من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
الجزء الخامس (٤)
فأما العفيف فالممسك نفسه عن القاذورات، يقال منه: عف فلان يعف عفة وعفافة، وكل هذا مسموع، واستعفف أيضاً، قال الله تعالى " ومن كان غنياً فليستعفف " النساء: وعفافة اللبن - بضم العين - كالبقية، والعفيف فعيل ينقسم بين فاعل ومفعول، وإذا تماسك وتوقى وأخذ نفسه مأخذ الواجب فهو في طريق الفاعل، ثم قد يكون في معنى المفعول به لأن
العفة طباع، فكأنها توجد في فطرته.
وأما الأنيف فالذي أصيب أنفه، كأنه مأنوف، والكلام في الأنوف قد مر في الجزء الخامس وإعادته تشق.
وأما الشنيف فالمبغض، ولا تقل المبغوض، لأنه لا يقال بغضه، هذا لفظ العامة وهو مرود عند البصراء بالأصول، ولكنه يقال: بغض الشيء في نفسه فهو بغيض، فكأنه أخذ من شنفته إذا أبغضته، وكذلك: شنفت له. وقال بعض الأدباء: وهو أيضاً الذي علق في أذنه الشنف - بفتح الشين وسكون النون - وهو أيضاً بمعنى مفعول؛ وأما فلان شنف أنف صلف فهو الشنف - بحركة النون - وهو البغض والأنفة والصلف؛ ويقال: شانفني مشانفة أي عاداني معاداة، وهذا كله محصل عن السماع والكتب والصحاح وأهل الأدب الموثوق بهم بالعراق.
وأما الرفيف فهو بريق الشيء وبصيصه ونوره وبهاؤه وماؤه، ويقال منه: رف الشيء إذا أنار ونار واستنار، كل ذلك بمعنى واحد، ومضارع هذا يرف بكسر الراء، فأما رف يرف بالضم فمعناه أكل، وأما رف خفيفه يرف فمعناه كثر، والرف سألت عنه السيرافي فقال: هو من كلام العرب، وهو الذي يضاف إلى الحائط ليوضع عليه شيء.
وأما الطريف - بالطاء غير معجمة - فهو ضد التالد، وفي الكلام يقال: بذلت له طريفي وتالدي، والتالد: الموروث، والطريف: المكتسب، وأما الطرف فهو الفرس الكريم، وأما الطراف فالخباء من الأدم وجمعه الطرف، والطرف: العين نفسها، بل قيل: هو جفنها، وقال بعض الكتاب: كبدي بيد العراق مخطوفة، وعيني بقذى الفراق مطروفة؛ وهذا أمر طريف أي لم يعتد؛ ورجل طريف أي معجب؛ وقال صاحب الاشتقاق: الطرف دائر في هذه الأبنية، لأن الطارف في طرف من التالد، لن هذا ولد عندك، وذاك كسبت، فهما طرفان، والطرف الذي هو الفرس الكريم في
طرف من الدواب على ذلك. والطرائف جمع طريفة، والطرفة من جملة الكلام، وفلان طريف بين الطرافة، وقد سمع، وهو نظير قولهم: غريب بين الغرابة، وقد رأيت من يأبى الغرابة والطرافة.
وأما النظيف فاسم الشيء الذي لا تنبو عنه العين، ولا تكف عنه اليد، تقول: هذا إناء نظيف فاشرب فيه، تقول منه: نظف نظافة وهو نظيف، ونظفة تنظيفاً فهو منظف، وقول الكتاب: فلان العامل قد استنظف المال في ناحية، فذا مردود قال الثقة.
فأما العريف فهو مأخوذ من المعرفة، والميم في المعرفة زائدة لأنه يقال: عرفته؛ والعرافة للعريف كالنقابة للنقيب، وكأنه ينقسم بين أن يكون عارفاً من أن يكون عريفاً عليهم، وبين أن يكون معروفاً فيمن هو عريف لهم، تقول: عرف الرجل أي صار عريفاً، كما يقول: أمر بالفتح، والقياس أمر وعرف كما تقول: فقه وظرف، تقول منه: عرفه يعرفه معرفة، والعارف الصبور، كذا قال أبو عبيد في " الغريب "، كأن الصبر من المعرفة، كما أن الجزع من الجهل؛ والعوارف: الصلات والجوائز والخيرات، كأنها معروفة أو عارفة، لأنها جمع عارفة وهي بمعنى معرفة، لأن المعروف هو الجزء الذي تعرفه النفس، وتطرب له الروح، وأما خرجت في يده عرفة: فقرحة، وعرفات مكة، قالوا: سميت بذلك لأن آدم بها عرف حواء، وتصرف فنقول: عرفته كذا فعرف، واعترف بما عرف، والنفس عروف، والمعارف: أماكن تعرف، وأشياء تعرف، وقول الفقهاء في العرف والعادة، وهذا مقبول، فأما المعرفة وما حدها وحقيقتها وكيف طريقها ففن طويل الذيل، تكلم الكعبي فيه في " كتاب المقالات " مالئاً لأوراق يقل محصولها عند التناقد والتناصف، وقد مر في آخر الجزء الثاني فصل في هذا الباب، وسيمر أيضاً نوع من الكلام فيه، إذا صرنا إلى الجزء الذي نفرده
للعارفين وأصحاب الصوف إن شاء الله.
وأما الخريف ففصل من الزمان معروف، وإنما سمي خريفاً لاختراف الثمار، والعرب تقول: فلان يخترف الكلام إذا اقتضبه على حسن، ويقال إن قولهم: فلان خرف على التفاؤل، والمخرفة: ما يخترف بها الثمر، والخروف: ولد الضائنة إذا بلغ أربعة أشهر وفصل عن أمه، والأنثى خروفة، والخرافة: الحديث الحسن يكاد يتهم محدثه.
وأما الشريف فمعروف، وهو مشتق من الشرف وهو العلو، ويقال: شرف لحكمك إذا كثر، والشارف: الناقة المسنة، كأنها العالية في السن، ومشارف الشام: أعاليها، يقال: شارفته فشرفته، كما تقول: فاضلته ففضلته، وناضلته فنضلته، وهم أشراف في الجمع، وسألت العالم عن شراف فوقف، فقلت له: ألم تقل هم شرار في أشرار، فلم لا تقول شراف في أشراف، قال: القياس يتضاءل مع السماع.
