تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الخامس (٦)

وقال علي بن أبي طالب ﵁: القدر سر من سر الله تعالى، وحرز من حرز الله، مكنون في حجاب الله، مطوي عن خلق الله، سابق في علم الله، قد وضع الله عن عباده علمه، ورفعه فوق منتهى رأيهم، ومبلع عقولهم، فلم ينالوه بحقيقة الربانية، ولا عظمة الوحدانية وعزة الفردانية، فهو بحر زاخر غامض، عمقه ما بين الأرض والسماء، عرضه ما بين المشرق والمغرب، أسود كالليل الدامس، يعلو أوله ويسفل آخره، قعره شمس تضيء، ولا ينبغي أن يراها إلا الفرد القديم، فمن طالعها فقد حاد الله في ملكه، ونازعه في سلطانه، وكشف عن سر ستره، وباء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير.

وقف رجل على قبر معاوية فقال: يا أبا عبد الرحمن، لو لفظتك الأرض إلينا لرايت ما يصنع بنا يزيد، ورأينا ما صنع الله بك.

قال معاذ: مثل الشيطان كمثل الذئب يأخذ الشاة الشاذة القاصية، فعليكم بالجماعة.

وقال قطري بن الفجاءة لرجل من الخوارج أسره الحجاج ثم من عليه: راجع قتلا عدو الله، قال: هيهات غل يداً مطلقها، واسترق رقبة معتقها، وأنشد الكامل

أأقاتل الحجاج عن سلطانهبيد تقر بأنها مولاته
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
إني إذاً لأخو الدناءة والذيعفت على حسناته جهلاته
هذا وما ظني بجبن إننيفيكم لمطرق مشهد وعلاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءهفي الصف واحتجت له فعلاته
أأقول جار علي لا، إني إذاًلأحق من جارت عليه ولاته
وتحدث الأقوام أن صنائعاًغرست لدي فحنظلت نخلاته

قال يوسف بن أسباط: رد أبو حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وآله أربعمائة حديث أو أكثر، قيل له: مثل ماذا؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه: للفارس سهمان وللراجل سهم، فقال أبو حنيفة: لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن؛ وأشعر رسول الله صلى الله عليه البدن،

وقال أبو حنيفة: الإشعار مثلة؛ وقال رسول الله صلى الله عليه: البائعان بالخيار ما لم يتفقا، وقال أبو حنيفة: إذا وجب البيع فلا خيار؛ وكان رسول الله صلى الله عليه يقرع بين نسائه إذا أراد سفراً، وأقرع أصحابه، قال أبو حنيفة: القرعة قمار.

وقال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله لأخذ كثيراً من قولي، وهل الدين إلا الرأي الحسن؟ قال أبو عقيل العمي: إن الأمور لا تدرك بالرأي المفرد، فليستعن مكدود بوادع، ومشغول بفارغ.

خطب الحجاج فقال: أيها الناس، إنكم أغراض حمام، وفرضة هلكة، وقد أنذركم القرآن وصفر برحيلكم الجديدان، وإن لكم موعداً لا تؤخر ساعته، ولا تدفع هجمته، وكأن قد دلفت إليكم نازلته، فنعق بكم، وحثكم حث مستقص، فماذا هيأتم للرحيل، وما أعددتم للتحويل؟ ومن لم يأخذ أهبة الحذر، نزل به مرهوب القدر.

أنشد الصولي للعلوي في تشبيه ثلاثة بثلاثة:

خطرت خطرة فهاجت مراحيوأراحت إلى التصابي رياحي
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
لا، ووجه ومقلتين وثغرمثل ورد ونرجس وأقاح
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
لا تسليت عن هواها ولا أصغيت فيها إلى مقالة لاح
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة

قال علي بن عبيدة: ما رأيت بيتاً يجمع الشراب والشرب والساقي إلا قول الشاعر:

فكأنها وكأنهم وكأنهقمر يدور على النجوم بشمس

لابن دريد:

كل يوم يروعني بالتجنيمن أراه مكان روحي مني
مشبه للهلال والظبي والغصن بوجه ومقلة وتثني
جمع الله شهوة الناس فيهفهو في الحسن غاية المتمني
أمن العدل أن أرق ويجفوني وأشتاقه ويصبر عني

قال المدائني: أتي وال برجل قد جنى فأمر بضربه فمد، فلما أخذه الضرب قال للوالي: بحق رأس أمك عليك لما عفوت عني، قال: اضرب، قال: بحق عينيها، قال: اضرب، قال: بحق خديها، قال: اضرب، قال: بحق نحرها، كل ذلك يقول اضرب، فقال الوالي: ويحكم خلوه لئلا ينحدر.

قال أبو بكر الصيرفي لبعض الفضلاء من الحشوية بلغني أنك لا تحضر الجمعة، قال، فقال: ما فاتني ولا شهدتها؛ قال: يعني أنه لا يراها فيقول لم تفتني، وما شهدتها للقائي الأئمة.

وقال بعض السلف لرجل: كيف أقبل شهادتك وقد سمعتك تقول لمغينة: أحسنت؟ قال: أليس لم أقل ذلك إلا بعد سكوتها؟ فأجاز شهادته.

خرج شريح من عند زياد في علته فسئل عنه فقال: تركته يأمر

وينهى، فقام الواعية فقيل له: ألم تقل كذا وكذا؟ قال: تركته يأمر بالوصية وينهى عن النوح.

ولي أعرابي البحرين، فجمع اليهود فقال لهم: ما تقولون في عيسى؟ قالوا: قتلناه وصلبناه، قال: لا تخرجوا من السجن حتى تؤدوا ديته.

دخلت أم أفعى العبدية على عائشة ﵂ فقالت: يا أم المؤمنين ما تقولين في امراة قتلت ابناً لها صغيراً؟ قالت: وجبت عليها النار، قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفاً؟ قالت: خذوا بيد عدوة الله.

شاعر:

الصبر من كرم الطبيعةوالمن مفسدة الصنيعه
والخير أمنع انباًمن قلة الجبل المنيعه
والشر أسرع جريةمن جرية الماء السريعه
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «الفضل من كرم الطبيعة»
ترك لتعهد للصديق يكون داعية القطيعه

قال إسحاق: أخذ مزبد المديني وهو سكران، فقال الوالي: استنكهوا الخبيث، ففعلوا، فلم يجدوا له رائحة، قال: قيئوه، قال مزبد: فمن يضمن لي عشاي؟

ذكر الله ﷿ المثرين في كتابه فقال: " في أموالهم حق

معلوم للسائل والمحروم " المعارج:، وجعلتم انتم في أموالكم حقاً للقيان - كذا كان يقول الحسن.

