالث ألممت بالبيان الشافي على وجه الأختصار، إن شاء الله تعالى.

قال بعض السلف: إذا صح العقل التحم بالأدب التحام الطعام بالجسد الصحيح، وإذا مرض العقل نبا عنه ما يسمع من الأدب، كما يقيء الممعود ما أكل من الطعام، وإن آثر الجاهل أن يتعلم شيئاً من الأدب تحول ذلك الأدب جهلاً، كما يتحول ما خالط جوف المريض من طيب الطعام داء.

وقال أيضاً: أحمد العقلاء من عقله عن صحة طبيعة، ورأيه عن سبب معرفة، وعلمه من قبل حجة، ومنطقه عن صدق مقال، وفعله عن حسن نية، وأدبه عن فضل رغبة، وعطاياه عن شجاعة غريزة، وأمانته عن عفاف، وأجتهاده في قصد سبيل.

وقال أيضاً: ثم وصل صحة الطبيعة بحسن العادة، وذكاء العقل بشدة الفحص، ونفاذ الرأي بدرك المنافع، وحسن المنطق بخير العرض، وحسن العمل بالفقه في الدين، وحسن الأدب بكثرة التعهد، وبث العطايا بصواب الموضع، وفضل الورع بفضل الحرية.

كتب بعض النساك إلى صديق له: أوصيك بتقوى الله العظيم، فإنها أكرم ما أسررت، وأزين ما أظهرت، وأفضل ما أدخرت، أعانني الله وإياك عليها، وأوجب لنا ولك ثوابها.

قال جعفر بن محمد: لأمير المؤمنين ﵇ تسع كلمات أيمن جواهر الكلام، وأيتمن حقائق البلاغة، وقطعن أطماع المحاولين عن اللحاق بهن، ثلاث منها في المناجاة، وثلاث في الحكمة، وثلاث منها في الأدب؛ فأما اللواتي في المناجاة فقوله: إلهي، كفاني فخراً أن تكون لي رباً، وكفاني عزاً أن أكون لك عبداً، أنت لي كما أحب، فأجعلني لك كما تحب. وأما اللواتي في الحكمة فقوله: أمنن على من شئت فأنت أميره، وآحتج إلى من شئت فأنت أسيره، وأستغن عمن شئت تكن نظيره، وأما اللواتي في الأدب فقوله: قيمة كل امرىء ما يحسنه، والمرء مخبوء تحت لسانه، والناس أعداء ما جهلوا.

قال أعرابي: من طال رشاؤه، كثر متحه.

وقال أبو فرعون التميمي: قل من أجتلب حلف الزمان، إلا رمي بقدم الحدثان.

قال الرشيد: أربعة أشياء ممسوخة: أكل الأرز البارد، والقبلة على النقاب، والنيك في الماء، والغناء من وراء ستارة.

قال الماهاني: قيل لمجنون مرة: نكت أباك وأبوك وأبيك، فأطرق وقال: المسألة في هذا محال والصحيح نكت - بالنصب.

قال أبو زيد الحارثي لابنه: والله لا أفلحت أبداً، فقال له ابنه: لست أحنثك والله يابه.

حمل إلى معاوية مال فصب في صحن داره، وعلى رأسه خصي يذب عنه، فقال: يا سيدي، مر لي بكف مال، فقال: ويحك ما تصنع به؟ أن مت فتركته كويت يوم القيامة به؛ فقال: يا مولاي، إن كان هذا حقاً، ما يساوي جلدك يوم القيامة فلسين! فضحك معاوية وامر له بمال.

وقال صفعان: نحن معاشر الصفاعنة خلقنا حلماء، فإذا خرق علينا الجاهل لقيناه بالتغافل.

وسمعت ابن سيار القاضي يقول: الصفع على الريق أصلح من شربة سويق.

وسمعته يحكي قال، قال الجاحظ: دخلت الجامع ببغداد، فرأيت

شيخاً مهيباً فجلست إليه وقلت له: أفدني رحمك الله مما علمك الله، قال: أكتب، إذا جاءتك الفسو فلا تحبسها ولو كنت بين الركن والمقام، قلت: زدني، قال: أستعمل الدهن مع البزاق وأستعن بهما على هذه العفاج الضيقة، قلت: زدني، قال: إذا كانت لك جارية فنكها من خلف ومن قدام حتى تكون كأنها جارية وغلام، قلت: زدني، قال: تمسك بهذه الثلاث وأنت لقمان الحكيم.

شاعر:

إن كنت تنشط للصبوح فيومنايوم أغر محجل الأطراف
وأرى الغمامة في السماء مخيلةمسودة الأوساط والأكناف
طوراً تبلل بالرذاذ وتارةتمري عليك بدلوها الغراف
وانعم صباحاً وأتنا متفضلاًودع الخلاف ولات حين خلاف

رفع إلى محمد بن عبد الله بن طاهر في قصة أن غلاماً أخذ مع فتيان في صحراء، فوقع: ما السبيل على فتية خرجوا لمتنزههم، يقضون أوطارهم على قدر أخطارهم، ولعل الغلام ابن أحدهم أو قرابة بعضهم.

نظر أعرابي في سبع وعشرين من رمضان إلى الهلال فقال: الحمد لله الذي أنحل جسمك، كما أخمصت بطني.