وأما السريف فما سرفته أي أغفلته وغفلت عنه كأنه مفعول، يقال: مررت بكم فسرقتكم أي سهوت عنكم؛ والسرفة: دابة صناع، يقال: أصنع من سرفة؛ والسرف في مقابلة التبذير وهو الإسراف، واستسرفت من فلان كذا، إذا نسبته فيه إلى السرف.
وأما الغريف فالمغروف، وهو الذي تغرفه وتغترفه من ماء أو مرقة، والمغرفة: الآلة، بكسر الميم، ويقال لها أيضاً: المقدحة، لأنه يقال: قدحت بمعنى غرفت ويقال أيضاً: عرفت ناصية الفرس، وعرفت الشعر: إذا أخذته.
فأما القريف فالمقروف، وهو العود تأخذ ما عليه من قشرة، وتقول: لا تقرف جرحك حتى يندمل ويبرأ.
وأما الصريف فصريف الناب، وقد يسمع من النائم ذلك، فإذا غرق في النوم كأنه يحك أسنانه العليا بأسنانه السفلى؛ وصرفت الكلبة إذا أرادت
الذكر، كأنها خاجت، والصرف من الشراب ما لا يمزج، يقال منه: أصرفت الخمر إذا تركتها صرفاً، كذا قال الثقة.
وأما الظريف فروى لنا شيخ عن الأصمعي وابن الأعرابي انهما قالا: الظرف ما يكون في اللسان، يقال: فلان ظريف أي بليغ جيد المنطق، ومنه: إذا كان اللص ظريفاً لم يقطع، وهذا قول عمر ﵁، يعني إذا كان حسن التخلص إلى الحجة بالشبهة درأ بها حدة وقرب أمل فرجه برأيه؛ قال بعض السلف: الظريف من فيه أربع خصال وهي: الفصاحة والبلاغة والعفة والنزاهة.
قلت لبعض العلماء: ذكر اربعاً وهي اثنتان: لأن البلاغة والفصاحة خصلة واحدة، والعفة والنزاهة خصلة واحدة، فقال لي: ظلمت، الفصاحة خلوص اللسان من التعقيد والنغنغة، والبلاغة تناهي المتكلم إلى الإرادة، فقد يخلص ولا ينتهي، وقد ينتهي ولا يخلص، فإذا جمع بينهما كان فصيحاً بليغا. والعفة الإمساك عن المحظور، والنزاهة الوقوف عن المباح، وفي العفة ذب عن الدين، وفي النزاهة حفظ للمروءة.
وقال بعض الأدباء: الظريف المتمرس بكل أمر، المتخلص من كل ذم.
سمعت أبا النفيس الرياضي يقول: الظريف من صار ظرفاً للمناقب، وحسن المناقب. والكلام يفتن إلى هذا الفن، وأنا إلى اختصار ينفي سآمة القارئ أحوج مني إلى تطويل يسد باب النشاط؛ وللصوفية ألفاظ مهذبة في جواب نظائر هذه المسألة كقولهم: من الظريف، ومن الفاضل، ومن العارف، ومن العاشق، فإذا دخلنا في ميدانهم أتينا على بيانهم إن شاء الله.
وأما النقيف فالمنقوف من الحنظل، كأنك نقفته إذا أخذته بأطراف يدك.
وأما الطفيف فالشيء القليل القليل التافه، قال الله تعالى: " ويل للمطففين " المطففين: يعني المقللين، وطفاف المكوك: جوانبه، كأن المطفف في
الكيل يحب أن ينقص المشتري، وقد بين الله ذلك.
وأما النتيف فالمنتوف، يقال: هذا طائر نتيف، والنتف: جمع نتفة، كالطرف جمع طرفة، والغرف جمع غرفة، ويقال: تناتف الديكان عند القتال، والنتيف لقب كثير من الناس الذين ينتفون شعور وجوههم، وهي علة من احتراق المرة السوداء.
وأما الأسيف فالتابع.
وأما العسيف فالعبد، هكذا حفظت عن الثقة.
وأما اللفيف فجماعة لا تعرف، واللفيف أيضاً الملفوف، واللف: التواء في اللسان كالردة. وسمعت بدوياً يصف قوماً لقوا قوماً في الحرب، قال: ما تصافوا حتى تلافوا، واللفافة: ما يلف فيها الشيء، وجمعها لفائف كأنه جمع لفيفة، ورجل ألف إذا كان عيياً، وامرأة لفاء، وكذلك إذا كانا ضاويين، وإذا كانا نحيلين، وكل هذا من خفة اللحم والشحم والجسم.
وأما الضفيف فهو من المضفوف، ويقال: هذا ماء مضفوف إذا تزاحمت عليه وأردته، فكأنه مأخوذ من ضفة النهر أي طرفه، لأنهم يتزاحمون على جوانبه، وقولهم: هذا مضفوف كقولهم: هذا ماء مشفوف إذا شفوه أي نزفوه؛ فأما قولهم: ماء مشفوه - بالهاء - فأخذ من الشفة كأنه كثرت عليه الاربة حتى وضعوا على جوانبه شفاههم، وعلى هذا تكون جوانب الحوض وأطراف الموارد شفاهاً فأصابوها بالشرب، لأنه يقال: شفهته: إذا ضربت شفته، وقولهم: كلمته مشافهة أي شفتي مقابلة لشفته، لأن الكلام يسمع من الإنسان بآلات كثيرة كاللسان والأسنان والشفة، ومتى نقص شيء من ذلك نقص الكلام على مقداره.
وأما الصفيف فاللحم المصفوف، يقال: صففته أصفه صفاً فأنت صاف وهو مصفوف، وقول الله تعالى: " صواف فإذا وجبت جنوبها " الحج: إذا شددت الفاء كان من هذا، كأن الهدي يصف، وقد قرئ صوافي
أي قائمة، وقيل أيضاً: صوافي جمع صافية كأنها صفت لله تعالى لأنه متقرب بها إليه.
وأما السفيف فهو ما تسفه أي تتناوله، ويقال لأدوية معروفة: فهو يسف - بضم السين فهو الخوض لأن الخواص يعمل من الخوص قفة وسفوف كذا وسفوف كذا، والسين مفتوحة، والعامة تقول لبائع هذه الأدوية: سفوفي - بضم السين - وإنما هو سفوفي - بالفتح -؛ وأما سف فهو وزنبيلاً وغير ذلك، فعمله السف وهو ساف وسفاف. وإذا قلت: أسف انقلب المعنى، أسف الطائر إذا دنا من الأرض، وأسف الرجل للأمر إذا قاربه، والإسفاف إلى القبيح كالدنو منه والتلطخ به.