قال المدائني: كان عندنا بالمدائن دهقان يقال له دينارويه، وكان خبيثاً، فقال له والي المدائن: إن كذبت كذبة لم أعرافها فلك عندي زق شراب ومسلوخ ودراهم، فقال دينارويه: هرب لي غلام فغاب عني دهراً لا أعرف له خبراً، فاشتريت يوماً بطيخاً فشققت واحدة فإذا الغلام فيها يعمل قفافاً فإذا هو إسكاف، قال العامل: قد سمعت بهذا. قال: كان عندي برذون فدبر، فوصف لي قشور الرمان فألقيته على دبره فخرجت على ظهره شجرة رمان عظيمة، قال العامل: وقد سمعت بهذا. قال: كان لي غلام وله فروة فوقع فيها القمل فطرحها فحملها القمل ميلين، قال: سمعت بهذا. فلما رأى أنه يبطل عليه كل ما جاء به قال: إني وجدت في كتب أبي صكاً فه أربعة آلاف درهم والصك عليك، قال: ما سمعت بهذا، قال: فهات الزق والمسلوخ والدراهم.

استعمل معاوية أبا الأعور السلمي على مصر بدل عمرو بن العاص، وكتب إليه كتاباً بالعزل، فلما قدم على عمرو احتال عمرو حتى وضع الكتاب من يده وشغله بالأكل ودس من سرق كتابه، فلما فرغ ادعى العمل فقال له عمرو: إنما جئت زائراً ونحن نصلك، فبلغ ذلك معاوية، فضحك من دهاء عمرو.

كاتب: وصل كتابك فرأيتك قد حليته زخارف أوصافك، وأخليته من حقائق إنصافك.

قال أعرابي: هذه نعم تفني الأحقاب، وتسم الأعقاب.

كتب معاوية إلى زياد لما ولاه العراق: ليكن حبك وبغضك قصداً، فإن الغرة كامنة، واجعل للرجوع والنزوع بقية في قلبك، واحذر صولة الانهماك فإنها تؤدي إلى الهلاك.

قال أشعب: جاءتني جارية بدينار وقالت: هذه وديعة، فجعلته بين ثني الفراش، فجاءت بعد أيام وقالت: ناولني الدينار، فقلت: ارفعي الفراش وخذي ولده، وتركت إلى جنبه درهماً، فتركت الدينار وأخذت الدرهم، وعادت بعد أيام فوجدت معه درهماً آخر فأخذته وعادت الثالثة كذلك، فلما رأيتها في الرابعة بكيت فقالت: ما يبكيك؟ فقلت: مات دينارك في نفاسه، قالت: سبحان الله، أيموت الدينار في النفاس؟ قلت: يا فاسقة، تصدقين بالولادة ولا تصدقين بالنفاس؟ قال المدائني: سمع أعرابي قوماً يقولون: النساء لا يقمن مع الرجال على غير نكاح، فأحب تجربته فقال لامرأته: إن أيري قد اصطلم، فسكتت، واعتزل فراشها فقالت له: يا هذا خل سبيلي فليس لي فيك حاجة،

فداراها فأبت إلا الفراق وطالبته بثمن خاتم كان لها عليه، فوثب عليها وأخذ برجلها ودفع فيها وهو يرتجز:

فلست بالجلد ولا بالحازمإن لم أجأ هناك بالعجارم

وجأ ينسيك طلاب الخاتم

فلما فرغ قال لها: ما رأيك؟ قالت: ما أقبح بمثلي التردد إلى البعول، قال: فما قولك في ثمن الخاتم؟ قالت: كيف تقضيني وأنت مضيق، ولكن إذا اتسعت، وأقول واحدة: قد وهبت لك ثمن الخاتم.

قال النضر بن شميل: كان يمرو قاض فأتاه رجل من وجوه أهلها يدعي على رجل مالاً، وأتاه بشاهد واحد وحلف له فأبى أن يقبل منه، فقال: أيها القاضي، أترى مثلي في قدري وحالي في العامة أدعي على هذا الرجل هذا القدر اليسير باطلاً؟ فزاده إباء فقال: الحمد لله الذي ولى أحكامنا مثلك، فوالله ما لي على هذا شيء، ولكنني أحببت أن أمتحنك وأعرف صلابتك في الحق، وكذلك شاهدي هذا.

قيل للمنصور: إن سواراً يحابي في الحكم، فتكلف عطسة وحمد الله تعالى في نفسه، ثم عطس أخرى فحمد الله وأسمع، فشمته سوار في الثانية، فقال المنصور: يزعمون أنك تحابي وما تحابيني في عطسة.

ما أعجب أحاديثنا إذا أضفتها إلى هؤلاء.

كان أبو الأدباء الكوفي إذا أتى شرباً تسمع فإن سمع أحدهم

يقول: هذا قدحي، علم أن نبيذهم قليل، وإن سمع: ما هذا قدحي، علم أن نبيذهم كثير، فدخل.

لوالبة بن الحباب:

ثالبني عمرو وثالبتهقد أثم المثلوب والثالب
قلت له خيراً وقال الخنىكل على صاحبه كاذب

كان على خاتم الحسن بن الحسين بن زيد: توليت الله وحذه، ومحمداً عبده، وعلياً بعده وقال: أخذتها من قول الله ﷿ " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " المائدة:.

سمع جعفر بن سليمان امرأة تتكلم بالرفث فقال: إنكن صويحبات يوسف، فقالت: واعجبا، نحن دعوناه إلى اللذة، وأنتم أردتم قتله، فكم بيننا؟! قال ابن القاص: نيك الخادم أوله بكاء وآخره ضحك، قيل: وكيف ذاك؟ قال: إذا ناك المرأة عضها فتبكي، وإذا صب ضرط فتضحك.

تزوج أعمى امرأة قبيحة فقالت له: رزقت أحس الناس وأنت لا تدري، فقال لها: يا نظراء وأين كان عنك البصراء؟

قيل للجماز: ما بقي من شهوتك للنساء؟ قال: القيادة عليهن.

لأبي عثمان الناجم:

وكم فيشة ما لها حقةوكم من حر مال له من طبق
يعلل هذا يسحاقةوذا بعميرة عند الشبق

قال عبد الله بن جعفر، وكان نبيلاً: الجود حارس الأعراض.

قال أبو العيناء لبعض الولاة: إذا سألنا الولاة كف الأذى سألناك بث الندى، وإذا سألناهم الإنصاف سألناك التفضل.

قال فيلسوف: كم من مهروب منه أصلح من مستغاث به.

كان أهل الجاهلية إذا رأوا الهلال قالوا: مرحباً بمن يحل ديناً. ويقرب حيناً.

شكا رجل امرأته إلى أبي العيناء، فقال له أبو العيناء: أتحب أن تموت هي؟ قال: لا والله الذي لا غله إلا هو، قال: لم ويحك وأنت معذب بها؟ قال: أخشى والله أن أموت من الفرح.

قيل لغلام: أتحب أن يموت أبوك؟ قال: لا، ولكني أحب أن يقتل، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأرث ديته فإنه فقير.