قال الإسكندر: السعيد من لا نعرفه ولا يعرفنا، لأنا إذا عرفناه أطلنا يومه، وأطرنا نومه.

قرىء على قدح:

اشرب على طرب من كف ذي طربقد قام في طرب يسقي على طرب

قال ابن أبي طاهر: خلا المنصور بأبي أيوب المورياني وسلمة بن مجاهد وعبد الملك بن حميد كاتبه فقال: بمن تشبهونني من الخلفاء؟ فقال ابن حميد: أما أنا فأشبهك بعبد الملك بن مروان، فقال: ذاك شنأة الخلفاء وما أشبهه، قال: بالوليد، قال: ذاك لاعب، قال: بعمر بن عبد العزيز، قال: ذاك شديد الأنقطاع، قالوا: فيزيد، قال: ذاك ماجن، قالوا: فهشام، قال: بخ بخ وما أشبهه، فقالوا: فلا ندري بمن تشبه، قال: أشبه بعمر بن الخطاب ﵁.

سمع هذه الحكاية أبو الفضل ابن العميد فقال: ما كان أحوج أبا جعفر عند هذا القول إلى من يسلح بيد يديه من أن يشبه عمر بن الخطاب، ثم قال: صدق رسول الله ﷺ إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت.

وأبو جعفر أكبر من ذاك، ولعل الحكاية موضوعة عليه، فآفة الأخبار كثيرة، والظنة إلى أهلها سريعة، وتخليص السقيم من الصحيح صعب، وقد

دهي الناس في جميع وأتوا منها، كذاك الرافضي في رفضه، والحروري في تحكيمه، ومجال العقل فيها ضيق، وسلطانه عليها واه، ولسانه فيها كليل، وإنما الأمر في الأخبار موقوف على السابق في النفس، وعلى حسن الظن بالرواية، وعلى مخرج الكلام في التأويل، والكلام كله مصرف ومتعسف، ومتى تدبرت هذا الباب في صروف الدهر وحوادث الليالي، وجدته كما حكيته ورويته؛ نسأل الله ﷿ رب الأولين والأخرين ستر العورة، وإقامة العثرة، ومجانبة الهوى والمعصية، فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول.

قال الحكم بن هشام الثقفي: قيل لأبي حنيفة: أرأيت ما تقوله هو الحق بعينه؟ قال: والله ما أدري، لعله الباطل بعينه. هذا مما كنا فيه.

وقال أحمد بن أبي طاهر: رفع رجل رقعة إلى المنصور يسأله فيها بناء مسجد في محتله، فوقع على ظهر رقعته: من شرائط الساعة كثرة المساجد، فزد في خطاك تزدد في الثواب.

كيف ترى كلام هذا الإمام؟ تعجب ففيه متعجب، ومن أين له أن كثرة

المساجد من شرائط الساعة؟ أفقلة المسجد من شرائط بعد الساعة أم ماذا؟ اللهم غفراً. ولعل الخبر من الضرب المعمول، والقول المنحول؛ حرس الله تعالى سرائرنا عن مقت الأئمة، وعداوة الصالحين، والأعتراض على السلف الطيب.

شاعر:

عند الملوك مضرة ومنافعوأرى البرامك لا تضر وتنفع
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عند الملوك مضرة ومنافع»
إن العروق إذا استسر بها الثرىأندى النبات بها وطاب المزرع
للشاعر نصيب الأصغر، اقرأ القصيدة
وإذا جهلت من امرىء أعراقهوقديمه فأنظر إلى ما يصنع
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «عند الملوك مضرة ومنافع»

أظن أني رويتها لبشار، ثم ذهبت عني، وقد رواها أبو عثمان الجاحظ في كتاب الإبل.

قال الربيع بن خثيم: إن الله علم علماً فعلمكم منه شيئاً وأصطفى

لنفسه ما لستم بنائليه ولا بمسؤولين عنه، وما علمكم من علمه فعنه تسألون، وبه تجزون.

هذا فصل نافع وكلام شريف، وفي تتبعه وتدبره إرشاد وهدى وسلوان.

أنشد أبو محلم:

غلام وغى تقحمها فأبلىفخان بلاءه الزمن الخؤون
فكان على الفتى الإقدام فيهاوليس عليه ما جنت المنون

زعم بعض أصحابنا أن أبا تمام من ها هنا أخذ قوله:

لأمر عليهم أن تتم صدورهوليس عليهم أن تتم عواقبه
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أهن عوادي يوسف وصواحبه»

ما أكثر أن يقال: أخذ فلان من فلان، وأغار فلان على فلان، والخواطر تتلاقى وتتواصل كثيراًن والعبارة تتشابه دائماً، ومن عرف خواص النفس وقوى الطبيعة وأسرار العقل لم يستنكر توارد لسانين عل لفظ، ولا تسانح خاطرين على معنى حاضر، وباطنه ظاهر.

قال أبو ذكوان: سمعت الثوري يقول: سأل أعرابي فقال: داووا سقمي بصحتكم، أي فقري بغناكم. الغنى مقصور، والغناء - ما يسمع - ممدود.

ونظر أعرابي إلى رجل جالس على ماء غدير يرمي فيه الدنانير، فقال: يا هذا، لقد أراحتك النعمة وأتعبتها.