وأما السقيف فكأنه قد سقف إذا كان سقفاً، وسقيفة بني ساعدة منه.
وأما الذفيف فالسريع.
وأما الزفيف فزفيف الناقة، وهو ضرب من ضروب سيرها.
وأما الشفيف فالبرد.
وأما الكنيف فالحظيرة.
وأما اللطيف فمعروف.
وأما الكثيف فخلافة لأن اللطافة في اللطيف ضد الكثافة في الكثيف.
وأما القطيف فما قمطف.
وأما العنيف فالخشين المس فيما يباشر، ومنه العنف وهو التشديد.
وأما العليف فما علف عن العلف، تقول: علفته، والشاعر يقول:
إذا كنت في قوم عدى لست منهمفكل ما غلفت من خبيث وطيب
العلف يستعمل في البهائم، ولكنه استعارة.
وأما السخيف فالخفيف.
وأما الكتيف فمن كتف أي ضرب كتفه.
طال هذا فأرجو أن لا يثقل إن شاء الله؛ وقد بقيت حروف أجمك عنها ببعض النوادر والأخبار لتعود إليها وأنت شهوان، وهذه مداراة مني لنفسي أولاً، ثم لك أيها الناظر، فقد علمت أنك من طينتي، وجارياً على خليقتي، تمل كما أمل، وتكل كما أكل، وتعرض لك الحال التي تدل على عجزك عن حظك، ولولا أني وإياك على هذا النعت لما احتجنا إلى ما يتأدب به، لأن التمام كان لنا بالجوهر، والكمال فينا بالعنصر، ولكنا بنينا من الضعف والقوة، والعجز والقدرة، والنقصان والزيادة، فنحن على ذلك نتماثل إلى أن يأخذ الله بأيدينا من أيدينا فنخلص من دار، الغني بها مفلس، والطاهر بها نجس.
سأل المهدي رجلاً عن طائر جرى من الغاية فقال: يا أمير المؤمنين لو لم يبن بفضيلة السبق لبان بحسن الصورة، فقال: صفه لي، فقال: قد قد الجلم، وقوم تقويم القلم، لو كان في ثوب خرقه، أو صندوق فلقه، يمشي على عنمتين، ويلقط بدرتين، وينظر بجمرتين، إذا أقبل فديناه، وإذا أدبر حميناه.
قال رجل لإبراهيم النخعي: كيف أصبحت؟ فقال: إن كان من رأيك أن تسد خلتي، وتقضي ديني، وتكسو عورتي أخبرتك، وإلا ليس المسؤول بأعجب من السائل.
شاعر:
فآه من الأحزان قد أسفر الضحىوفي كبدي من حرهن حريق
مزجنا دماً بالدمع حتى كأنمايذاب بعيني لؤلؤ وعقيق
قال العتابي: وجد علي الرشيد: فدخلت عليه في المتكلمين فقلت: يا أمير المؤمنين قد أدبني الزمان لك، وأرشدني إلى الهداية تقويمك، وردني ابتلاء الناس إليك، وما مع تذكرك قناعة، ولا في سؤالك عار، وقد قلت:
أخضني المقام الغمر إن كان غرنيسنا خلب أو زلت القدمان
أتتركني جدب المعيشة صنكهاوكفاك من ماء الندى تكفان
وتجعلني سهم المطامع بعدماملكت يميني بالندى ولساني
بلغ يحيى بن خالد أن إبراهيم بن سيابة هجاه فحجبه ومنعه رزقاً له، فكتب إليه ابن سيابة: للسيد الجواد، الواري الزناد، الماجد الأجداد، والمنجب الأولاد، من الخاضع المسكين، والخائف المستكين. أما بعد، فإنك تعلم أن من يرحم، ومن يحسن يغنم، ومن يعف لا يندم، وقد منيت من غضبك علي، واطراحك لي، وإعراضك عني، بغير لفظ تحقق، ولا قول يصدق، بما لا أقوم له ولا أقعد، ولا أستيقظ منه ولا أرقد، فلست بحي صحيح، ولا ميت مستريح، وقد فرزت منك إليك، فاستعنت بك عليك. وقلت:
راغب راهب أتاك يرجيك وما زلت موضعاً للرجاء
ومقر بما جناه ولم يجن لترضى وحامل للثناء
فلعمري ما من أضر ومن ظل مقرا بذنبه بسواء
فوقع يحيى بن خالد: قد عفونا عن الخائف والحاكم لنفسه ببراءته، وأمرنا
له بصلة تنير ظلمته، وتؤنس وحشته، ووهبنا ماضيه لمستقبله، وسالفه لمستأنفه.
قال جعفر بن يحيى لبعض الندماء: إنا نستبين ما في باطن القلوب بظواهرها، ونعرف فحوى العيون بلواحظها.
قال عبد الصمد بن المعذل لأبي تمام:
أنت بين اثنتين تبرز للناس وكلتاهما بوجه مذال
لست تنفك طالباً لوصالمن حبيب أو طالباً لنوال
أي ماء لحر وجهك يبقىبين ذل الهوى وذل السؤال
قال الحارث الأعور: ما رأيت رجلاً قط أحسب من علي بن أبي طالب ﵇، أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، رجل مات وخلف ابنتين وأبوين وزوجة، فقال: قد صار ثمنها تسعاً.
قال أبو حامد: هذه الفريضة من أربعة وعشرين، للبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان، وكمل المال، وعالت الفريضة، واحتيج للمرأة إلى ثمن الأربعة والعشرين ثلاثة أسهم، فزيد على الأربعة والعشرين، فصارت السهام سبعة وعشرين، وصار الثمن من أربعة وعشرين تسعاً من سبعة وعشرين، فتقسم الفريضة على ذلك.