قال فتى من العرب لشيخ منهم: قد آن لك أن تجزز، أي تموت، قال الشيخ: وتحتضرون، أي تموتون على خضرة الشباب.

قيل: لما فرغ علي بن أبي طالب ﵁ من دفن النبي ﵌ سأل عن أمر السقيفة فقيل له: إن الأنصار قالت: منا أمير ومنكم أمير، قال: ضل القوم والله، قال رسول الله ﷺ: يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، فكيف تقع الوصاة بهم والأمر فيهم؟ قيل لبلال: من سبق؟ قال: رسول الله ﵌، قالوا: سألناك عن الخيل، قال: وأنا أجبتكم عن الخير.

قال رجل لهشام بن الحكم: أليس احتكم العباس وعلي إلى عمر؟ قال: بلى، قال: فأيهما الظالم؟ قال: ما فيهما ظالم، فقال: سبحان الله، كيف يتخاصم اثنان وليس فيهما ظالم؟ قال: كما تخاصم الملكان وليس فيها ظالم.

قال الأصمعي: العرب تسمي السنة شهرين شهرين، فتشربين

وتشرين: الوسمي، وكانون وكانون: الشتاء، وشباط وآذار: الربيع، ونيسان وأيار: الصيف، وحزيران وتموز: الحميم، وآب وأيلول: الخريف.

لعبد الصمد بن المعذل:

ترجي قفولي لها بالغنىلعل المنية دون القفول
رأت عدمي فاستراثت رحيليسبيلك إن سواها سبيلي
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
لعمر التي وعدتك الثراءبجدوى النسيب ورفد الخليل
لقد قذفت بك صعب المرامواستجملت لك غير الجميل
سأقني الكفاف وأرضى العفاففليس غنى المرء حوز الخيول
ولا أتصدى لمدح الجوادولا أستعد لذم البخيل
وأعلم أن بنات الرجاءتحل العزيز محل الذليل
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
وأن ليس مستغنياً بالكثيرمن ليس مستغنياً بالقليل
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

قال أبو سعيد السيراقي: " حاشا " عند سيبويه حرف جر ولي باسم ولا فعل، وأما الجر بها فلا خلاف فيه بين النحويين؛ قال الشاعر:

حاشا أبي ثوبان إن بهضنا عن الملحاة الشتم

قال: وأكثر الناس يخالف سيبويه فيها، وهم مع خلافهم سيبويه مختلفون فيها؛ فأما الفراء فزعم أن حاشا فعل، وزعم انه لا فاعل له، وهذا طريف وهو كالمحال، لأن الفعل لا يكون بغير فاعل، وزعم أن الأصل: حاشا لزيد، فكثروا الكلام بها حتى أسقطوا اللام وخفضوا بها؛ وقال المبرد: هي حرف جر كما قال سيبويه وتكون فعلاً ينصب مثل خلا وعدا، واستدل على ذلك بتصرف الفعل، وقولهم: حاشيت زيداً أحاشيه كقول النابغة:

ولا أرى فاعلاً في الناس يشبههولا أحاشي من القوام من أحد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

ومما احتج به في قوله: حاشا لزيد، لو كان حاشا حرف جر لم يجز دخولها على اللام. قال أبو سعيد: أما احتجاجه بحاشيت فلقائل أن يقول: حاشيت إنما هو تصريف فعل من لفظ حاشا الذي هو حرف يستثنى به، وليس بحاشيت يقع الاستثناء ولا بحاشا، ومنزلة حاشيت من حاشا كمنزلة هلل، وحوقل، وبسمل، وقد صرق الفعل بما ليس بفعل، قال: ومما يقوي قول أبي العباس أن أبا عمرو الشيباني وغيره حكى أن العرب تخفض بها وتنصب. وقال الزجاج: حاشا لله في معنى برأه الله، وهي مشتقة من قولك: كنت في حشا فلان أي في ناحيته، كما قال الشاعر:

بأي الحشا أمسى الخليط المباين

وإذا قال: حاشا لزيد فمعناه تنحى زيد من هذا وتباعد عنه، وكما أنك

إذا قلت: قد تنحى من هذا صار في ناحية منه، فكذلك تحاشا من هذا، أي قد صار في حشا منه، أي في ناحية، وعلى طريقة. الزجاج: قال بعض أصحابنا: حاشا في معنى المصدر؛ قال: ويقال: حاشا الله، وحاشا لله، كما يقال: لاه الله، ولاه لله، ويدخله النقص فيقال: حشا الله وحشا لله، كما يقال في النقص في غدو: غد، وفي مهلاً: مه، ولا يقال ذلك في الحروف. وتستعمل حاشا لتبرئة الاسم الذي بعدها عند ذكر سوء في غير أو فيه، وربما تبرئة الإنسان من سوء، ثم يبرئون من أرادوا تبرئته، وتكون تبرئتهم لله تعالى على جهة التعجب والإنكار على من ذكر السوء فيمن برأوه، قال الله تعالى " قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء " يوسف، ومذهب حاشا لله كمذهب معاذ الله وسبحان الله في الإنكار والتعجب، وإذا استثنوا بحاشا فاستثناؤهم أيضاً بها على طريق التبرئة للأسم السمتثنى بها من سوء أدخلوا فيه غيره.

هذا آخر كلام أبي سعيد، سقته لأنه تمام المعنى في لفظ مختلف فيه.

قال الشعبي: سمعت النعمان بن بشير يقول على المنبر: أيها الناس خذوا على أيدي سفهائكم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: إن قوماً ركبوا البحر في سفينة فاقتسموها وأخذ كل رجل مكاناً، فأخذ بعضهم الفأس فنقر مكانه، فقالوا له: ما تصنع؟ قال: مكاني أصنع به ما شئت، فإن أخذوا على يده نجوا، وإن تركوه هلكوا.

قال رجل من أهل الشام لابن سيرين: بلغني أنك نلت مني، فقال: نفسي أعز علي من ذلك.

عاب رجل رجلاً عند بعض الأشراف فقال: استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيوب الناس، لأن طالب العيوب يطلبها بقدر ما فيه منها.

كان الرشيد يجمع العلماء ويسمع كلامهم، فحضروا ذات يوم وفيهم أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، والكسائي يذكر النحو، فقال له: أحذق الناس به يكون معلماً، فقال له الكسائي: أسالك عن مسألة في الفقه، قال: سل، قال: ما تقول في غلام لك قتل فاتهمت به رجلين فسألتهما عن أمره فقال أحدهما: أنا قاتل غلامك، وقال الآخر: أنا قاتل غلامك، أيهما القاتل عندك؟ قال أبو يوسف: جميعاً، قال الكسائي: أخطأت، قال: فأيهما القاتل عندك؟ قال: والذي قال: أنا قاتلٌ غلامك، لأن قوله: أنا قاتل غلامك يريد أنا قتلته، والذي قال: أنا قاتل - بالتنوين - غير قاتل، أراد: سأقتل غلامك، فهو تهدد، قال الله تعالى " فالق الإصباح وجعل الليل سكناً " الأنعام: المعنى فلق الإصباح، فندم أبو يوسف على كلامه.

قال عبد الملك بن مروان: القلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة.

وأنشد:

لعمرك ما الدنيا بدار لأهلهاولو عقلوا كانوا جميعاً على رحل
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «تنكبت جهلي فاستراح ذوو عذلي»
فما تبحث الساعات إلا عن البلىولا تنطوي الأيام إلا على ثكل

دعا أعرابي فقال: اللهم ذلل صعوبة هذا الأمر، وسهل لي حزونته، وارزقني من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف.

كاتب: ومن حدود فضائل الرؤساء مقابلة سوء من أساء بالإحسان، ولا نعمة أجزل من الظفر بالمجرم، ولا عقوبة لمجرم أبلغ من الندم، وقد ظفرت وندمت، والسلام.

قيل لعلي بن الحسين ﵄: أنت أبر الناس ولا نراك تواكل أمك، قال: أخاف أن أمد يدي إلى ما سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها.

قيل لأعرابي: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وأرى غروب الشمس وطلوعها يأخذان مني كل يوم جزءاً، وكم عسى أن يدوم عدد ليس له مدد حتى يبيد وينفد.

قال يحيى بن معاذ الرازي: أشهد أن السماوات آيات بينات، وشواهد قائمات، كل يؤدي عنك بالحجة، ويقر لك بالربوبية، وهي موسومة بآثار قدرتك، ومعالم تدبيرك التي تجليت بها لخلقك، وأوصلت إلى القلوب من معرفتك ما آنسها من وحشة الفكر، ورجم الظنون، فهي على اعترافها

بك، وولهها إليك شاهدة بأنك لا تحيط بك الصفات، ولا تحدك الأوهام.

قال أبو عبيد الله الكاتب: ما رأيت مثل خالد بن برمك: بلاغته أعرابية، وطاعته أعجمية، وآدابه عراقية، وفصالحته شامية، وكتابته سوادية.

كان يزيد الرقاشي يقول: إنه ليخيل لي أن كلامي لو أنجح في قلب قائله أنجح في قلوبكم، خذوا الذهب من الحجر، خذوا اللؤلؤ من البحر، خذوا الكلمة الطيبة ممن قالها فإن الله تعالى يقول " الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " الزمر:. أراك رفيقاً للمنعمين عليك، أفما لله عندك مكافأة مطعمك ومشربك في ليلك ونهارك، إن سرك أن تنظر إلى الدنيا بما فيها من ذهبها وفضتها وزخرفها، فاذهب إلى القبر فاحتمل ما فيه، لست آمرك أن تحمل تربته، ولكن تحمل فكرته، وأنشد:

فإن لم تكن أنت المسيء بعينهفإنك ندمان المسيء وصاحبه

آخر:

يا معمل الوجناء بالفجروقاطعاً للسبسب القفر
وهارباً من زمن جائريجني الملمات على الحر
يأوي به الليل إلى منزلممتنع أو جبل وعر
أبشر فإن اليسر يأتي الفتىأحوج ما كان إلى اليسر
واصبر فما استشفعت في مطلببشافع خير من الصبر

قال منصور بن عمار: أتيت الليث بن سعد فأعطاني أربعة آلاف دينار وقال: صن بها الحكمة التي آتاك الله تعالى؛ وكان دخل الليث بن سعد في كل شهر خمسة آلاف دينار، وكان يفرقها في الصدقة وصلة الأرحام.

قال أبو حامد: خلف عبد الله بن مسعود تسعين ألف درهم.

وقال علي بن أبي طالب ﵇: ما دون أربعة آلاف درهم نفقة، وما فوقها كنز.

قال معاوية: ما رأيت سرفاً إلا وإلى جانبه حق مضاع.

يقال: الحلال يقطر، والحرام يسيل.

قيل للزبير: كيف نلت هذا البسار؟ قال: لم أرد ربحاً، ولم أستر عيباً.

كان سعيد بن العاص إذا سأله رجل حاجة من ماله ولم يجد قال له: اكتب علي بحاجتك سجلاً إلى أن أجد فأعطيك.

اشترى عبيد الله بن أبي بكرة جارية بستين ألف درهم فطلبت دأبة تحمل عليها فلم توجد في الوقت، فجاء رجل بدابته فحملت عليها، فقال عبيد الله: قد وجب حقك علي اذهب إلى منزلك.

قال فيلسوف: الندامة على الفائت تضيع وقت ثان.

استحمل رجل معن بن زائدة فأمر له بفرس عتيق وجمل وبغل وحمار وجارية وقال: لو وجدنا مركوباً غير هذه لأعطيناكه.

كان تميم الداري يشتري مصلى بألف درهم، وكان ابن عباس يرتدي برداً قيمته ألف درهم.

وقال يحيى بن خالد: ما رأيت رجلاً قط إلا هبته حتى يتكلم، فإن كان فصيحاً عظم في صدري، وإن كان مقصراً سقط من عيني.

قال الزبير بن بكار: بدت لي إلى المتوكل على الله حاجة، فلذت بالفتح بن خاقان وكلفته إياها وأنشدته:

ما أنت بالسبب الضعيف وإنمايرجى النجاح بقوة الأسباب
إني دعوتك للخطوب وإنمايدعى الطبيب لشدة الأوصاب

لمحمد بن عبد العزيز بن سهل - من أمراء الجبل من آل دلف -:

وظللت من ماء الكروم كأننيغصن أمالته الصبا فتأودا
أرمي بعيني الرياض فأجتنيمن حليهن لآلئا وزبرجدا
حمراء ناصعة وأصفر فاقعاًومزعفراً في لونه وموردا
يفتر مبتسماً كأن ومبضهشرر أصابته الصبا فتوقدا

وهو الذي يقول:

ما لي وللنأي يرميني بأسهمهوما له ترة عندي ولا ثار
إذا اصطفيت خليلاً أو أخا ثقةلا ينثني عنه أو تنأى به الدار

ويقال في مسائل اللغة: ما الحرد، وما البرد، وما السرد، وما السرد أيضاً، وما الصرد، والصرد أيضاً، وما العرد، وما الغرد، وما الفرد، وما القرد، وما الكرد، وما الرد، وما النرد، وما الشرد، وما الجرد، وما الهرد، وما الطرد، وتفسيرها يتبعها بعد أوراق على العادة في ذلك إن شاء الله، وإنما باعدنا بين الفصول لتنفى السآمة ويثبت النشاط.

قال السيرافي: لو قلت: زيد أفضل إخوته لم يجز، فإذا قلت: زيد أفضل الإخوة جاز، والفصل بينهما أن إخوة زيد هم غير زيد، وزيد خارج عن جملتهم، والدليل على ذلك أنه لو سأل سائل وقال: من إخوة زيد؟ لم يجز أن تقول: زيد وبكر وعمرو وخالد، وإنما تقول: عمرو وبكر وخالد، ولا يدخل زيد في جملتهم، فإذا كان خارجاً عن إخوته كان غيرهم فلم يجز أن تقول: أفضل إخوته، كما لم يجز أن يقال: حمارك أفره البغال لأن

الحمار غير البغال، كما أن زيداً غير إخوته، وإذا قلت: زيد خير الإخوة جاز لأنه أحد الإخوة والاسم يقع عليه وعلى غيره، فهو بعض الإخوة، ألا ترى لو أنه قيل لك: من الإخوة؟ عددته فيهم فقلت: زيد وعمرو وبكر وخالد، فيكون بمنزلة قولك: حمارك أفره الحمير لأنه داخل تحت الاسم الواقع على الحمير، فلما كان على ما وصفنا جاز أن يضاف إلى واحد منكور يدل على الجنس فتقول: زيد أفضل رجل، وحمارك أفره حمار، فيدل رجل على الجنس، كما دل حمار على الجنس.

وأنشد:

فيا رب حي الزائري كليهماوحي دليلاً بالفلاة هداهما
فليتهما ضيفان لي كل ليلةمدى الدهر محتوم علي قراهما
وليتهما لا ينزلان ببلدةولا منزل إلا وعيني تراهما

قال الناشئ أبو العباس الكبير: أول الشعر إنما يكون بكاء على دمن، أو تأسفاً على زمن، أو نزوعاً لفراق، أو تلوعاً لاشتياق، آو تطلعاً لتلاق، آو إعذاراً إلى سفيه، أو تغمداً لهفوة، أو تنصلاً من زلة، أو تحضيضاً على أخذ بثأر، أو تحريضاً على طلب أوتار، أو تعديداً للمكارم، أو تعظيماً لشريف مقاوم، أو عتاباً على طوية قلب، أو إعتاباً من مقارفة ذنب،

أو تعهدا لمعاهد أحباب، أو تحسراً على مشاهدة أطراب، أو ضرباً لأمثال سائرة، أو قرعا لقوارع غائرة، أو نظماً لحكم بالغة، أو تزهيداً في حقير عاجل، أو ترغيباً في جليل آجل، أو حفظاً لقديم نسب، أو تدويناً لبارع أدب.

للناشئ:

لأقتحمن الدهر مني بعزمةتخوف أعدائي وتمنع جاري
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وأفضي إلى هذا الكريم بنائليوآخذ من هذا اللئيم بثاري
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وإلا فلا أهوت أنامل خلتيللوث خمار أو لوضع إزار
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وحاشيت أبصار العداة ترقباًلشرب عقار أو لخلع عذار
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
ألية بر إن عشت عين باخلإلى ضوء ناري فاستضاء بناري
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وإني لأوصي الأهل إن رام زورتيوإن ضافني ألا يحل بداري
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وكيف يزور القوم أو يستضيفهمفتى لا يرى للزور حق مزار
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

قيل لصوفي: ما غاية المراد في الطلب؟ قال: نيل ما يعرض من أجله العطب.

وقيل لآخر: هل سبيل إلى سكون النفس؟ قال: لا، ما دامت في سلطان الحس.

وقال علي بن أبي طالب ﵇: إن الله ﷻ أمر بما لم يرد، ونهى عما أراد، أمر إبليس بالسجود ولم يرد أن يسجد، ولو أراد أن يسجد، ولو أراد أن

يسجد لما غلبت إرادة إبليس إرادة الله جل سلطانه، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأحب أن يأكل منها، ولو لم يحب أن يأكل منها لما غلبت محبة آدم محبة الله تعالى.

هكذا أصبت هذا الجزء وهو حق، فإذا سرك الاتساع فيه فتصفح الكتاب حتى ترى شواهده وتجد دلائله، وتعلم أن الله سبحانه أنشأ العبد ثم تولاه ولم يخله من يده، وأن العبد يتصرف بين علمه وإرادته وأمره ونهيه في ظاهر تكليفه، وطرفاهما بين الحالتين يلتقيان، وكلتاهما مستويتان، واعلم أن الخلق ظهر منه وثبت به، وانقلب إليه، أعني أنه أبدأه وأنشأه في الأول، وهو إذاه وأنماه في الثاني، وهو قبضة ورقاه في الثالث باستطاعته، واستبد بقدرته، وانفرد بحوله وقوته، واستغنى عن موجده وحاظفه، وإنما ركدت الشبهة على قوم من جهة أنهم تخطوا الأمر والنهي وهما أس التكليف، وأوجبوا التمكين والتخيير، وظنوا أن هذا القدر يفصل الحال بيننا وبين الله ﷿ فلا نؤتى إلا من قبلنا، ولا نلام إلا على فعلنا. واعلم أن الإنسان مطلق في صورة مقيد، ومختار في هيئة مضطر، ومرسل في حلية ممنوع، يبين لك ذلك أنه ينقض حاله نقضاً، ويقيس متوسطة على طرفيه، فإنه يدلك بالعبرة الواضحة والعبارة المفصحة، انه ما فعل فعلاً باختيار حمداً أو ذماً الإوقع إليه ما سبق اختيارة من خزاطره ودواعيه ما استحق به استحق به عذراً وتسليماً، لكنه عن طرق العلم والإرادة محجوب، وبلسان الأمر والنهي محجوج، ومتى حاول ذلك الخروج عما أريد به حاول عسيراً، ومتى احتج عن نفسه بما علم منه احتج جاهلاً، فليس

له إلا أن يقف حيث وقف، ويعترف بما عرف، ويسكت عما خفي ولا يستكشف.

الناشئ:

عدمت من الحبيبة رجع كفإلى حل المؤزر والنطاق
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وهنت فلم أصل وقت اصطباحلندماني بأوقات اغتباقي
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
لئن آخيت في الدنيا بخيلاًولو بلغ النهاية في وفاقي
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
أصافي المرء يألفني فنجريجميعاً باختلاف واتفاق
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وعهد الود محفوظ إذا ماأمنا في الوداد من النفاق
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وأقطع كل ذي بر وصولإذا مزج الخليفة باختلاق
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وكم من معقب حسن اجتماعيسر به بسوء الافتراق
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

قال رجل لشريك: أخبرني عن قول علي بن أبي طالب ﵁ للحسن: ليت أباك كان مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة، أقاله إلا وهو شاك في أمره؟ فقال له شريك: أخبرني عن قول مريم " ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً مريم: أقالته شاكة في عفتها؟ فسكت الرجل.

وأنشد:

قل لماش على العصاكيف أمسى وأصبحا
ما حوتها يد امرئبعد موسى فأفلحا

عرضت جارية على المتوكل فقال لأبي العيناء: هذه عرضت على أنها شاعرة، فقل شيئاً لتجيز، فقال أبو العيناء:

أحمد الله كثيراً

فقالت:

حين أنشاك ضريرا

قال: يا أمير المؤمنين قد أحسنت في إساءتها.

لدعبل:

قالت وقد ذكرتها عهد الصباباليأس تقطع عادة المعتاد
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «قالت وقد ذكرتها عهد الصبا»
إلا الإمام فإن عادة جودهموصولة بزياة المزداد
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «قالت وقد ذكرتها عهد الصبا»

لأبي الغمر الرازي:

مكفهر ترتج أعطافه رجاكما جاوب المطي المطي
وتولى كأنما في حشاهجبل حان وضعه حولي
ظل يحكي بجوده جود كفيملك سيبه هني مري

قال جعفر بن محمد الأنماطي: رأيت رواشن الأشنان والمحلب في دار المأمون مقدمة بقطن، وسمعت المأمون يقول لصاحب الشراب: أحسنت يا بني، إنما يباهي بالذهب والفضة من قلا عنده، فأما نحن فإنما ينبغي أن نباهي بالأفعال الجميلة، والأخلاق المرضية، والشيم الكريمة، فذلك بالملوك أبهى أجمل.

قال بعض السلف: لا تسبوا الغوغاء فإنهم يطفئون الحريق، ويخرجون الغريق، ويسدون البثوق.

قالت أخت عمرو ذي الكلب:

وخرق تجاوزت مجهولهبوجناء خرق تشكى الكلالا
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
فكنت النهار به شمسهوكنت دجى الليل منه الهلالا
فأقسمت يا عمرو لو نبهاكإذاً نبها منك داء عضالا
إذاً نبها ليث عريسةمفيداً مفيتاً نفوساً ومالا

استأذن أبو سفيان على عثمان فحجبه فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني.

وأنشد:

قد أطلنا بالباب امس القعوداوجفينا به جفاء شديدا
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
وذممنا العبيد حتى إذا نحن بلونا المولى عذرنا العبيدا
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة

كتب عبد الملك إلى الحجاج: جنبني دماء آل أبي طالب فإني رأيت آل حرب لما قتلوا حسيناً نزع الله منهم الملك.

شاعر:

عش بجد ولا يضرك نوكإنما عيش من ترى بالجدود
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «عِش بجَدِّ ولا يضركَ نَوك»
رب ذي إربة مقل من المال وذي عنجهية مجدود
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «عِش بجَدِّ ولا يضركَ نَوك»

شاعر:

الحذر ينفع ما لم ينزل القدرفإن أتى قدر لم ينفع الحذر
وليس من قدر إلا له سببوليس من سبب إلا له قدر
ليس الكريم الذي يؤذي مجاورهبل الكريم الذي يؤذي فيصطبر
إن الشباب لهم عذر وإن جهلواوليس يقبل من ذي شيبة عذر

قال ابن عباس ﵀: أتيتم بأبي موسى مبرنساً فقلتم: لا نرضى إلا بهذا، وأيم الله ما استفدنا منه علما ولا انتظرنا منه غائباً، ولا أمنا ضعفه ولا رجونا توبة صاحبه، وما أفسد بما صنعا العراق ولا أصحا الشام، ولا أماتا حق علي ولا أحييا باطل معاوية، ولا يذهب الحق فلتة رأي ولا نغمة شيطان.

الناشئ الكبير:

القصد شيء كل ما دونهنقص وما جاوزه فضل
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وكل هذين رأيناهماجوراً وما بينهما عدل

كتب الوليد إلى الحجاج: اكتب إلي سيرتك، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي وأنمت هواي، وأدنيت السيد المطاع في قومه، ووليت الجلد الحازم في أمره، وقلدت الخراج المؤثر لأمانته، وجعلت لكل خصم من نفسي خصماً يعطيه حظاً من نظري ولطف عنايتي، وصرفت السيف إلى المسيء، فخاف المريب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب.

شاعر:

ما قد مضى قد انقضىوما بقي كما مضى
وإنما أعمارنامثل ديون تقتضي

جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت زياد بن علاقة راكباً فيلاً يهوي به في البحر، فقال: الفيل شيطان والبحر جهنم.

قال بشر الحافي: لو كنت لا أعلم لكان أروح لقلبي؛ وأنشد:

الصعود يرتع في الرياض وإنماحبس الهزار لأنه يترنم
لو كنت أجهل ما علمت لسرنيجهلي كما قد ساءني ما أعلم
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «لو كنت أجهل ما علمت لسرني»

روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إذا سأل العبد

الله الشهادة وعلم أنه من خلوص نيته كتبها له وإن توفاه على فراشه.

قيل لابن عباس: لم لا تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة نزلت بالسيف ولا أمان فيها.

من دعاء بعض السلف: اللهم إنك أنت أنت، انقطع الرجاء إلا منك.

وقال بعض السلف في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من نظرة غيظ نفذت من عين حاسد، غائبها الحرب، وشاهدها سلم.

وأنشد:

إذا امتنع المقال عليك فامدحأمير المؤمنين تجد مقالاً
فتى ما إن تزال له ركابوضعن مدائحاً وحملن مالا

لدعبل:

وميثاء خضراء زريبةبها النور يزهر من كل فن
ضحوكاً إذا لاعبته الرياحتأود كالشارب المرجحن
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وميثاء خضراء زربية»
فشبه صحبي نوارهبديباج كسرى وعصب اليمن
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وميثاء خضراء زربية»
فقلت بعدتم ولكننيأشبه بجناب الحسن
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وميثاء خضراء زربية»

أنشد بعض من وفد على عثمان في خلافته وقد سأله عن حصن بناحية هراة:

محلقة دون السماء كأنهاغمامة صيف زل عنها سحابها
للشاعر كعب بن معدان الأشقري، اقرأ القصيدة
ولا يبلغ الأروى شماريخها العلىولا الطير إلا نسرها وعقابها
وما خوفت بالذئب ولدان أهلهاولا نبحت إلا النجوم كلابها
للشاعر كعب بن معدان الأشقري، اقرأ القصيدة

شاعر:

ريما خير الفتىوهو للأمر كاره
وأتاه السرور منحيث تأتي المكاره

آخر:

يا صاح قلبي غير صاحلج الهوى بي في جماح
جسد كسي ثوب الضنىفالروح منه على رواح
قالت مزحت بهجرهوالقتل ليس من المزاح

قال أبو سعيد: " زيتون " يجوز أن يكون فيعولاً وفعلوتاً وهو أولي لأنه من الزيت وقد لزم الواو.

وقال الناشئ أبو العباس في نقد الشعر: الشعر قيد الكلام، وعقال الأدب، وسور البلاغة، ومحل البراعة، ومجال الجنان، ومسرح البيان، وذريعة المتوسل، ووسيلة المتوصل، وذمام الغريب، وحرمة

الأديب، وعصمة الهارب، وعذر الراهب، وفرحة المتمثل، وحاكم الإعراب، وشاهد الصواب.

شاعر:

أما والراقصات بذات عرقومن قد طاف بالبيت العتيق
لقد دب الهوى لك في فؤاديدبيب دم الحياة إلى العروق
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لقد دب الهوى لك في فؤادي»

قال أعرابي لآخر في حديث له: والله لو نظرت إلى أجفانه وقد تجافت عن سحابة عينه تهطل رذاذاً كأنها تغازل معشوقاً، تعاتب تارة وتصالح أخرى، وكأن إنسان مقلته ناثر دراً على عروس وجنتيه لأهميت حسرة على حسرة، وأطلقت زفرة على زفرة، ولشققت مرارة على مرارة، وبكيت أهل العشق رحمة.

لما ماتت أخت بشر بن الحارث الحافي حزن بشر، فقيل له في ذلك فقال: والله ما حزني عليها ولكن يقال: إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله ما كان يأنس به في دار الدنيا.

قيل لبشار: أي شيء تتمنى له البصر؟ قال: السماء، لقول الله تعالى " وزينا السماء الدنيا بمصابيح " فصلت: وما زينة الله ووصفه يجب أن يكون حسناً.

لأحد بني طاهر بن الحسين:

يا سائلي عن موقع الحظ والعقل انصرف بالحجج القاهره
الحظ للدنيا التي تنقضيوالعقل للدنيا وللآخرة

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإذا لم يستقيموا لكم فضعوا السيوف على عواتقكم ثم أبيدوا خضراءهم.

وروي عنه صلى الله عليه: لا تهزمن قريش ما استرحموا فرحموا، وقسموا فعدلوا، فإن لم يفعلوا فعليهم لعنة الله.

شاعر:

ولما علاها الماء قنع رأسهابدرع حباب صيغ من لؤلؤ رطب
أرق من الشكوى وأحلى من المنىوأعذب من حب يزيد هوى حب

يقال هما للراضي.

لإبراهيم بن سيار النظام المتكلم:

ذكرتك والراح في راحتيوشبت المدام بدمع غزير
للشاعر إبراهيم بن سيار النظّام، اقرأ القصيدة
فإذا ينفد الدمع فرط الأسىبكاك الفؤاد بدمع الضمير

لابن طباطبا العلوي:

لم يكف ما قد سامني بغيابهحتى تلقاني بسيف عتابه
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
نفسي الفداء لغائب عن ناظريومحله في القلب دون حجابه
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «نفسي الفداء لغائب عن ناظري»
لولا تمتع مقلتي بجمالهلوهبتها لمبشري بإيابه

قال أبو عثمان: إن الله تعالى قد قسم الصنع بين جميع أفعاله: محبوبها ومكروهها، فأضحك وأبكى، وأمات وأحيا، وعافى وابتلى، وعاقب وعفا، ولم يعطل البلاء من تكليف الصبر، كما لم يعطل النعمة من تكليف الشكر، وجعل الشكر لا ينال إلا بالصبر، كما جعل الصبر لا ينال إلا بالعزم وجعل العزم لا ينال إلا بالعلم، كما جعل العلم لا ينال إلا بالعقل، وجعل الخيرة مقرونة بالمكروه، كما جعل الشكر موصولاً بالمزيد، وجعل طول النصب استنفاداً للقوة، فجعلنا نعالج الجمام بالكد، كما نعالج بالجمام، وكل ذلك ليردنا إلى الاقتصاد، ويعرفنا أن الفضيلة في تعديل الأمور، وجعل النسيان حظاً من الخيرة، ولذلك قال الحسن: إن الله تعالى "......... " ولولا ذلك لما انتفع النبيون والصديقون بالعيش وهو الأمل والأجل والنسيان، فجعل النسيان ركناً من أركان المصالح، ولو اجتمع في حفظ الإنسان وذكره توقع مكروه يجوز وقوعه، وفوت كل مرجو يجوز فوته، وذكر كل جناية جناها على من لا تؤمن مكافأته، وجناها جان ثم عجز عن مجازاته، ثم ذكر ذلة المعجزة وخمول ذي القلة، وذكر مع ذلك كل قاذورة كانت منه في شبيبته، وكل فسولة كانت منه في كهولته، لشغلة ذلك عن كسب ما لا بد منه من مرمة دنياه، وإصلاح أمر آخرته، وكذلك صنيع الله في الجد والمزاح في إمتاعه بالمنى والضحك وهما وإن كانا في ظاهر الأمر لا يعجلان عليك نفعاً معروف المكان، فإنهما يحدثان خيراً في باطن النفس، ويثمران نفعاً عند تعقب الأمور، لأن المنى استراحة وتفرغ، والضحك سرور وتنشيط، وفرق بين الأماني والآمال أن الآمال مقيدة بالأسباب، والأماني منطلقة لا يجوزها حد، ولا يحلبها سبب، وإصلاح موقع

الأماني بتوقع الأماني من النفوس صارت النفوس كلها لا تمنع منها، ولا تخلو من الذهاب معها.

والنفس الحية الحاسة لا يجوز أن تبقى فارغة ممسكة عن جميع الأفعال، فتكون هي والموتى سواء، ومتى لم يحضر للقلب عزم على أمر معروف أو منكر في حاجة قائمة، عاجلة وآجلة، فلا بد للقلب من أن ينصرف إلى عمل من الأعمال، وليس بعد الاعتزال إلا المنى، فقد صارت الأمنية من أكبر الآفات، وأثبت الأركان، وليس في طاقة القلب أن يكون أبداً محتملاً لوحشة الفكر وثقل الاعتبار، وللنظر في ملكوت السموات والأرض، ولكل يوم أجل، ولكل استطاعة غاية فأطلق المباح، وألزم الفرض، وخير في النفل وأرغب فيه ولم يفرضه، وأعطى عليه الثواب ولم يوجبه، وركب الدنيا على الصميمين والفصلين، وقال رسول الله ﷺ: أنا أمزح ولا أقول إلا الحق، وقال: قد جئتكم بالحنيفية السمحة غير القاسية ولا الغالية، وأمرت بالإفطار والصوم والصلاة والنوم، ولو حمل الناس أنفسهم على حد الجد في كل حال ومر الحق في كل مذهب، لا نحلت القوى، وانتقضت المنن، ولذلك قالوا: دين الله بين الغالي والمقصر، وقالوا: خير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة، وقالوا: بينهما يرمي الرامي، وقالوا في المثل: لا تكن حلوا فتبلع، ولا مراً فتلفظ، ولولا أن النفس مكدودة متعبة ومعناة نصبة من حين لا يعرف، ومن ضربان عرق لا يفتر، واختلاج عصب لا يسكن، ومعالجة القلب الهموم، ومدافعة الطباع الأغذية، وطلب الاستمرار من تنفس الرئة

واسترواح النفس من حد المنخرين، واستراحتها إلى التثاؤب والتمطي، ومضادة الطبائع للنفس، ومنازعة الشهوات إلى ما تدعو إليه، ومعالجة الأمراض وألم الجسد.

وقال: المؤمن بين أربع: بين كافر يجاهره، ومنافق يبغضه، وشيطان يفتنه، ومؤمن يحسده، مع غير هؤلاء من الأمور التي تساره تارة، وتعالنه أخرى.

أنا ألهج - أيدك الله - بكلام أي عثمان ولي فيه شركاء من أفاضل الناس، فلا تنكر روايتي لكلامه فإن لي فيه شفاء، وبه تأدباً ومعرفة، قد يسلم على أكثر الناس، ولم يبر إلا على متخلف ساقط دونه.

قال أبو بكر بن دريد: أوضح الدلالة على ضعف الرجل في صناعته أن يكون محظوظاً منها، لأنه لا تكاد تجد متناهياً في حذاقته إلا وجدته متناهياً في حرفته.

قال أعرابي: إياك والعجلة فإن العرب كانت تكنيها أم الندامات لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكر، ويقطع قبل أن يقدر، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعد الحمد، ومن كان كذلك صحب الندامة، واعتزل السلامة.

شاعر:

خلا من دهره خمسون عاماًوأدبه التجارب والزمان
فلا أحد يدوم على وفاءولا للدهر من حدث أمان
إذا ما كان عندي قوت يومألا فعلي بالدنيا هوان
كأن القوم قد مسخوا كلاباًلهم عن كل مكرمة حران
فدعني لا تعرضني لقومفقد بينت لو نفع البيان
ولي شأن طويت عليه هميوكل فتى له هم وشان

قال الجاحظ: قلت مرة للحرامي: قد رضيت بقول الناس إنك بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم، قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأنه لا يقال فلان بخيل إلا وهو ذو مال، فإذا سلم لي مالي فادعني بأي اسم شئت، قلت: ولا يقال سخي إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الاسم المال والحمد، وجمع ذلك الاسم المال والذم، قال: بينهما فرق، قلت: هاته، قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه، واسم البخيل اسم فيه حزم وذم، واسم الصخاء فيه تضييع وحمد، والمال نافع ومكرم لأهله معز، والحمد ريح وسخرية، واستماعه ضعف وفسولة، وما أقل والله غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه وعري جلده، وضاع عياله وشمت عدوه.

قيل لجعفر بن يحيى: ما البلاغة؟ قال: أن يكون للكلام حد لا يدخل فيه غيره، قيل: مثل ماذا؟ قال: مثل قول علي ﵁: أين من سعى واجتهد، وجمع عدد، وزخرف ونجد، وبنى وشيد؛ فأتبع كل حرف من جنسه، ولم يقل سعى ونجد، وزخرف وعدد، وول قال زخرف وعدد لكان كلاماً، ولكن بينهما ما بين السماء والأرض.

قيل لعلي ﵁: كم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة، قيل: فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس، قيل: فكيف يحاسب الله يوم القيامة الخلق على كثرة عددهم؟ قال: كما يرزقهم في الدنيا على كثرة عددهم.

قيل لأفلاطون: أي الأمور أعجب؟ قال: أن يكون العمل على خلاف العلم.

قيل لأعرابي: أما تتأذى برائحة الودك؟ قال: فقدي له أشد أذى.

قيل لفيلسوف: لم لا يشتد فرحك بأخيك في حياته كشدة حزنك عليه بعد وفاته؟ قال: لأني كنت أعلم في حياته أنه يموت، والآن أعلم بعد وفاته أنه لا يعيش.

قال أعرابي: أتيت فلاناً قبل أن ينطق الديك فخرس عن جوابي، ورجعت إلى أهلي خفيف الظهر وافر العرض.

قال ابن السماك في دعائه: اللهم أصلحني قبل الموت، وارحمني عند الموت، واغفر لي بعد الموت.

قيل لمحمد بن واسع: كسف أصبحت؟ قال: أصبحت والله طويلاً أملي، قصيراً أجلي، سيئاً عملي.

كتب عمر بن عبد العزيز إلى عون بن عبد الله يعزيه بابنه: أما بعد، فإنا ناس من أهل الآخرة أسكنا الدنيا أموات أبناء أموات، فالعجب لميت يكتب إلى ميت يعزيه عن ميت والسلام.

قيل لفيلسوف: من الحكيم؟ قال: م تظهر أفعاله وأقواله متساوية متشابهة.

كتب إبراهيم بن يحيى إلى بعض الخلفاء: أما بعد، فإن من عرف حق الله فيما أخذ منه عظم حق الله تعالى عليه فيما أبقى له؛ واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي بعدك، والباقي بعدك هو الماضي قبلك، وأن أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعاقبون عليه.

قال أبو تميم الهجيمي: إن أقواماً غرهم ستر الله تعالى، وفتنهم ثناء الناس، فلا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك، أعاذنا الله تعالى وإياك أن نكون مغرورين بالستر، مفتونين بالثناء.

وقال فيلسوف: ينبغي للعاقل أن يفعل الواجب من غير أن يجب عليه، ويمتنع مما لا يجب من غير أن يمنع منه.

وقال علي بن أبي طالب ﵁: الدنيا دار صدق لمن

صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودارغنى لمن تزود منها، مهبط وحي الله تعالى، ومصلى أنبيائه، ومسجد أوليائه، واكتسبوا فيها الحسنة، ونالوا الرحمة، فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ودعت إلى خرابها، ترغيباً وتخويفاً، فيا أيها الذام للدنيا متى استذمت إليك؟ متى غرتك؟ أبمنازل آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك في الثرى؟ ثم أشرف على أهل المقابر فقال: يا أهل الغربة، ويا أهل التربة، أما المنازل فقد سكنت، وأما الأزواج فقد هديت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه وقال: والذي نفسي بيده لو أذن لهم في الكلام لأجابوا: ألا إن خبر الزاد التقوى.

قال الحسن البصري: لا تجاهد في الطلب جهاد المغلب، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم، فإن ابتغاء الفضل من السنة، والإجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً؛ الرزق مقسوم، والأجل محتوم، وفي الحرص اكتساب المآتم.

قال جابر بن عبد الله، قال رسول الله ﷺ: لا يتم بعد حلم، ولا رضاع بعد فطام، ولا صمت يوما إلى الليل، ولا وصال في الصيام، ولا نذر في معصية، ولا تعرب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد الفتح،

ولا طلاق قبل النكاح، ولا عتق قبل ملك، ولا يمين لزوجة مع زوح، ولا يمين لولد مع والد، ولا يمين لمملوك مع سيده والسلام.

هذا آخر الجزء الخامس من كتاب البصائر، والله أسأل الانتفاع به والعمل ببعض ما فيه فإنه قد تحمل أدباً جماً، وعلما غزيراً وفضلاً بارعاً، وأساله ﷿ أن ينفعك به ويتم نعمه عليك إن شاء الله تعالى، والله الموفق.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.