قال المهلب: ما رأيت أحداً بين يدي قط إلا أحببت أن أرى ثيابي عليه، وأعلموا يا بني أن ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم.

قال العتبي: رأيت أعرابياً وقد دفن ابناً له، فلما حثا عليه التراب وقف على شفير قبره فقال: يا بني، كنت هبة ماجد، وعطية واجد، ووديعة مقتدر، وعارية متفضل، فأسترجعك واهبك، وقبضك مالك، وأخذك معطيك، فألحفني الله عليك الصبر، ولا حرمني بك الأجر. ثم قال: أنت في حل وبل من قبلي، والله أولى بالتفضل عليك مني، ثم أنشأ يقول:

نفسي ونفسك والنفوس معارةيدعو بها إما يشاء معيرها
فلئن ذهبت فقد ذهبت ومقلتيصبابة يجري عليك غزيرها
فعليك من منح الإله صلاتهوسقى عظامك في الضريح عبورها

تقدم رجل وامرأته إلى أبي ديشة القاضي فقال الزوج: لي عليها - أيد الله القاضي - ألف درهم، فقال القاضي: ما تقولين رحمك الله؟ فقالت: يسخر بك أيها القاضي، فنظر إلى الرجل مغضباً، فقال الرجل: أصلح الله القاضي لا تصدقها، فإنك لو عرفتها حق معرفتها ابزقت في استها.

يقال في كلام العرب: ذهبت بلة الشباب.

ويقال: بينهم نوى أي مناوأة، وذربت معدته أي فسدت.

ويقال: لئن بللت منه لتبلن بما يسوؤك، أي إن صادقته.

ويقال: الخرص برد مع ندى، والخصر برد بلا ندى.

ويقال: لا أدخل قريعة بيت أي وسطه، وفلان قريع قومه أي رئيس، كأنه واسطة بينهم يفزعون إليه من كل جانب.

ويقال: مصر فلان خيره إذا قلله.

ويقال لقوائم الدابة الشوى، والشواة: جلدة الرأس، وشوى اللحم شياً وأنشوى هو، وهذا أمر شوى أي هين، ورماه فأشواه أي أصاب غير مقتله.

ذكرت في هذا المكان شيئاً حدثنا به ابن الجعاني، وكان حافظاً متقدماً، وشاهدته سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة قال: كان لنا جار يؤم بنا، فقرأ يوماً " نزاعة للشوى " المعارج: بكسر الشين.

وروى أيضاً عن الباغندي أنه قرأ على أصحاب الحديث " وكل شيء فعلوه في الزبر " القمر:: في الدبر، فقالوا له: ما هذا؟ فقال: الباء منقوطة. وزادنا بعض أصحابنا فيه شيئاً قال: زعم الباغندي لما حاجهم أن الذي يدل على أنه بالباء أن السورة فيها مقعد.

وهذا من النوادر مضحك معجب من شيخ سرى ثوب شبابه ولبس خلع الإمام، فكان هذا فائدته. وأصحاب الحديث لا يبرؤون من مثل هذا، وقد شبهوا بحاطب ليل.

ويقال: فلان حسن سنة الوجه، والوجه المسنون: الذي فيه انصباب وأنخراط، وسن الماء على وجهه إذا صبه، وأستنت الإبل على وجه، وسن فاه: إذا استاك بالسنون - بفتح السين.

ويقال: ما تمالك عن كذا أن وقع فيه، أي ما تماسك. وفلان في سر قومه أي في خالصتهم، وهذا سرارة الوادي أي وسطه، وسري عن المريض أفاق، وكذلك الغضبان، وتسرى فلان: تزوج سرية، وسرى ثوبه: ألقاه، وفلان يقرد بعيره ويحمله أي ينزع قردانه وحلمه، ونضج الثمام إذا سال شيء منه كالعسل، وهذا من حديث الملاحم أي الفتن. والعقار: أصل الدار، والعقار: الخمر، والعقر: المهر، والعاقر: التي لا تلد. وحم الأمر أي قضي، وأحمني أي أقلفني. وما نحن إلا في رجيع من القول أي مردود، وألقى عصاه أي أقام، قال الشاعر:

فألقت عصاها واستقر بها النوىكما قر عيناً بالإياب المسافر

ومر فلان يعتصي على عصاً أي يتوكأ عليها، وعصاه أي ضربه بالعصا. والعصا من العصية أي بعض الأمر من بعض؛ هذا كله عن الأصمعي.

قال أرسطاطاليس: سوء العادة كمين لا يؤمن وثوبه.

وقال عثمان بن عفان ﵁: خلتان ليس معهما غربة: حسن الأدب وتجنب الريب.

شاعر:

فتى لا تراه الدهر إلا مشمراًليدرك مجداً أو ليرغم لوما
تبسمت الأموال عن طيب ذكرهوإن كان يبكيها إذا ما تبسما

وقال علي ﵁ لرجل حروري: نوم على يقين خير من صلاة على شك.

دخل ابن عباس على بعض الأنصار في وليمة لهم فقاموا له، فأستحيى من ذلك وقال: بالإيواء والنصر إلا جلستم.