لفضل الشاعرة:
علم الجمال تركتنيفي الحب أشهر من علم
ونصبتني يا منيتيغرض المنية والتهم
فارقتني بعد الدنوفصرت عندي كالحلم
فلو أن نفسي فارقتجسمي لفقدك لم تلم
ما كان ضرك لو وصلت فخف عن قلبي الألم
برسالة أهديتهاأو زورة تحت الظلم
أو لا بطيف في المنام فلا أقل من اللمم
صلة الحبيب محبةالله يعلمه كرم
استجاز علي بن الجهم فضل الشاعرة بين يدي المتوكل بيتاً وقال:
لاذ بها يشتكي إليهافلم يجد عندها ملاذا
فأطرقت هنيهة قم قالت:
ولم يزل ضارعاً إليهاتهطل أجفانه رذاذا
فعاتبوه فزاد عشقاًفمات عشقاً فكان ماذا
فطرب المتوكل ووصلهما.
ولعريب المأمونية:
وذي كلف بكى جزعاًوسفر القوم منطلق
به قلق يململهوكان وما به قلق
جوارحه على خطربنار الشوق تحترق
جفون حشوها الأرقتجافي ثم تنطبق
أجاب الوابل الغدقونادى النرجس الغرق
فهات الكأس مترعةكأن حبابها الحدق
قال بعض الأوائل: ثلاثة أشياء تورث الهزال: شرب الماء البارد على الريق، والنوم على غير وطاء، وكثرة الكلام برفع الصوت.
وقال آخر: أربعة أشياء تفسد العقل: الإكثار من البصل، والباقلي، والجماع، والخمار.
شاعر:
عشرون ألف فتى ما منهم أحدإلا كألف فتى مقدامة بطل
راحت ماودهم مملوءة أملاًففرغوها وأوكوها من الأجل
شاعر:
غصن من البان مثل البدر يحملهمثل الكثيب تعالى الله باريه
الشمس تحسده والبدر يعشقهوالدر يشبهه والظبي يحكيه
قال المأمون لذي اليمينين وقد سايره: ما أقدم برذونك هذا، قال: من بركة الدابة صحبته، وقلة علته، قال: وكيف حمدك له؟ قال: همه أمامه، وسوطه لجامه، ما ضرب قط إلا ظلماً لسيره، ولا استحث إلا للعادة في غيره، فقال: مثلك يا أبا الطيب فليصف الشيء.
شاعر:
فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمنوإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم
فأنت طلاق والطلاق عزيمةثلاث ومن يخرق أعق وأظلم
فبيني بها إن كنت غير رفيقةفما لامرئ بعد الثلاث مقدم
آخر:
لو قضي الله للمنون بحتفصير البين للمنون منونا
أخر:
الجود والغول والعنقاء ثالثةأسماء أشياء لم تخلق ولم تكن
آخر:
كتب الفرزدق في السجل بأيرهثم استمد به من آست جرير
فسلوا جريراً ما مداد دواتهأمداد بر أم مداد شعير
وقال الحسن البصري: لم يبق من العيش إلا ثلاثة: أخ تصيب من عشرته خيراً وإن زعت قومك، وكفاف من المعاش ليس لأحد عليك فيه تبعة وصلاة تكفى سهوها وتستوجب أجرها.
قال ابن عباس: الشيب في مقدمة الرأس كرم، وفي الشارب سفه، وفي العارض روع، وفي القفا لؤم.
لو ذكر عللها لكان العلم أبين، والظن عندها أبعد، ولكنه أرسله إرسالاً، والله المستعان على ما يصفون.
قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﵌ إذا استراث خبراً تمثل بقول طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
قال، فكان يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار.
قال أبو العباس ابن سريج: من أنكر الحس أنكر نفسه، ومن أنكر العقل أنكر صانعه، ومن أنكر الغيرة أنكر أباه وأمه، ومن أنكر الإجماع أنكر نبيه، ومن أنكر عموم القرآن أنكر حكمته، ومن أنكر خبر الواحد أنكر الشريعة، ومن أنكر اللغة أنكر المحاورة.
العرب تقول: إنه لمنحار بوائكها، أي كثير النحر لسمانها التي لا علة بها.
شاعر:
إن يغدروا أو يجنبواأو يجهلوا لا يحفلوا
وغدوا عليك مرجلين كأنهم لم يفعلوا
قال وكيع، قال لي أبو حنيفة النعمان بن ثابت: أخطأت في خمسة أبواب من المناسك بمكة فعلمنيها حجام، وذاك أني جئت أريد أن أحلق رأسي فقال لي: أعراقي أنت؟ قلت: نعم، وقد كنت قلت له: بكم تحلق رأسي؟ فقال: النسك لا يشارط فيه، اجلس، فجلست منحرفاً عن القبلة، فأومأ إلي باستقبال القبلة، وأدرت رأسي من الجانب الأيسر فقال: أدر شقك الأمين من رأسك فأدرته، فجعل يحلق رأسي وأنا ساكت، فقال لي: كبر، فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب فقال: أين تريد؟ قلت: رحلي، فقال: صل ركعتين ثم امض، فقلت: ما ينبغي أن يكون ما رأيت من عقل هذا الحجام إلا ومعه علم؛ فقلت له: من أين لك ما رأيتك أمرتني به؟ فقال: رأيت عطاء بن أبي رباح بفعل هذا.
أنشد ابن السماك:
يا أيها الرجل المعلم غيرههلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء من السقام لذي الضنىومن الضنى ما زلت أنت سقيم
قال بعض النحويين لرجل من الرافضة كان يتعلم النحو: ما علامة النصب في عمر؟ قال: بغض علي بن أبي طالب، ﵇.
زعم بعض أصحابنا أن السيرافي قال: هذا الإنسان من باب الطاق، وما سمعته منه.
قال بعض البلغاء: السيف أكرم مواهب الله لخلقه، لأنه آلة النجدة، وأداة المعرفة والمنعة، وعدة العزة، وعتاد الرفعة، وسلاح القوة، وظهير الحزم، وعقدة التكرم، وعضد الوحيد، وأنس الفريد، وحلية الأنس، وزينة الفارس، وسند الرجل، وشفاء الموتور، ودرك الواتر، وجمال الأسير، وقوام المأمور، وحامي الذمار، وحارس الحريم، ومانع الجار، وجليس مأمون، وأنيس ميمون، ورسول إلى المطالب ناهض، وخادم في المآرب نافذ، وعون على الملم بليغ، وظهير على العدو قدير، وشهاب للعتاة مبير.
قال نديم لكسرى: إن المستأنس بسخونة الشمس في الشتاء يتقي أذى حرها في القيظ؛ معناه: إني وإن كنت ساكناً إليك في حال الرضا فذلك لا يؤمنني من الوجل منك في حال الغضب.
قيل لأبي مسلم: ما كان سبب خروج الدولة عن بني أمية؟ قال: لأنهم أبعدوا أولياءهم ثقة بهم، وأدنوا أعداءهم تألفاً لهم، فلم يصر العدو صديقاً بالدنو، وصار الصديق بالإبعاد عدوا.
قضى عمر بن الخطاب ﵁ في الضبع كبشاً، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب جفرة، يعني في المحرم.
للسعدي لما صدر عن الحج:
ما لك بالحرة من صديقولا بمران ولا العقيق
غيري وغير وضح الطريقناشطة من الجبال الروق
عامدة لمطلع العيوق
قال ابن ثوابة لأبي العيناء: كنت أكتب انفاس الرجال، قال: صدقت، حين كانوا وراء ظهرك.
شكا المأمون إلى طبيبه علة، فقال: اجتنب اثنين: الرطب الماء البارد، فقال: لولاهما لما احتجنا إليك.
قال بعض السلف: إذا أرسلت لتأتي ببعر فلا تأت بتمر، فيؤكل تمرك وتذم على الخلاف.
قال عبيد الله بن سليمان لأبي العيناء: اعذرني فإني مشغول، قال: إذا فرغت لم أحتج إليك، وما اصنع بك فارغاً، وأنشد:
ولا تعتذر بالشغل عنا فإنماتناط بك الآمال ما اتصل الشغل
قيل لجعفر بن محمد ﵄: ما بال الناس يكلبون أيام
الغلاء ويزيد جوعهم على العادة في الرخص؟ قال: لأنهم بنو الأرض، فإذا قحطت أقحطوا، وإذا أخصبت أخصبوا.
قال مجاهد: حججت في بعض السنين فصاحبت رجلاً من قريش فقلت له: هلم نتناتج الرأي، فقال: دع الود بيننا كما هو، فعلمت أنه خصمني.
قال جعفر بن محمد ﵄: أربعة أشياء القليل منها كثير: النار، والعداوة، والفقر، والمرض.
دخل أبو العيناء على إسماعيل القاضي، وأخذ يرد عليه إذا غلط في أسم رجل وكنية آخر، فقال له بعض من حضر: أترد على القاضي أعزه الله؟ قال: نعم لم لا أرد على القاضي وقد رد الهدهد على سليمان، وقال: أحطت بما لم تحط به؟ وأنا أعلم من الهدهد، وسليمان أعلم من القاضي.
قال عبيد الله بن يحيى لأبي العيناء: كيف كنت بعدي؟ قال: في أحوال مختلفة، شرها غيبتك، وخيرها أوبتك.
قال أبو العيناء لمحمد بن خالد: لئن كان آدم أساء إلى نفسه في إخراجها من الجنة، لقد أحسن إلينا انه ولد مثلك.
سأل أبو العيناء أحمد بن صالح حاجة فوعده، ثم اقتضاه فقال: دونها المطر والطين، فقال أبو العيناء: فحاجتي إذاً صيفية.
قال رجل لأبي العيناء: ما أنتن إبطك! قال: نلقاك - أعزك الله - بما يشبهك.
قال ابن الزيات للوليد بن يحيى: من أنت ومن أبوك؟ قال: أبي الذي تعرفه، ومات وهو لا يعرفك.
قال فيلسوف: لا تصغر أمر من حاربت أو عاديت، فإنك إذا ظفرت لم تحمد، وإذا عجزت لم تعذر.
عاد رجل مزبداً وقال له: احتم، فقال: يا هذا ما اقدر على شيء إلا على الأماني فأحتمي عنها؟! قال رجل من آل سعيد بن سلم لأبي العيناء: إن أبي يبغضك، قال: يا بني إن لي أسوة بآل رسول الله صلى الله عليه.
قال المنصور لإسحاق بن مسلم: أفرطت في وفائك لبني أمية، قال له: أتسمع جوابي؟ قال: قل، قال: من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى، قال: صدقت.
حبس محمد بن سليمان رجلاً من المرجفين ثم أخرجه وأمر بضربه فضحك الجلاد فقال له محمد: ما يضحكك؟ قال: أصلح الله الأمير، زعم أنك لم تأمر بضربه حتى أتاك كتاب العزل، فقال: خل عنه فلو ترك الإرجاف يوماً لتركه اليوم.
أحضر زياد رجلاً فأمر بضرب عنقه فقال: أيها الأمير إن لي بك حرمة، قال: وما هي؟ قال: كان أبي جارك بالبصرة، قال: ومن أبوك؟ قال: نسيت والله نفسي فكيف أذكر اسم أبي؟ قال: فرد زياد كمه إلى فيه وخلى سبيله.
قال الأصمعي: ضرب أبو الجحش الأعرابي غلماناً للمهدي فاستعدوا عليه إليه فقال: اجترأت على غلماني قضربتهم، قال: كلنا يا أمير المؤمنين غلمانك ضرب بعضنا بعضاً، فخلى سبيله.
قال المأمون: لأن أخطئ باذلاً أحب إلي من أن أصيب باخلاً.
قال ابن سيابة: نيك البغاء الفقير زكاة الأير.
قيل لمسور بن مخرمة الزهري: أي الندماء أحب إليك؟ قال: لم أجد نديما كالحائط، إن بصقت في وجهه لم يغضب، وإن أسررت إليه شيئاً لم يفشه عني.
قال ابن مناذر - هكذا قال الثقة -: كنت أمشي مع الخليل بن أحمد فانقطع شسع نعلي، فخلع نعله فقلت: ما تصنع؟ فقال: أواسيك في الحفاء.
قال بعض السلف: إياك وكثرة الإخوان فإنه لا يؤذيك إلا من تعرف، وأنشد:
جزى الله عنا الخير من ليس بينناولا بينه ود ولا نتعارف
فما سامنا ضيماً ولا شفنا أذىمن الناس إلا من نود ونألف
قال بعض الظرفاء: غضب العاشق مثل مطر الربيع.
أضاف مزبد رجلاً فأطال المكث، فقال ليلة لامرأته: كيف نعمل برحيل هذا عنا؟ قالت: أخاصمك ونحتكم إليه، ففعلا، فقالت المرأة: بالذي يبارك لك في ركوبك غداً لما حكمت بيننا بالحق، قال: والذي يبارك لي مقامي عندكم هذه السنة ما أعرف من الحكم شيئاً.