حكى هذا ابن كعب الأنصاري، وكان أديباً متكلماً، جاحظياً حافظاً، وكان يذهب مذهب ابن الإخشيد.

نظرت امرأة إلى شعرة بيضاء في رأس زوجها فقالت له: ما هذا؟ قال: رغوة الشباب.

قال رجل لسفيان بن عيينة: ما بال قريش كانت يتعلم بعضها من بعض المثالب؟ قال: تعلموها لينتهوا عنها.

قال الغاضري: أعطانا الملوك الآخرة طائعين، وأعطيناهم الدنيا كارهين.

كتب عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى الحسن البصري: أعني بأصحابك، فأجابه الحسن: من كان من أصحابي ييد الدنيا فلا حاجة لك فيه، ومن كان منهم يريد الآخرة فلا حاجة له قبلك، ولكن عليك بذوي الأحساب، فإنهم إن لم يتقوا استحيوا، وإن لم يستحيوا تكرموا.

صدق والله الحسن، وكان صدوقاً، وقد رأيت من توقى بحسبه ما لم يتوقه ذو الورع بورعه.

قال فيلسوف: إذا غلب الهوى العقل صرف محاسن خصاله إلى المساؤى، فجعل الحلم حقداً، والعلم رياء، والعقل مكراً، والأدب فخراً، والبيان هذراً، والجود سرفاً، والقصد بخلاً، والعفو جبناً. وإذا بلغ الهوى من صاحبه هذا المبلغ تركه لا يرى الصحة إلا صحة جسده، ولا العلم إلا ما استطال به، ولا الغنى إلا في كسب المال، ولا الذخر إلا في أتخاذ الكنوز، ولا الأمن إلا في قهر الناس، وكل ذلك مخلف في الظن، مباعد من البغية، مقرب من الهلكة. وإذا غلب العقل الهوى صرف المساوىء إلى المحاسن، فجعل البلادة حلماً، والحدة ذكاء، والمكر عقلاً، والهذر بلاغة، والعي صمتاً، والعقوق أدباً، والجرأة عزماً، والجبن حذراً، والإسراف جوداً.

شاعر:

قوم شراب سيوفهم ورماحهمفيكل معترك دم الأشراف
رجعت إليهم خيلهم بمعاشركل لكل جسيم أمر كاف
يتحننون إلى لقاء عدوهمكتحنن الألاف للألاف
ويباشرون ظبى السيوف بأنفسأمضى وأقطع من ظبي الأسياف
ضريت على سفك الدماء نفوسهموأكفهم ضريت على الإتلاف
وعروا من العار المدنس مثل ماعريت مواعدهم من الإخلاف
جعلوا الطعان محللاً لوجوههمومحرماً منهم على الأكتاف
فإذا هم صدموا العدو بصارمخضبوا الأسنة من دم الأجواف
فسيوفهم تفني نفوس عداتهموعطاؤهم يفني سؤال العافي

جاء الجماز إلى صديقة له فوجد بابها قد أغلق، فقال لها: افتحي، قالت: لا يمكنني، قال لها: فقبليني من خلف الباب، فأدارت استها إليه، فلما قبل فقحتها فست، فقال لها: سيدتي، تعشيت بكرش! كان لطاهر بن الحسين جارية اسمها السكون، فواعدها الزيارة ثم غفل عنها، وكانت حلقت ونتفت وتهيأت، فكتبت إليه رقعة عنوانها:

للأمير المظفر الميمونذي اليمينين طاهر من سكون

وفي الرقعة:

ألا يا أيها الملك الهماملأمرك طاعة ولنا ذمام
حلقنا للزيارة وانتظرناولم يك غير ذلك والسلام

فأعجبه ذلك منها ودعا بها.

تزوج صدقة بن سليمان امرأة من كلب، فلما ضاجعها لمسها بيده

فقال: إنك لمهزولة، فقالت: الهزال أولجني بيتك.

وقالت ابنة الخس في النيك: الأول داء، والثاني دواء، والثالث شفاء، والرابع نفسي له الفداء.

قيل لرؤبة: ما عندك للنساء؟ قال: أطيل الظمء ثم أورد فأقصب، والقاصب: الذي لا يشرب إلا تمزازاً.

قيل للحطيئة: ما أنكرت من نفسك؟ قال: نومي في الملاء. ويقظتي في الخلاء.

قال أبو إسحاق السبيعي لقثم بن العباس بن عبد المطلب: كيف ورث علي بن أبي طالب ﵇ النبي ﷺ دونكم؟ قال: إنه كان أولنا به لحوقاً، وأشدنا به لزوقاً.

قيل لعمر بن الخطاب ﵁: أخبرنا عن أيام جاهليتك، قال: ما داعبت أمة، ولا جالست إلا لمة، ولا دأبت إلا في حمل جريرة، أو خيل مغيرة، وأما أيام الاسلام فكفى برغائها منادياً.

قيل لابنة الخس: أي الهنين أحب إليك؟ قالت: الشديد عتره، والقليل قطره، البطيء قره، الصغير ضمره، العظيم نشره، في عيس جمل، في حر كبش، في رهز كلب، في حقو رجل.