لقي عبد الله بن بكار سعيد بن العاص فقال له: البشرى، قال: وما ذاك؟ قال: قدم أبي، قال: فخذ البشرى من حر أمك.
دخل أبو العيناء على أحمد بن علي وقد صرف عن ولايته فقال: إن صرفت عن عملك لم تصرف عن كرمك، فأمر له بمال.
دعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك، أو أضل في هداك، أو أذل في عزك، أو أضام في سلطانك، أو أضطهد والأمر لك.
تركنا تصريف حروف مرت مجاورة لأخواتها عن غير قصد، ولكن لسوء التأتي في نظم الباب إلى الباب، ورد الشبيه إلى الشبيه، وهذا كله من جناية الدهر في فقد حبيب تقر العين به، وصلاح حال تسكن النفس إليه، ولله أمر هو بالغه، ونهاية هو أعلم بها، وليس للعبد إلا ما لاق بعبوديته، وجبل على فطرته؛ فابسط أيها القارئ العذر، إما على قدر مروءتك الغافرة
للذنب، وإما على قدر الضراعة من المصنف، ولا تكن خزياً له، فإنه أتم لثناء الناس عليك، وأقطع للسان المكروه عنك، واعلم أن العلل لو أزاحت، والأحوال لو ساعدت، لكنت لا أحوج إلى هذا الاعتذار، ولا يفلت مني تشوف إلى الاغتفار: أما الحز فهو القطع، يقال: حز يحز حزاً، وليس في فلان محز، على الاستعارة، والحزيز: المحزوز، وفلان يحز المفصل: إذا أجاد فيما مدح به، وحزاز النفس كأنها تقطع الكبد بالحسرة، والشاعر يقول:
وتبقى حزازات النفوس كما هيا
وأما البز فمصدر بززته أي سلبته، ابتززته أيضاً، والشيء مبزوز ومبتز، والبزاز والمبازة كالنهاب والمناهبة والسلاب والمسالبة، والبز: السلاح أيضاً، وكأنه يبز أي يؤخذ، والبز: الثياب، ومنه قولك: البزاز.
وأما الجز فاخذ الصوف من الشاة.
وأما الحر فمعروف، ويقال: الخز أيضاً وضع الشوك على رأس الحائط لئلا يتسلق عليه.
وأما الرز فمصدر رزت الجرادة وغرزت وهو الولادة، هكذا قال أبو حنيفة صاحب النبات.
وأما الشز فالتقبض، وما أعرف منه أكثر مما قلته.
وأما العز فالغلب - محركة اللام -، ومنه قوله تعالى " وعزني في الخطاب " ص: أي غلبني.
وأما الفز فولد البقرة.
وأما القز فضرب من الإبريسم، وأما الفز أيضاً بالفاء: القعود على غير طمأنينة.
وأما الكز فالقليل الخير، يقال: هو كز بين الكزازة أي ضيق العطن.
وأما اللز فلزوم الشيء، وكذلك الإلزاز، وقال الشاعر:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن
وأما النز فرشح الماء من الأرض، والنز أيضاً السخي من الرجال، ويقال: ظليم نز لا يكاد يستقر.
وأما الهز فمصدر هز الدابة وغيرها والسيف وغيره هزاً، واهتز هو في نفسه، والهز أيضاً هو النكاح كأنه كناية.
وأما الوز فطائر.
وأما الأز فمن قوله تعالى " تؤزهم أزاً " مريم:.
وأما الجهر فهو خلاف السر، قال الله تعالى " ولا تجهر بصلاتك " الإسراء:، وفعل كذا مجاهرة أي مكاشفة، ويقال إن الأجهر والجهراء هما اللذان لا يبصران بالنهار إبصاراً محموداً، ويقال: فلان جهير الصوت، ويقال: جهوري الصوت.
وأما البهر يقال: بهرته إذا غلبته، وهو أيضاً ربو الرئة عند العدو والإعياء، ويقال له: بهراً أي عجباً وانبهر هو، كلام صحيح، فأما أبهرته فمردود ولم يجوزه العلماء.
وأما الدهر فمعروف، وفيه جواب ليس من قبيل حديث اللغة، وإنما هو شيء يمر في كلام الفلاسفة، وسيمر فيما تتصفحه في جملة نظائره في حدود الأسماء والمعاني كلها إن شاء الله.
يقال: دهره إذا غلبه، ويقال: ما معنى قول النبي ﷺ: لا تسبوا الدهر فإنه الله ﷻ، وجوابه مضموم إلى ما يكون وفقاً له مما يليق بالحكاية معه من كلام العلماء، والله المعين.
وأما الصهر فالإذابة، يقال: صهرته الشمس، في القرآن " يصهر به ما في بطونهم " الحج:.
وأما الطهر - بالطاء - فإنه جانب الوادي، وما أنا على حقيقة.
وأما الظهر فمعروف من الإنسان، وفلان ظهر فلان إذا استظهر به أو تظاهر به، والظهارة من الظهور والظاهر، والبطانة من البطون والباطن، ورجل مظهر إذا كان قوي الظهر، وظهر إذا كان ظهره يوجعه، ومظهور إذا أصيب ظهره، ومبطون إذا أصيب بطنه، ويقال إن الله تعالى ظاهر بالقدرة وباطن بالحكمة، أي يظهر قدرته ويبطن حكمته، والظهر أيضاً: ما غلظ من الأرض.
والعهر الفجور، يعني به الزنا.
وأما الفهر فيقال إنه مجامعة الرجل امرأته على عرك.
وأما الكهر فالانتهار.
وأما النهر فمعروف، ويقال أيضا: النهر، والسكون والحركة يتعاقبان
الهاء، وليس أحدهما أولى من الآخر، لا في المعنى ولا في السماع، وكذلك البعر والشمع والزهر.
وأما المهر: فهو للمرأة إذا تزوجت، وهو الصداق، وهو ما يستحل به بضعها، وهو مصدر مهرتها مهرا، وقد يقال: أمهرتها، كذا روى أبو يعقوب في " فعلت وأفعلت " والمثل يدل على أن الكلمة من " خدمت " وهو قولهم كالممهورة إحدى خدمتيها، والخدمة: الخلخال. قال خالد بن الوليد: الحمد لله الذي فض خدمتكم، وفرق كلمتكم.
وأما الشهر: فمعروف، وجمعه شهور، وقولهم: فلان يعمل مشاهرة كلام صحيح، كما يقولون: معاومة من العام، ومياومة من اليوم، وملايلة من الليل، ومساوعة من الساعة، ولا تقل مساعاً فإن المعنى ينقلب، وقد رأيت من قالها فسخر منه؛ والشهر أيضاً مصدر شهرت الأمر شهراً، والشهير: المشهور، وأشهرت خطأ، إنما يقال: أشهرنا أي دخلنا في الشهر، كما قالوا: أحرمنا أي دخلنا في الحرم، وكأن الشهر سمي به لشهرته.
وأما القهر فمصدر قهرته قهراً، والمقهور: الخلوف، وفي أسماء الله تعالى: القهار، وهو الغلاب.
فهذا آخر الحروف التي تقدم الوعد بذكرها، ولعل الجزء الثامن يتضمن نظائرها مع أشياء غيرها، إن شاء الله.
قال أبو سعيد السيرافي " هو " عبارة عن كل اسم منكور كما أن قولنا " فلان " عبارة عن كل اسم علم ما يعقل.
وأنشد:
وكم موطن لولاي كما هوىبأجرامه من قلة النيق منهوي
وأنشد الخليل ويونس وقالا: هو لعمران بن خطان:
ولي نفس أقول لها إذا ماتنازعني لعلي أو عساني
قال أبو سعيد: في عساك وعساني ثلاثة أقوال:
أحدها قول سيبويه، وهو أن عسى حرف بمنزلة لعل ينصب ما بعدها وهو الاسم، والخبر مرفوع، والكاف اسمها وهي منصوبة، واستدل على النصب في عساك بقول: عساني، والنون والياء فيما آخره الألف لا تكون إلا للنصب.
والقول الثاني قول الأخفش: إن الكاف والياء والنون في موضع رفع، وحجته أن لفظ النصب استعير للرفع في هذا الموضع كما استعير له لفظ الجر في لولاي ولولاك.
والقول الثالث قول المبرد: إن الكاف والياء والنون في عساك وعساني في موضع نصب بعسى، فإن اسمها فيها مرفوع، وجعله كقولهم: عسى الغوير أبؤساً، وحكي انه قدم فيها الخبر لأنها فعل، وحذف الفاعل لعلم المخاطب به فعل صحيح لا يدخله الاختلاف فيه.
طلب عبيد الله بن زياد غلاماً عاقلاً، فقال سعيد بن فلان: عندي ذاك أيها الأمير، قال: هاته، فوجه إليه ابنه وباعه بعشرة آلاف رهم، وحصل المال، فلما خرج سعيد بكى الغلام فقال عبيد الله: ما شأنك؟ قال: أنا ابنه، قال: انطلق لعنة الله عليه؛ رواه المدائني.
يقال: لم يوجد ثلاثة مكافيف على نسق غير عبد الله بن العباس، فإنه كف، والعباس بن عبد المطلب، وعبد المطلب بن هاشم. قال: ومن ها هنا قال معاوية لابن عباس: يا بني هاشم، ما لكم تصابون بأبصاركم؟ قال ابن عباس: بدلاً مما تصابون في بصائركم.
قال الواثق لابن أبي دواد: والله إني حنثت في يمين سبقت مني فما كفارتها؟ قال: مائة ألف درهم، فقال الزيات: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين، ما هذه الكفارة له ولا لآبائه، إن الكفارة على قدر المعرفة بالله تعالى، ولا نعلم أحداً أعلم بالله من أمير المؤمنين، فضحك الواثق وأخرج مائة ألف درهم.
أخبرنا أبو سعيد السيرافي قال: أنا ابن مجاهد قال، ثنا ثعلب قال، حدثني محمد بن سلام قال، ثنا زائدة بن أبي الرقاد عن ثابت البناني عن أنس أن رسول الله ﵌ قال لأم عطية: إذا خفضت فلا تنهكي فإنه أضوأ للوجه، وأحظى عند الزوج. هكذا قرأت عليه تنهكي - بفتح التاء والهاء -، وقال: هو من نهكه ينهكه وأنهك من هذا الطعام أي أكل منه على المبالغة.
قال الجاحظ في كتاب الحيوان في الجزء الأول: الكتب
توجد في كل أوان، وتقرأ بكل مكان، على تفاوت ما بين الأعصار، وتباعد ما بين الأمصار.
قال رجل لمحمد بن واسع: الحمد لله على إحسانه، خرجت أبغي جليساً صالحاً، فقال محمد: إن كان أجابك فإني بدعائك أسعد منك.
قال الأصمعي: من ملح أحاديث الأعراب أنهم قالوا: كانت امرأة تحاجي الرجال، فلا يكاد أحد يغلبها، فأتاها جني في صورة إنسان فقال لها: حاجيتك، فقالت له: قل، فقال: كاد، فقالت: كاد العروس أن يكون ملكاً، فقال: كاد، فقالت: كاد البيان أن يكون سحراً، فقال: كاد، فقالت: كاد المنتعل أن يكون راكباً، فقال: كاد، فقالت: كاد المسافر أن يكون أسيراً، ثم ولى ليذهب فقالت: حاجيتك، فرجع فقالت: عجبت، فقال: عجبت من الحجارة لا يعظم صغيرها، ولا يصغر كبيرها، فقالت: عجبت، فقال: عجبت من السبخة لا يجف ثراها، ولا ينبت مرعاها، فقالت: عجبت، فقال: عجبت من حفيرة بين رجليك لا يدرك قعرها، ولا يمل حفرها، فاستحيت وتركت المحاجاة.
يقال: كانت ملوك الروم لا ترسم أحداً للطب حتى تلسعه حية وتقول له: آشف نفسك فإن نجوت عرفنا حذقك وإلا كانت التجربة واقعة بك.
ويقال إن الحيات إذا عشيت أبصارهن صرن إلى أصول الرازيانج فحككن بها أعينهن فأبصرن من ساعتهن.
قال بعض الأوائل: لكل شيء علاج ولكن ربما جهل، كالحقنة، زعموا انه لم يكن لها أصل حتى رأوا طائراً يحقن نفسه من ماء البحر، ويقال إن هذا حكاه أفلاطون. وزعم الأطباء أن القدح في العين لم يعرف حتى رأوا كبشاً أعمى، وكان يرعى، فقدحت عينه شوكة فأبصر.