أنشد لمضرس بن ربعي الأسدي:

وليس يزين الرحل قطع ونمرقولكن يزين الرحل من هو راكبه
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة
كأن الفتى لم يحي يوماً إذا جرىعلى قبره هابي التراب وحاصبه
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة

قال السكري عن الرياشي عن العتبي عن أبيه قال، كان يقال: إذا كانت محاسن الرجل أكثر من مساويه فذلكم الكامل، وإذا كانتا متعادلتين فذلكم المتماسك، وإذا كانت المساوىء أكثر من المحاسن فذلكم المتهتك.

قال ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه الأصمعي، قال: قال عبد الله بن جعفر: كمال المرء بخلال ثلاث: معاشرة أهل الرأي والفضيلة، ومداراة الناس بالمخالفة الجميلة، واقتصاد من غير بخل في القبيلة؛ فذو الثلاث سابق، وذو الأثنتين راهق، وذو الواحدة لاحق، فمن لم يكن فيه واحدة من الثلاث لم يسلم له صديق، ولم يتحنن عليه شفيق، ولم يتمتع به رفيق.

قال ابن دريد عن الرياشي عن العتبي، قال: من كلام البغاء: الإنصاف راحة، والإلحاح وقاحة، والشح مشنعة، والتواني مضيعة، والصحة بضاعة، والحرص مفقرة، والرياء محقرة، والبخل ذل، والسخاء قربة، واللؤم غربة، والذل استكانة، والعجز مهانة، والعجب هلاك،

والصبر ملاك، والقصد مثراة، والسرف مهواة، والعجلة زلل، والإبطاء ملل، والحقد سخيمة، والصفح غنيمة، والوفاء كيل، والهوى ميل، والحلم عز، والحكم كنز، والعلم حلة زين، والعقل قرة عين، والجهل حيرة حين.

أنشد ابن دريد عن الأشنانداني لأعرابي:

إن كنت تجعل من حباك بودهظهر البعير فثق بأنك عاقره
من ذا حملت عليه كلك كلهإلا اشمأز وظن أنك حاقره
كلف جوادك ما يطيق فبالحرىأن تستقل بما تطيق حوافره

السكري عن أبي حاتم عن أبي عبيدة، قال: رأيت صبية تقود أباً لها ضريراً وهو يقول: يا بنية شيمي السماء، فقال له: يا أبة كأن كسف السحاب فيها نوافر خيل تجر جلالها، ثم مشى قليلاً وقال لها: تأملي السماء كيف هي، فقالت: كأنها إبل شوارد همت بالانصرام، فمشى قليلاً ثم قال لها: أبصري السماء، فقالت: كأنها بطن عير أصحر، فمشى قليلاً ثم قال لها: توسمي السماء، فقالت: كأنها عين بعير تنطف، فقال لها: أوضعي قبل أن ترخي عزاليها.

وقال السكري عن الرياشي عن العتبي: رأيت أعرابياً يقول لأخيه: هل لك أن ننتجع أحساء رملات نجد علنا نجد بها رياً، فقال له الآخر: ذاك مطلب لا ينال إلا بشق وبعد، ولعل المحلىء عنه يذود الحوم منه.

السكري عن أبي حاتم عن الأصمعي، قال: وصف أعرابي ناقة فقال: تقطع الأرض عرضاً، وترض الحجارة رضا، وتنهض في الزمام نهضاً، سريعة الوثوب، بطيئة النكوب، مدلاج سروب.

السكري عن الأصمعي قال: قالت أعرابية لزوجها: أنحن أنعم عيشاً أم بنو مروان، فقال: هم أطيب طعاماً منا، ونحن أردأ كسوة منهم، وهم أنعم منا نهاراً، ونحن أظهر ليلاً.

وبإسناده أنشد أبو عمرو بن العلاء:

يطيل قصير الليل بالسوس عاذلوأنى يقص الجود قادمتي وفري
ومستنور والليل يطفىء نارهوماء كراه بين أعيننا يجري
قدحت له ناري فبات كأنهيساير قرن الشمس صبحاً وما يدري
ثنيت له مسك الجزور موسداًوما لي وساد غير أمسكة الجزر
وصارعت عنه الجوع بابنة ملةيشيعها أبناء طابخة القدر
وقمت بملء القعب من درة التينحرت له حتى توسد بالسكر
فبات صريع الشبع والري نائماًوبت أرى في وجهه ناطق الشكر

قال ثعلب، قال ابن الأعرابي عن الفضل: تكلم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال معاوية: بهرك القول، فقال صعصعة: إن الجياد نضاحة للماء.

قال ثعلب، قال ابن الأعرابي عن المفضل الضبي، قال: قال الأحنف بن قيس: السخاء والبخل في الطعام لا في المال.

وبهذا الإسناد قيل لبعض البخلاء: ما أجل الطعام؟ قال: ما أمسك الرمق.

السكري عن الزيادي عن الأصمعي، قيل لأعرابي: إنك لكذوب خوار، فقال: والله لأنا أصدق من قطاة، وأصلب من صفاة.

قال الأصمعي: سئل عبيد الله بن عتبة عن الفصاحة فقال: دنو المأخذ، وقرع الحجة، وقدح المراد، وقليل من كثير.

قال السكري: حدثني صديق لي قال: اشتريت جارية فلما خلوت بها فترت، فجعلت تعضني وتعبث بي، فلما رأته لا يتحرك قالت: يا مولاي ليس هذا من عملي، هذا من عمل المسيح ﵇.

المبرد عن التوزي عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: قال أكثم بن صيفي لبعض ولده: يا بني، الغنى أنفع، والسلطان أرفع، والعدو أمنع، والعافية أوسع.

وجه عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً من الأنصار إلى بعض ملوك العجم يدعوه إلى الإسلام، فقدم عليه في وقت ثمار بلاده، فجعل يدور به

في بساتينه ويريه عجائب ثمارها ويقول: يا عمري، هل رأيت مثل هذا قط؟ ولم يبق له ثمرة إلا أراه إياها، فقال الأنصاري له: عندنا شجر ينبت على ساق، فمنها ما يناله القاعد، ومنها ما يبسق فيرتقى إليه، إذا كان إبان حملها خرج فيها مثل آذان الحمر، ثم لم ينشب أن ينشق عن مثل اللؤلؤة، ثم لا ينشب أن يصير مثل الزمرد الأخضر، ثم لم ينشب أن يصير مثل الياقوت الأحمر والأصفر، ثم لا ينشب أن ييبس فيصرم فيدخر، فمنه طعام المقيم، وزاد المسافر، وتحفة الصبي إذا بكى، فقال الأعجمي: إن كنت صادقاً فهذه الشجرة التي أهبط بها آدم من الجنة، وأهلها الذين يغلبون على شرق الأرض وغربها.

قال أبو العيناء: رأيت جارية في النخاسين وهي تحلف أن لا ترجع إلى مولاها، فقلت لها: ما له؟ قالت: يا سيدي، ينيكني من قيام

ويصلي من قعود، ويشتمني بإعراب ويلحن في القرآن، ويصوم الأثنين والخميس ويفطر شهر رمضان، ويصلي الضحى ويترك الفجر.

العرب تقول: قد أعور الثغر، إذا لم يكن فيه حافظ.

أنشد الأصمعي لحسان:

آذنت شعثاء صرماً فابتكرإنما يدهن ذو القلب الحصر
سألت حسان من أخوالهإنما يسأل بالشيء الغمر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
رب خال لي لو أبصرتهسبط الكفين في اليوم الخصر

قال ابن المعتز: كان أحمد بن علي الإسكافي عنيناً، فراود امرأة عن نفسها فلما أمكنته عجز، فقام مشيطاً وأخذ السكين ليقطع ذكره، فقالت له الماجنة: لا تفعل يا سيدي، دعه تبول فيه.

طالب مزبد امرأته من خلف فأمكنته، ثم طالبها أيضاً فقالت له: أذكر أنك اليوم تنيك وحدك.

قال بعض الحكماء: إساءة المحسن أن يمنعك جداواه، وإحسان المسيء أن يكف عنك أذاه.

وقال فيلسوف: تأميل الناس خيرك، خير لك من خوفهم نكالك.

قال فيلسوف: كما يتوخى بالوديعة أهل الثقة والأمانة، فكذلك ينبغي أن يتوخى بالمعروف أهل الوفاء والشكر.

وقال أعرابي: الرزق الواسع لمن لا يستمتع به بمنزلة الطعام الموضوع على فبر.

كاتب: القلم صائغ الكلام، يسبك ما يفرغه القلب، ويصوغ ما يجمعه اللب.

قال سهل بن هارون: الدواة منهل، والقلم ماتح، والكتاب عطن.

كاتب: شددت بعنايتك ظهري، وسطوت بك على دهري، وحاربت بك الزمان بعد الأستسلام، وأرهبته بعد الرهبة منه، فلا زال معادياً، ولا زلت لي عليه معدياً.

قال أعرابي: أعيمتني والضرع حافل، وأقرمتني وأنت لاحم.

أنشد ثعلب:

رأيت اليراع ناطقاً عن فخاركمإذا هرمت أثباجه وتعبنا
ونحن أناس ينطق الصبح دونناولم تر كالصبح الجلي مبينا

أي فخركم كالريح في الزمر؛ كذا قال ثعلب.

شاعر:

يا هذه الجبل الأشم وضيقة الباع الرحيب
كم أعين ذرفت عليك وأوجعت بك من قلوب
ما أشرقت بك شمسناحتى تدلت للغروب
إن المنون إذا انتضلن رمين بالسهم المصيب

كان ابن الكعبي يعجب بهذه الأبيات، والبيت الأخير شقيق قول أبي يعقوب الخريمي:

وأعددته ذخراً لكل ملمةوسهم المنايا بالذخائر مولع
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

والقصيدة غراء، وإن فسحت بالك وزدت في نشاطك رويتها لك، وإنما لقطت قصار الألفاظ من هذه البصائر والنوادر لتكون بالقلب أعلق، وإلى الحفظ أسبق.

قال فيلسوف: هيبة الزلل تورث حصراً، وهيبة العافية تورث جبناً.

قال أعرابي: لا ينبغي لأحد أن يدع الحزم لظفر ناله عاجز، ولا يرغب في التضييع لنكبة دخلت على حازم.

قد نطق بالصواب هذا الأعرابي، لأنك متى أضعت الحزم اتكالاً واسترسالاً، جانبت الرشد، وجريت في عنان الغي، وكنت أحد لوام نفسك، وعاذلي رأيك، ومتى أخذت بالحزم ظفرت، فإن لم تظفر لم تقطع نفسك باللوم. على أن ظفر العاجز لم يكن عن تكلف العجز، ولا نكبة الحازم عن اختيار الحزم، ولكن جرياً بالعجز والحزم على ما كانا واقعين عليه،

ومصروفين إليه، لأنهما متحركان بمحرك، ومتصرفان بمصرف: الحازم غير مدرك ما ليس له، والعاجز غير محروم مما له، وإنما سعى الساعي وأجتهد المجتهد وكدح الكادح لأنه معلل بالتأميل، ومؤمل بالتعليل، والغاية مقصودة ولكن بالجهد، وكذلك قعد القاعد واستسلم المستسلم وأمسك الممسك لأنه يعلل بالتأميل، ويؤمل بالتعليل، وهو شريك صاحبه في آخر الحساب، وإن باينه في أول العمل.

وكان أبو أحمد الجرجاني القاضي يقول: أهل الدنيا بين تأميل بتضليل، وبين تعليل بتسويل، وهذه أخلاق العالم وأعراقه، وعليه سوسه وطباعه، ولن يحول عن جوهره بكراهة كاره، وغضب غاضب.

الحديث يتدافع كما ترى، وقد أنشأت هذا الكتاب على رواية ما حصلت، لأنه ثمرة العمر، وزبدة الأيام، ووديعة التجارب، وفي حفظ مضمونه، واعتبار ما اجتمع فيه، تبصرة من العمى، وتذكرة من العي، والنجاة من الله ﷿ إنما تكون بالله، والأولى بالمرء اللبيب، والحازم المميز، الأنقطاع إليه، والإناحة بين يديه، فإنك متى دبرت نفسك، وأملت لها، وسقت الأماني إليها، لم تتجاوز حدك من العبودية، لأنك عبد، متى أسلمت وجهك،

وخنست من حولك إليه، برك بلطفه، وصرفك بإلهيته، لأنه إله، فهو خير لك منك لنفسك، لأنه أولك وآخرك، ولو كنت أولك، أو رجوت أن تكون آخرك، أو صرفت فيما بين طرفيك نفسك، كان لهربك منه وجه، ولإعراضك عنه تأويل، فأما وأنت محبوس في ملكه، مقيد بحكمه، مرتبط بعلمه، مراد بمشيئته، ملحوظ بعينه، محفوظ بعونه، فلا.

وأنشد لعقيل بن علفة:

تعجبت أن رأت رأسي تجللهمن الروائع شيب ليس بالكبر
ومن أديم تولى بعد جدتهوالجفن يخلق فوق الصارم الذكر

يقال خلق الشيء وأخلق بمعنى، هكذا قال يونس في كتاب اللغات وقرأته على أبي سعيد السيرافي، وكأن خلق إذا لزمته الخلوقة ونبا عن الجدة، وهو يجري فيه كالصفة الحالة والنعت المصحوب، وكأن أخلق أخذ في الخلوقة وأمكنها من نفسه، كقوله أقطف العنب أي أخذ في إمكان قاطفه من نفسه، أي آن له أن يقطف، وكذلك أركب المهر.

أهدى جعفر بن سليمان إلى المهدي جارية فقال لها المهدي: أكان من جعفر إليك شيء؟ فكرهت أن تقول لا فتكذب، أو تقول نعم فتهجن، فقالت: كان شيء ينبغي أن يعاد عليه، فأستحسن كلامها ومال إليها.

مرت امرأة يقال لها قرة بماجن، فقال لأصحابه: بارك الله على من حشا هذه، لقد جود حشوها، فقالت المرأة: إن كان قد أعجبك هذا الحشو فابعث بامرأتك إلى من حشاني حتى يحشوها، فخجل الرجل وندم على مجونه.

وللنساء جواب مخوف، وإنما خيف المخنث لأنه يشبه بهن.

قال رسول الله ﷺ فيما رواه ابن مسعود: لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ؟ الأرض علماً، اللهم أذقت أولها نكالاً، فأذق آخرها نوالاً.

لا يعجبك رحب الذراعين بالذم، فإن له عند الله قاتلاً لا يموت، ولا يعجبك امرؤ كسب مالاً من حرام، فإنه إن أنفق لم يتقبل منه،

وإن أمسك لم يبارك له فيه، وإن مات وتركه كان زاده إلى النار.

قال رسول الله ﷺ فيما رواه أنس بن مالك: أحسنوا جوار نعم الله ولا تنفروها، فقلما زالت عن قوم فعادت إليهم.

قرأت لكاتب: والنعم تألف أهلها ما أحسنوا جوارها، وشكروا معيرها، فالله ﷿ يحب الصابرين، ويزيد الشاكرين.

قيل لفيلسوف: ماذا غنمت من الحكمة؟ فقال: أن صرت كالقائم على الشط أنظر إلى آخرين يتكفأون بين أمواج البحر.

وأنا والله أجد بهذا الكلام وأرتاح إليه، وأراه من الحكم اليتيمة، والكلم المحتومة؛ نسأل الله تعالى ألا يجعل حظنا من الحكمة ونصيبنا من الموعظة الإعجاب بها دون المصير إلى حقها، والقيام بواجبها.

قال فيلسوف: الأعداء يعيرون المرء بمساويه فيرعوي عنها، والأصدقاء يستحيون أن يستقبلوه بها فيتمادى فيها.

قال أعرابي: الإفراط في النصيحة يهجم بك على كثرة الظنة.

قال رجل لابن ماسويه: إني أشكو إليك قصوري عن الباه، أي الجماع، فقال له: عليك بالشراب والكباب وشعر أبي الخطاب - يعني عمر بن أبي ربيعة، لغزله.

قال طبيب العرب الحارث بن كلدة: من أحب أن لا يولد له فليدهن حشفته عند الجماع بدهن.

أنشد جحظة:

ولي صاحب زرته للسلامفقابلني بالحجاب الصراح
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
وقالوا تغيب عن دارهلخوف غريم ملح وقاح
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ولو كان عن داره غائباًلأدخلني أهله للنكاح
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

أستأذن جحظة على صديق له مبخل، فقال غلمانه: هو محموم، فقال: كلوا بين يديه حتى يعرق.

قال ثمامة: قال لي مجنون مرة: أنت تزعم أن الأستطاعة إليك؟ قلت: نعم، قال: فإن كنت صادقاً فاخرأ ولا تبل.

قال جحظة: سأل رجل رجلاً عن جارة له أراد أن يتزوجها، فقال: إن كنت تريدها خالصة لك من دون المسلمين فلا تطمع.

قيل للفرزدق: أي الشراب أحب إليك؟ قال: أقربه من الثمانين.

قال جحظة: أكلت مرة مع بخيل، فقال لي: يا هذا، ما رأيت أذل من الرغيف في يدك.

قال إسحاق الموصلي: ما جمشت الدنيا بأطيب من شرب النبيذ، ولا عوتبت بأظرف من الغناء.

قال السدي للجماز: ولد لي البارحة مولود كأنه دينار منقوش، فقال له الجماز: لا عن أمه ويحك! فبلغت النادرة أبا العيناء فقال: بودي أنها لي بجميع ما قلته.

وأنشدت لجحظة:

ولي كبد لا يصلح الطب سقمهامن الوجد ما تنفك دامية حرى
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فيا ليت شعري والظنون كثيرةأيشعر بي من بت أرعى له الشعرى
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

وقال الجماز: اجتزت في طريق فإذا قيان ملاح، فقلت وقد زحمتهن: الخفيف حمل الله بعضنا فوق بعض فقالت واحدة: عاجلاً في دوام عيش وخفض كان إبراهيم بن العباس الصولي بخيلاً على الطعام، فجلست معه جارية في بعض الأيام على المائدة والخبز مفرق، فقالت: يا سيدي، إبراهيم بن ميمون صديق لك؟ قال: نعم، وما سؤالك عنه؟ قالت: أستعير منه بغلاً من بغال البريد أدور عليه خلف هذا الخبز، فخجل وغير الرسم.

سمعت أبا حامد المروروذي يقول، كان المزني يقول، قال الشافعي ﵁: آفة المتعلم الملل في قلة صبره على الدرس؛ وقال: الملول لا يكون حافظاً.

وكان أبو حامد يقول: سبيل الحدث أن يدرس، وسبيل الشاب أن يتفهم، وسبيل الكهل أن يناظر، وسبيل الشيخ أن يعلم.

وسمعته يقول لأبي طاهر العباداني، وكان يتصوف ويتفقه: لا ينبغي أن تصحب ثلاثة: الجندي والعلوي والصوفي؛ أما الجندي فإنه يقول: لولا جاهي وعزي لطلبك السلطان؛ وأما العلوي فإنه يقول: متى شئت بعتك، أنت ومالك لي، والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأنا وارث النبي؛ وأما الصوفي فإنه يقول - وقد أنفقت عليه جهدك -: من أنت؟ بهذا كله أمرتم.

وسمعت أبا حامد يقول، سمعت يحيى بن حرملة يقول، قال الشافعي ﵀، قال لي بشر المريسي: لوددت أنا لم نرد عليك الشاهد واليمين، وأنك لم تخرج عيوبنا.

يقال: الباضع الريان، والشاهد عليه:

ألا ليت لي من وطب أمي شربةتشاب بماء من صبيح فأبضع

أي أروى. وبضع أي قطع، والبضعة: القطعة من اللحم، والباء مفتوحة، فأما بضع سنين فالباء مكسورة، وهي سنون دون العشرة وفوق الخمس؛ وملك فلان بضعها أي حل له نكاحها، ومنه سمي المبضع وجمعه المباضع، والبضاعة لأنها قطعة من المال؛ والبضاع: الجماع؛ قال أبو حنيفة صاحب النبات: وحب القلقل مهيج على البضاع، بكسر القافين.

سمعت ابن قريعة القاضي يقول: رفع إلى السلطان صبي قد افتض صبية، فقال الوالي: انظروا هل نبت قضيبه؟ فقالوا: لم ينبت بعد، وقضيبه صغير لا يفتض مثله جارية، فقالت الصبية: ما هكذا كان، قولوا له ينفحه كما كان، هكذا حكي، والنادرة في قلب الخاء إلى الحاء.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.