وكان بعض الملوك إذا أتاه طبيب يقدم إليه مائدة ويقول: ركب من هذه الأطعمة ما يكون تقوية للمجاهدين، وإذاء للمترفين، وتدبيراً للناقهين، ودواء للمرضى، وسما للعدى، فإذا فعل ذلك حباه وأعطاه، وإذا عجز أقصاه ونحاه.
قال العتبي: كتب معاوية إلى عاملة بالكوفة، وهو النعمان بن بشير الأنصاري، بزيادة عشرات في أرزاق أهل الكوفة، فلم ينفذها لهم، وكان النعمان إذا صعد المنبر بكى فقال: لا أحسبكم ترون بعدي على هذا المبنر من يحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، وكان يكثر تلاوة القرآن، فقال ابن همام السلولي:
زيادتنا نعمان لا تحبسنهاتق الله فينا والكتاب الذي تتلو
فإنك قد حملت فينا أمانةبما عجزت عنها الصلادمة البزل
فلا تك باب الشر تحسن فتحهعلينا وباب الخير أنت له قفل
وقد نلت سلطاناً عظيما فلا يكننداك لقوم غيرنا ولنا البخل
وأنت امرؤ حلو اللسان بليغهفما باله عند الزيادة لا يحلو
وقبلك ما قد كان فينا أئمةيهمهم تقويمنا وهم عصل
إذا انتصبوا للقول قالوا فأحسنواولكن حسن القول خالفه الفعل
يذمون دنيانا وهم يرضعونهاأفاويق حتى ما يدر لها ثعل
فيا معشر الأنصار إني أخوكموإني لمعروف أتى منكم أهل
ومن أجل إيواء النبي ونصرهيحبكم قلبي وعندكم الأصل
يقال: كان من دعاء مكحول: يا رازق النعاب في عشه. وذلك أن الغراب إذا فقص عن فراخه فقص عنها بيضاً، فإذا رآها كذلك نفر عنها، فتفتح أفواهها فيرسل الله عليها ذباباً فيدخل أفواهها فيكون إذاءها حتى تسود، ثم ينقطع الذباب ويعود الغراب.
قال الأصمعي: كتب المنصور إلى سوار القاضي في شيء كان عنده بخلاف الحق، فلم ينفذ سوار كتابه وأمضى الحكم عليه، فاغتاظ أبو جعفر عليه وتوعده، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنما عدل سوار مضاف إليك وزين لخلافتك، فأمسك عنه.
تمنى قوم عند يزيد الرقاشي أماني، فقال يزيد: أتمنى كما تمنيتم؟: قالوا: تمن قال: ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نمت، وليتنا إذا متنا لم نحاسب، وليتنا إن حوسبنا لا نعذب، وليتنا إن عذبنا لم نخلد.
قال الأصمعي، قال الخليل، قال طلحة الطلحات: ما بات لي رجل على موعد مذ عقلت إلا القليل، وذلك أنه يتململ على فراشه ليغدو فيظفر بحاجته، فلأنا أشد تململاً من الخروج إليه من وعدي خوفاً لعارض من خلف، إن الخلف ليس من أخلاق الكرام.
وقال أعرابي في دعائه: يا معدن الوائد والنعم، ويا محل المحامد والكرم، أملي متعلق بفضلك، ولساني طلق بشكرك، فلا على رجائي أخاف التخييب، ولا على أملي أخشى التكذيب، صنتني عن المطالب بجودك، وألبستني الكفاية برفدك.
كاتب في رأيك عوض من كل حظ، ودرك لكل أمل.
كاتب جعل الله يدك بالخيرات مبسوطة، كما جعل الرغبات بك منوطة.
كاتب إن الآمال في غيرك خواطئ وظنون، وهي فيك حقائق ويقين، لأن سؤددك مضمون بشرف درجتك، ومكارمك مر تهنة بعلو رتبتك، ومن لم يرق به العز طأطأ به التواضعن ومن طالت به النعمة خفض به الشكر، فليس كتف تحمل أعباء غير كتفك، ولا ظل يستر مؤملاً غير ظلك.
كاتب آخر: مؤملك يعتمدك واثقاً، وينقلب عنك إن عضدته إليك، فإن انفرد برجائك اكتفى بك، وكانت شفاعته فيك أقوى من شفاعة مستعطفك عليك.
قال أعرابي في رجل: هو أحفظ الورى للذمم، وأعرفهم بالجود والكرم، وأجمعهم لحميد السجايا والشيم.
اعتراض رجل المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل من العرب، قال: ما ذاك بعجب، قال: وإني أريد الحج، قال: الطريق أمامك نهج، قال: ليست لي نفقة، قال: قد سقط عنك الفرض، قال: إني جئتك مستجدياً لا مستفتياً، فضحك وأمر له بصلة.
كان بالبصرة رجل يلقب بقبة الإسلام من موالي سليمان بن علي، وكان له ابن خليع، وكان أبوه ينهاه عن المجون فلا ينتهي، فجاءه يوما وقال له: يا أبه، إني أريد الحج، فسر بذلك أبوه، قال: ولا أحج إلا مع خواص إخواني، قال: سمهم لن قال: منهم أبو سرقينة، وعثمان خراها، أبو السلاح، وعمر خرية، فقال له وأبوه: ويلك تريد أن تسمد الكعبة بهؤلاء؟! والله لا أذنت لك بالخروج إلى مكة صحبة هؤلاء، ولكن إن شئت أن تخرجهم إلى ضيعتي فإنها أحوج إلى السماد، فافعل.
كاتب: أما بعد، فإني استجبت لإخائك ثقة مني بكرمك ووفائك. فلما أن عرفت فضلك، وسرت مسيرك، واستفرعتني بمودتك،
واستغرقتني مقتك، فاجأتني بتغيير لونك، وانزواء ركنك، وفاحش لفظك، وشانئ لحظك.
شاعر:
ستنكت نادماً في الأرض منيوتعلم أن رأيك كان عجزا
كاتب: عقدوا ألوية الفتنة، وأطلقوا أعنة البدعة.
قال بعض السلف: الحمد لله الذي جعل الدنيا دار قلعة ومجاز، ومحل شتات وأوفاز، ومضمار أهبة وجهاز، والآخرة دار القرار، وقرة عين الأبرار.
وصف أعرابي رجلاً فقال: فيه جور مع الأكفاء، وعجز عن الأعداء، وإسراع إلى الضعفاء، وكلب على الفقراء، وإقدام على البرية، واهتضام للرعية.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع