من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
الجزء السادس (٥)
إليه بعد ذلك في خصومة، فجعل يقول: افصلها يا أمير المؤمنين كفصل رجل الجزور، فاغتاظ عليه عمر فقال: يا معشر المسلمين، إياكم والهدايا، فإن هذا منذ أيام أهدى إلي رجل جزور، فوالله ما زال يرددها حتى خفت أن أحكم بخلاف الحكم.
قال إبراهيم بن ميسرة، قال لي طاووس: لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر بن الخطاب ﵁ لأبي الزوائد: ما يمنعك من التزويج إلا عجز أو فجور.
جلس رجل إلى عمر ﵁ فأهذ من رأسه شيئاً فسكت عنه، ثم صنع به ذاك يوماً آخر، فأخذ بيده وقال: ما أراك أخذت شيئاً، فإذا هو كذلك، فقال: انظروا إلى هذا، صنع بي مراراً، إذا أخذ أحدكم من رأس أخيه شيئاً فليره، قال الحسن: نهاهم والله أمير المؤمنين عن الملق.
قال الحكم بن عتيبة، قال عمر بن الخطاب ﵁: القاضي لا يصانع ولا يصارع، ولا يتبع المطامع، يصارع: يميل إلى أحد الخصمين؛ كذا كان التفسير مع الحديث.
قال أبو هريرة: لما استخلف عمر صعد المنبر فحمد الله وأثنى
عليه ثم قال: أيها الناس إني نظرت إلى الإيمان فوجدته يقوم على أربع خصال، فقام إليه عمار بن ياسر فقال: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: تقوى الله في جمع المال من أبواب حله، فإذا جمعته عففت عنه، وإذا عففت عنه وضعته في مواضعه حتى لا يبقى عندي منه دينار ولا درهم ولا عند آل عمر خاصة؛ والثانية: أعرف للمهاجرين حقهم وأقرهم على منازلهم؛ والثالثة: الأنصار الذين آووا ونصروا، أحفظ وصية رسول الله ﷺ فيهم فأقبل من محسنهم وأتجاوز عم مسيئهم وأكون أنا عيالهم حتى ينصرفوا إلى منازلهم؛ والرابعة: أهل الذمة، أفي لهم بعدهم وأقاتل من ورائهم ولا أكلفهم إلا طاقتهم؛ قال: إذا فعلت ذلك كنت معترفاً عند الله - جل اسمه - بالذنوب.
وقال أيضاً على المنبر: اقرأوا القرآن تعرفوا به، واعلموا به تكونوا من أهله، إنه لن يبلغ من حق ذي حق أن يطاع في معصيتة الله، ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي ايتيم، إن استغنيت عففت، إن افتقرت أكلت بالمعروف تقرم البهمة الأعرابية: القضم لا الخضم.
مات أبو عبيد سنة تسع ومائتين وله أربع وتسعون سنة، وقيل له في علته: ما بك؟ فقال: هذا النوشجاني دخلت إليه مسلماً فجاء بموز كأنه
أيور المساكين، فأكثرت منه فكان سبب علتي.
قال أبو عبيدة: اسم السلام هو السلام، كما تقول: هذا وجه الأمر، وهذا وجه الحق، وثم وجه الله ﷿، أي الله.
قال محمد بن يزيد الواسطي: كنت في مجلس المبرد فجرى ذكر قول أبي عبيدة في أن الاسم هو المسمى، فقال المبرد: غلط أبو عبيد القاسم وأخطأ أبو عبيد، والذي عندنا أنه أراد بقوله: اسم السلام، اسم الله، والسلام من الأسامي التي تسمى بها الله ﷿ في كتابه، ثم التفت إلي وقال: هذا الذي أختاره ويختاره أصحابنا، فأمسكت ولم ير في وجهي قبولاً؛ فلما رضيته وإن كان قد ذهب إليه أصحابنا، فقال لي: وأي شيء عقدك؟ قلت: أما أبو عبيد فمذهبه في هذا خطأ، وقد غلط على أبي عبيدة لأن الذي قاله أبو عبي فذهبه في هذا خطأ، وذد غلط على أبي عبيدة هو اللفظة الموضوعة علامة لتقضي الأشياء، فتختم بها الرسائل والخطب والكلام الذي يستوفي معناه وليس لها مسمى غيرها وهي مثل حسب وقط والموضوعة كالعلامات لتضي الأشياء، فتختم بها الرسائل والخطب والكلام الذي يستوفي معناه وليس لها مسمى غيرها وهي مثل حسب وقط والموضوعة كالعلامات لتقضي الأشياء وختم الكلام، فهي اسم لا مسمى له غيره، فأعجب أبا العباس ذلك وقال لي: لا عدمتك. ثم رجعت إلى المعنى الأول فقلت: وذاك الأول، وإن كان ذهب إليه بعض أصحابنا، فإنه قول من لا يفهم الشعر ومعاني الشعر، ولبيد أفصح من أن يقول عند توديعه وتناهي
مكانه: اسم الله عليك، وإنما يسمى الله تعالى فيما يداوله النمو والبركة والزيادة أو يعوذ لحسنه وجماله، فقال لي: يا أبا عبد الله حسبك، فما سرني بهذه الفائدة حمر النعم.
أنشد الأصمعي لجارية من العرب:
تحمل عداك الله عني رسالةإليه جديداً كل يوم سماعها
وخبر عن الوعساء أن قد توجهتإليها مراعيها وطال نزاعها
لقد قطع البين المشت أكفةعزيز علينا أن يحم انقطاعها
قال ابن دريد: الفتلاء التي يتجافى كتفاها عن زورها - وهو مدح -؛ والسرح: السهلة؛ واستناع: تمادى واستنعى.
قال الأصمعي: العميان أكثر الناس نكاحاً، والخصيان أصح الناس أبصاراً، لأنهما طرفان: إذا نقص من أحدهما زاد في الآخر.
قال إسحاق الموصلي: قبل الأصمعي يد الرشيد بعقب كلام قرظة به فقال له: والله يا أمير المؤمنين ما شممت طيباً قط أطيب من نسيم يدك، فطيب الله نفسك كما طيبها، وأنعم بالك كما أنعمها، وألان زمانك كما ألانها ضد ما قال الأسدي لابن مطيع العدوي حين جلس ليأخذ البيعة لابن الزبير، قال: وما قال له؟ فأنشد:
دعا ابن نطيع للبياع فجئتهإلى بيعة قلبي لها غير آلف
فأبرز لي حشناء لما لمستهابكفي ليست من أكف الخلائف
قال أبو حاتم: ما رأيت رجلاً قط أحسن ترجمة للكلام من الأصمعي، سألته: لأي شيء قدم جريراً من قدمه؟ قال: كان أغزرهم وأغزلهم، وأقلهم سرقة وألهجهم هجاء؛ أبو حاتم: ألهجهم: أثقبهم، يقال رجل لهجة إذا كان منكراً.
قال الأصمعي، قال لي الرشيد: أنشدني أشعر ما تعرف في المجون، فأنشدته:
ألم ترني وعمار بن بشرنشاوى ما نفيق من الخمور
وكنا نشرب الإسفنط صرفاًونصقى بالصغير وبالكبير
إذا ما قبحة وقعت لنيكرفعناها هنالك بالأيور
بكل مدور صلب متينشديد الرهز ليس بذي فتور
قال: ثم قلت: قول بكر بن النطاح:
وقحبة أعطيتها خمسةفنكتها نيكاً بألفين
تركته يطلع من فرجهاطلع حمار بين وقريم
قال الأصمعي: قال لي المأمون أيام الرشيد: لمن هذا البيت؟
مخلع البسيط
هل كنت إلا كلحم ميتدعا إلى أكله اضطرار
قلت: لابن أبي عيينة المهلبي، قال: كلام شريف كأنه قول الشاعر:
وإن بقوم سودوك لفاقةإلى سيد لو يظفرون بسيد
قال الأصمعي، قال أبو فرعون العدوي:
ليتني في بيت وردمنقعاً في الآدب سرد
قاعداً أعمل فيهسنه ما يحرد كرد
فأجا حرها بأيريولحا مقمور بدرد
قال الأصمعي: مر يتساوك: إذا انثنى؛ وقال: يعوج: يميل، ويعيج: يلتفت. وقال: الحرمة: الغلمة، ومنها يقال: استحرمت المعز.
قال الأصمعي: حدث رجل عند المنصور فأكثر من قوله: قال أبي ﵀، فقال له الفضل: كم تترحم على أبيك في مجلس أمير المؤمنين؟ فقال: لو ذقت حلاوة الآباء ما نسيتها.
قال الأصمعي، سمعت أبا فرعون الساسي يقول:
لقد غدوت خلق الثيابمعلق الزنبيل والجراب
طبا بدق حلق الأبوابأسمع ذات الخدر والحجاب
قال، وله:
رب عجوز خبة زبونسريعة الرد على المسكين
تظن أن بوركا يكفينيإذا غدوت باسطاً يميني
عدمت كل علجة تؤذيني
البنك: ضرب من طيب، الكفت: القبض؛ جذا يجذو جذواً إذا انتصب.
قال بعض الأدباء: يقال للإنسان ما دام رضيعاً: صبي، فإذا فطم عن اللبن فهو وليد، فإذا راهق فهو غلام، فإذا خرج شعر وجهه فهو شاب، ثم يكون مجتمعاً، ثم يكون كهلاً، ثم شيخاً، فإذا خالطه البياض فهو أشمط، تقول: وخطه الشيب، وإذا كان لون وجهه إلى البياض قيل آدم، فإذا كان إلى السمرة فهو أسمر، وينسب المماليك إلى أجناسهم ثم يخلون، فإذا بدا الشعر على شاربه قيل طر شاربه، فإذا ظهر الشعر على وجهه قيل بقل وجهه، فإذا كان واسع الجبهة قيل رحب الجبهة، فإذا كان فوق جبهته خطوط قيل: بجبهته غضون، فإذا كان بين حاجبيه فرجة قيل: أبلج، فإذا اتصل الشعر بينهما فهو مقرون، فإذا كان على حاجبه شعر كثير فهو أزب، فإذا كان الحاجب سابغاً فهو أزج، فإذا لم يكن على حاجبيه شعر فهو أمرط وأنمص،
فإذا كان واسع العينين فهو راعين، فإذا كان أحجر فهو غائر، فإذا خرجت مقلته وظهرت فهو جاحظ، وإذا صغرت عينه وضاقت فهو أحوص، فإذا نظر إلى جانب الأذن فهو أخزر، ويقال: رجل أحول ورجل أخوص ورجل أصم، فإذا كان غير مرتفع الأنف فهو أفطس، وإذا كان قصير الأنف ليس بعريض فهو أذلف، فإذا كان فيها خطط دم فهو أشكل، والأهتم: الذي انقلعت ثناياه، والأثرم: الذي قد انكسرت سنه، فإذا انكسرت سنه عرضاً قيل قد انقصت سنه، فإذا انشقت طولاً قيل: انقاصت؛ فإذا كان غليظ الشفتين فهو أثلم، فإذا اتصلت أسنانه فهو مرصف، وإذا كانت متفرقة فهو أفلج؛ فإذا ذهب الشعر عن مقدم رأسه فهو أجلح، فإذا كان أكثر من ذلك فهو أصلع، فإذا ذهب من قبل الصدغين كان أنزع؛ فإذا لم يبصر بالليل فهو أعشى، وإذا لم يبصر بالنهار فهو أخفش، فإذا فسدت عينه وسال منها الماء فهو أعمش، فإذا كثر سواد العين فهو أكحل، فإذا كثر سوادها وصفاء بياضها فهي حوراء، يقال رجل أحور، وامرأة حوراء؛ فإذا كان في الفم زيادة سن فهو أشغى؛ فإذا كان مسترخي اللثة فهو أهدل؛ فإذا كان صغير الأذن فهو أصمع؛ فإذا كان واسع الفم فهو أجدع، فإذا كان مقطوع طرف الأنف فهو أخرم؛ فإذا كان مقطوع الأذن فهو أصلم؛ فإذا كان واسع الفم رحب الشدقين فهو أشدق؛ فإذا كان مقطوع الشفة السفلى فهو أفلح، فإذا كان مقطوع الشفة العليا فهو أعلم، فإذا اجتمعت شفتاه فهو أفوه؛ فإذا كانت عيناه ممسوحتين فهو مطموس؛ فإذا يبس كفه أو ذراعه فهو أعسم، فإذا فسدت يده واسترخت فهو أشل؛ فإذا كان بوجهه خال أو شامة أو وشم أو أثر كي أو حرق كتب بذلك أو أثر جدري أو ضربة فكذلك؛ وإذا كان قصير العنق فهو أو قص، وإذا كان طويل العنق فهو
أجيد، وإذا عمل بيمينه ويساره قيل: أعسر يسر، وإذا عمل بيساره وضعفت يمنيه قيل: أعسر، ورجل أخلف وامرأة خلفاء؛ ويقال لمن قطعت يده: رجل أجذم وأقطع وأكوع وأتك وأصرم؛ ويقال: تعلوه حمرة، تعلوه صفرة؛ ويقال: أبح الصوت وأجش الصوت وأغن وأخن.
هذه ألفاظ مهدت للكاتب إذا تولى العرض أو أعان صاحب العرض، وهي نافعة، ولولا أني توخيت حكاية ما قال الأديب لبسطت فيه، ولكني قد اشمأزيت من كل ما يؤدي إلى تثقيل، وإن جاوز الفائدة وجلب النفع وذخر الفضل.
أنشد الأصمعي لأبي فرعون الساسي:
يا رب جبس قد علا في شانهلا يسقط الخردل من بنانه
ولا يريم الدهر من مكانهأشجع من ليث على دكانه
لا يطمع السائل في رغفانهلم يعطني الفلس على هوانه
يا رب فالعنه بترجمانه
قال أبو العيناء: ما رأيت مثل الأصمعي قط، أنشد بيتاً من الشعر فاختلس الإعراب؛ وقال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: كلام العرب الدرج؛ قال: وحدثني عبد الله بن سوار أن أباه قال: إن العرب تجتاز بالإعراب اجتيازاً؛ قال الأصمعي: وحدثني عيسى بن عمر أن ابن أبي إسحاق قال: العرب ترفرف على الإعراب ولا تتفيهق به؛ قال: وسمعت يونس يقول: العرب تشام الإعراب ولا ت تحققه؛ قال: وسمعت الحسحاس بن حباب
يقول: العرب تقع بالإعراب وكأنها لم ترد؛ قال: وسمعت أبا الخطاب يقول: إعراب العرب الخطف والحذف؛ قال: فتعجب الناس منه.
قال الأصمعي: ما أحسن ما قال الأعشى:
وإني إذا ما قلت قولاً فعلتهولست بمخلاف لقولي مبدل
قال الزبير بن بكار: تقدم وكيل مؤنسة إلى شريك بن عبد الله، وكان الوكيل يدل عليه بمكانه من مؤنسة وخدمتها ويسطو على خصمه، فقال له شريكك كف لا أم لك، فقال: توقل لي هذا وأنا وكيل مؤنسة؟ فقال شريك: يا غلام اصفعه، فصفعه عشر صفعات، فانصرف إلى صاحبته فعرفها ما ناله، فكتبت إلى المهدي تشكو شريكاً وتذكر ما صنع بوكيلها، فعزله. وقد كان شريك قبل ذلك دخل على المهدي فأغلظ له، وكان فيما قال له: مثلك يولى أحكام المسلمين؟ قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لخلافك على الجماعة وقولك بالإمامة، قال، فقال شريك: ما أعرف ديناً إلا عن الجماعة فكيف أخالفها وعنها أخذت ديني؟ وأما الإمامة فما أعرف إماماً إلا كتاب الله وسنة نبيه، فهما إمامي وعليهما عقيدتي، وأما ما ذكره أمير المؤمينن أن مثلي لا يتولى أحكام المسلمين فذاك شيء أنتم فعلتموه، فإن كان خطأ لزمكم
الاستغفار منه، وإن كان صواباً وجب عليكم الإمساك عنه؛ المهدي: فما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: أقول فيه الذي قال فيه جداك العباس وعبد الله، قال: وما قالا؟ قال: أما العباس فإنه مات وعلي عنده أفضل أصحاب رسول الله ﷺ، وقد شاهد أكثر المهاجرين يحتاجون إليه في الحوادث، ولم يحتج إلى أحد منهم إلى أن خرج من الدنيا. وأما عبد الله فضارب عنه بسيفين وشهد حروبه كلها، وكان فيها رأساً متبعاً وقائداً مطاعاً، فلو كانت إمامته جوراً كان أول ما يقعد عنه أبوك، لعلم أبيك بدين الله وفقهه في أحكام الله؛ فسكت عنه المهدي، وخرج شريك؛ وكان العزل بعد هذا بجمعة.
قرأت هذا الحديث على أبي حامد فقال: ما أعجب الدنيا وأسبابها! وإنما تحرك أبو حامد عند هذا الحديث للقضاء، فإنه أن قيماً بهذه الصول والفروع، ثم قال: يا شريك بن عبد الله، من أين يصح لكأن العباس مات وعلي عنده أفضل أصحاب رسول الله ﷺ، اللهم إلا أن يشير إلى البقية بعد الصدر الأول؛ على ا، عليك فيه كلاماً، وكيف يسلم لك فضل رجل باعتقاد رجل؟ ألا تعلم أن العباس لو لم يفضل علياً لكان علي فاضلاً لأنه غرر به وحسده، ولو كان فهي خير لقعد موضع أبي بكر وموضع علي، ولكن سبق موضع سيادته في الجاهلية سؤدد من سوده الله في الإسلام، ومتى فزع إلى العباس في ترتيب الناس؟ يكفيه أنه لم يدخل في الشورى ولم يشهد بدراً، ولم يبادر الحظ بالاستبصار في الدين ولا بالرأي في الدنيا، وحقه موفور، ومكانه من الشيخوخة والتقدم مشهور، ولكن أين الفقه والورع والاجتهاد والتدبير والسبق؟ ذاك تراث حازه قوم. أما عبد الله فقد ضارب عنه بسيفين، لكنه قعد عنه أحوج ما كان إليه، وانفرد بإمارة البصرة واستأثر بأموالها وأعمالها، فلما استقدمة وطلب منه ما اجتمع من مال الله تعالى ومال المسلمين طوى الأرض إلى مكة وبلغ الطائف، واستكثر من السراري إلى
أن عمي، وهذا بعد أن دخل إلى معاوية وسالم وطلب العطاء وقارب وأعطى من نفسه وتغافل؛ أهكذا تكون نصرة الأئمة في مصالح الأمة؟ ما أحوجه إلى العفو والرحمة.
ثم قال - أعني أبا حامد: دعونا نسكت عن مساوئ الناس بمحاسنهم، فلو قد أثرنا الدفائن ونثرنا الكنائن كان للعقل والعين ما يحير أحدهما ويسخن الآخر.
وقال كلاماً آخر لم يلتق طرفاه طولاً، لأنه أخذ في مبادئ الإسلام، فذكر أهل الدين وإخلاص الموقنين وجود المستبصر واستسلام المتوكل وروغان الضعيف وخب المنافق وتربص الحاسد وفرح الشامت، وصرف القول تصريفاً يخلص الزبد المحض من الممذوق، ويميز اليقين من الشك، وكان ذا عارضة عريضة ولسن بين وصدر جموع وقلب ذكي ولهجة بسيطة، مع لكنة خراسان وفجاجة العجم وقلة فصاحتهم، لأنه كان من مرو الروذ ورحل إلى العراق وهو باقل الوجه مجتمع القوة، وكان من العرب من بني عامر واسمه أحمد بن بشر، ومات بالبصرة سنة اثنتين وستين وثلايمائة.
وحكى لنا في هذا اليوم أن صالح بن عبد الجليل، وكان مفوهاً ناسكاً، دخل على المهدي وسأله أن يأذن له في الكلام، فقال: تكلم، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لما سهل علينا ما توعر على غيرنا من الوصول
إليك، قمنا مقام المؤدي عنهم وعن رسول الله ﷺ بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي لانقطاع عذر الكتمان في البينة، لا سيما حين اتسمت بميسم التواضع ووحدت الله، وحملت كتابه إيثاراً للحق على ما سواه، فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التحميص ليتم مؤدينا على موعد الأداء عنهم، وقابلنا من موعود القبول، ما أوردنا تحميص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية؛ وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل، وأشد مه عذاباً من أقبل إليه العلم فأدبر عنه، ومن أهدي إليه علم فلم يعمل به، فقد رغب عن هدية الله وقصر بها، فأقبل على ما أدى الله إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل لا قبول رياء وسمعة، فإنه لا يخلفك منا إعلام على ما نجهل أو مواطأة على فضل ما تعلم، فقد وطن الله جل اسمه نبيه ﵊ على تزولها تعزية عما فات، وتحصيناً من التمادي، ودلالة على المخرج فقال: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله " فصلت: فأطلع على قلبك بما ينور به القلب من إيثار الحق ومباينة الهوى، فإنك إن لم تفعل لم تر لله أثرة على قلبك.
فبكى المهدي حتى هم من كان على رأسه بضرب صالح وظنوا أنه يسكت حين ذهب به البكاء فقال: يا صالح، لو وجدت رجالاً يعملون بما آمرهم وبما أنوي في رعيتي لظننت أني ألقى الله ﷿ وأمر أمة محمد ﷺ أقل ذنوبي وأهون حسابي، ولكن دلني على وجه النجاة، فإن لم أعمل كنت أنا الجاني على طهري والمؤثر هواي على رضا ربي، قال له صالح: أنت يا أمير المؤمنين أعلم مني بمواضع النجاة، قال: لو كنت أعلم بموضع النجاة ما كنت أولى بعظتي، وما هو إلا أن أركب سيرة عمر بن الخطاب، ولا يصلح عليها أحد من أهل هذا العصر، وذاك أن الناس في الزمن الماضي كان يرضي أحدهم الطمر البالي، وتقنعه الكسرة اليابسة والماء القراح، وهم اليوم في مضاعف الخز والوشي، ومائدة أحدهم في اليوم بمثل غنى ذي العيال في زمن عمر؛ أو أسيح في الأرض ذات العرض، فإلى من أكلهم؟ إلى ولد أبي طالب؟ فوالله ما أعلم للمسلمين راحة فيهم ولا فرجاً عندهم. ولو أنني حملت الناس على سيرة العمرين في هذا العصر كنت أول مقتول، وذلك أن الفطام عن هذا الحطام شديد، ولا يصبر عليه إلا المبرز السابق، فأنى ذلك اليوم، يا صالح؟ والله لقد بلغني أن لسعيد بن سلم ألف سراويل، ولحازم ألف جبة، ولعمارة بن حمزة ألف دواج، وهي أقل ملكهم، فما ظنك بي وهم عددي وناسي وسهام كنانتس ومن أشبههم كمعن بن زائدة وعبد الله بن مالك، فلو أني حملتهم على التقشف والنسك وأخذت ما في أيديهم فوضعته حيث راه أنت وأنا، هل كانت نفس أبغض إليهم من نفسي، أو حياة أثقل عليهم من حياتي؟ فأطرق صالح مفكراً ثم رفع رأسه وقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليقع في خلدي أنك قبلت قولي قبول تحقيق لا قبول رياء وسمعة، فقال المهدي: شهيدي على ذلك الله، فقام صالح فدنا من المهدي فقيل رأسه وقال: أعانك الله يا أمير المؤمنين على صالح نيتك، وأعطاك أفضل ما تأمله في رعيتك، ووهب لك أعواناً بررة صالحين، يعلمون بما يجب عليهم فيك، ثم خرج. فقال له
أصحابه: ما صنعت؟ قال: والله ما ترك شيئاً عليه إلا سبقني إليه، ولا شيئاً له إلا أوضح العذر فيه.
منصور الفقيه:
سألت رسوم القبر عمن ثوى بهلأعلم ما لاقى فقالت جوانبه
أتسأل عمن عاش بعد وفاتهبمعروفه إخوانه وأقاربه
وله:
منافسة الفتى فيما زولعلى نقصان همته دليل
ومختار القليل أقل منهوكل فوائد الدنيا قليل
وله:
فما هو إلا مثل سيف مفضضيروعك باديه ولا خير في النصل
فإن هز لم يهتز أو سل في الوغىلدفع ملم فالفضيحة في السل
وله:
أمر من طعم كل مرخضوع حر لغير حر
سأل أبو عمرو بن العلاء رؤبة بن العجاج: ما السانح؟ فقال ما ولاك ميامنة، قال: فما البارح؟ قال: ما ولاك مياسرة، والذي يأتيك من أمامك، النطيح، والذي يأتيك من خلفك: القعيد.
قال إبراهيم بن شهاب، قال أبو الحسن البرذعي، حدثني أبو يعقوب الشحام عن أبي الهذيل عن عثمان الطويل قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: هل تعرف في كلام العرب أن أحداً فرط فيما لا يقدر عليه؟ قال: لا، قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: " يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله " الزمر: أفرط فيما فدر عليه أو فيما لم يقدر عليه؟ فقال أبو عمرو بن العلاء لأصحابه: قد أبان لكم أبو عثمان لقدر بحرفين.
قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: كنت امضي أنا وشعبة إلى أبي نوفل بن أبي عقرب فيسأله شعبة عن الحديث، وأسألهن أنا عن الشعر والغريب، فيقوم شعبة لم يحفظ شيئاً مما سألته عنه أنا، وأقوم أنا ولم أحفظ شيئاً مما سأله عنه شعبة.
رأيت امرأة قدمت زوجها إلى أبي جعفر الأبهري المالكي، وكان على قضاء المحول فقالت: أعز الله القاضي، هذا زوجي ليس يمسكني كما يجب، حسبك أنه ما أطعمني لحماً منذ أنا معه، فقال القاضي: ما تقول؟
قال: أعز الله القاضي، البارحة أكلنا مضيرة، قالت المرأة: ويلي، أليس كان طعامنا رائب؟ قال: وتنايكنا ستاً، احسبي أنا أكلنا مضيرة بعصبان.
شاعر:
سلوت عن اللذات لما تولتوأزلمت نفسي تركها فاستمرت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتىفإن أطعمت تاقت وإلا تسلت
وأنشد:
حيتك عنا شمال طاف طائفهابجنة فجنت روحاً وريحاناً
هبت سحيراً فهاج الغصن صاحبهموسوساً وتناجى الطير إعلانا
كأن طائرها نشوان من طربوالغصن من هزه عطفيه نشوانا
قال علي بن عبيدة: الأيام مستدعات الأعمال، ونعم الأرضون لمن بذر فيها الخيرات.
وقال الصولي: قال رجل لمحمد بن أبي أمية الكاتب: أين الشعير الذي وعدتني به، فقال: أين البرذون الذي ضمنت لي؟ أنت والله كما قال ابن هرمة:
يحب المديح أبو خالدويفرق من صلة المادح
كبكر تحب لذيذ النكاحوتفرق من صولة الناكح
قال عبد الله بن إبراهيم الجمحي، قيل لابن هرمة: أتمدح عبد الواحد بن سليمان بما لم يقل مثله في غيره:
أعبد الواحد الميمون إنيأغص حذار سخطك بالقراح
فقال: إني أخبركم القصة: أصابني أزمة وقحمة بالمدينة، فاستنهدتني بنت عمي للخروج فقلت لها: ويحك ليس عندي ما يصل جناحي، فقالت لي: أنا أشيع صحابتك بما أمكنني، وكانت عندي ناب لي، فنهضت بها وهيتهجد النوام وتؤذي المساء وليس من منزل أنوله إلا قال الناس: ابن خرمة، حتى وقعت دمشق فأويت إلى مسجد عبد الواحد بن سليمان في جوف الليل، فجلست في المسجد إلى أن نظرت إلى بزوغ الفجر، فإذا الباب ينفلق عن رجل كأنه البدر، فدنا فأذن ثم أهذب ركعتيه فتبينته فإذا هو عبد الواحد، فقمت فدنوت منه وسلمت عليه، فقال: أبا إسحاق؟ قلت: لبيك بأبي وأمي، فقال: آن لك أن تزورنا، طالت الغربة واشتد الشوق فما
وراءك؟ قلت: لا تسألني بأبي أنت، فإن الدهر قد أخنى علي فما وجدت مستغاثاً غيرك؛ فوالله إني لأخاطبه إذا بثلاثة فتية قد خرجوا كأنهم الأشجان فسلموا، فاستدنى الأكبر منهم فهمس إليه بشيء دوني، ودون أخويه، فمضى إلى منزله ولم يلبث أن خرج ومعه عبد ضابط يحمل حزمة من ثياب حتى ضرب بها بين يدي، فهمس إليه ثانية فعدا، فإذا به قد رجع ومعه مثل ذلك، فضرب به بين يدي، فقال لي عبد الواحد: ادن يا أبا إسحاق فإني أعلم أنك لم تصر إلينا حتى تفاقهم صدعك، فخذ هذا وارجع إلى عيالك، فوالله ما سللنا لك هذا إلا من أشداق عيالنا، ودفع إلي ألف دينار وقال لي: قم فارحل فأغق من وراءك، فقمت إلى الباب فلما نظرت إلى ناقتي ضقت، فلما نظر إليها قال: ما هذه؟ واسوأتاه، يا غلام قرب إليه جملي فلاناً، فوالله لأنا كنت بالجمل أشد سروراً مني بكل ما نلت، فهل تلومونني أن أغص حذار سخط هذا بالماء القراح؟! والله ما أنشدته ليلتئذ بيتاً واحداً.
أنشد الأصمعي لشاعر:
رب غريب ناصح الجيبوابن أب متهم الغيب
ورب عياض له منظرمشتمل الثوب على العيب
والناس في الدنيا على نقلةعلى شباب وعلى شيب
أنشد المبرد لبشار:
خليلي من كعب أعينا أخاكماعلى دهره إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنهمخافة أن يرجى نداه حزين
كأن عبيد الله لم يلق ماجداًولم يدر أن المكرمات تكون
إذا جئته في حاجة سد بابهفلم تلقه إلا وأنت كمين
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلىوفي كل معروف عليك يمين
وقع أبو صالح ابن يزداد في وزارته إلى عامل: ليس عليك بأس ما لم يكن منه يأس.
ووقع أيضاً إلى عامل: قد تحاوزت لك، وإن عدت أعدت إليك ما صرفته عنك.
ووقع أيضاً إلى عامل اعتد بكفاية وزاد: أدللت فأمللت، فاستصغر ما فعلت تبلغ ما أملت.
وأنشد:
يا عمر بن عمر بن الخطابإن وقوفاً بفناء الأبواب
يدفعني الحاجب بعد البوابيعدل عند الحر قلع الأنياب
قال الماهاني: كانت في بعض الديارات راهبة قد انفردت بعبادتها، وكانت تقري الضيف وتجير المنقطع، وكانت النصارى تتمثل بعبادتها وعفافها، فمر بالدير رجل كان من شأنه أن يدخر الوفواكه، فيحمل في الضيف فواكه الشتاء، وفي الشتاء فواكه الصيف إلى الملوك، ومعه غلام له وحمار موقر من كل فاكهة حسنة، فقال للغلام: ويحك، أنا منذ زمان أشتهي
هذه الراهبة، فقال العلام: كيف تصل إليها وهي في نهاية العفاف والعبادة؟ فقال: خذ معك من هذه الفاكهة وأنا أسبقك إلى سطح الدير فإذا سمعتني أتحدث معها بشيء فأرسل ما معك من الروزنة؛ فأصعد الغلام سطح الدير، وجاء الرجل فدق الباب فقالت: من هذا؟ قال: ابن سبيل وقد انقطع بي، وهذا الليل قد دهمني، ففتحت ودخل، وصار إلى البيت الذي الغلام على ظهره، وأقبلت هي على صلاتها، وقالت: لعله يحتاج إلى عام، فجاءته به وقالت: كل، فقال: أنا لا آكل، قالت: ولم؟ قال: لأني ملك بعثني الله تعالى إليك لأهب لك ولداً، فارتاعت لذلك وجزعت، وقالت: أليس كان طريقك على الجنة فهلا جئت معك بشيء منها؟ قال: فرفع الرجل رأسه وقال: اللهم بعثني إلى هذه المرأة، وهي بشر، وقد ارتابت فأرها يا رب برهاناً، وأنزل عليها من فاكهة الجنة فتزداد بصيرة ومعرفة، فرمى الغلام برمانة من فوق، وأتبعها بسفرجلة، ثم بكمثراة، ثم بخوخة، فقال: ما بعد هذا ريب فشأنك وما جئت له، فشال برجليها وجعل يدفع فيها وهي تمر يديها على جنبيه كأنها تطلب شيئاً، فقال لها: ما تلتمسين؟ قالت: نجد ف كتابنا أن للملائكة أجنحة وأراك بلا جناح، فقال: صدقت، ولكنا معشر الكروبيين بلا جناح.
لما ولى خالد بن عبد الله القسري بلال بن أبي بردة، وكان حمزة بن بيض صديقاً له صار إليه، وأقام على بابه أياماً لا يؤذن له، فكتب رقعة:
قل للأمير جزاك الله صالحةقرم إليه التقى والمجد والدين
فهل ترى حرجاً في شرب صافيةصهباء ينقب عن خرطومها الطين
وهل ترى حرجاً في نيك أرملةمسكينة ناكها قوم مساكين
فلما قرأها بلال قال: ابن بيض والله، أدخلوه، فلما دخل ابن بيض قال: ما كنت والله لأصل إليك يا فاسق إلا بالشر.
كان المغيرة بن شعبة من كبار المدنين للشراب، لم ينهه الإسلام وصحبة الرسول ﵇ حتى قال لصاحب له يوم خيبر: قدمت إلى الشراب ومعي درهمان زائفان، فأعطني زكرتين، فأعطاه، فصب في إحداهما ماء، وحتى بعض الخمارين فقال: كل بدرهمين، فكال في زكرته، فأعطاه الدرهمين فردهما وقال: هما زئفان، فقال: ارتجع ما أعطيتين فكاله وأخذه، وبقيت في الزكرة بقية فصبها في الفارغة، ثم فعل ذلك بكل خمار بخيبر حتى ملأ زكرته ورجع ومعه درهماه.
وهذا الفعل يجمع نذالة وإثماً وخبثاً وسقوطاً.
محمد بن عبد الله الحمصي:
عاشر الناس بالجميل وسدد وقارب
واحترس من أذى الكرام وجد بالمواهب
لا يسود الجميع منلم يقم بالنوائب
ويحوط الأدنى ويرعى ذمام الأقارب
فتفهم فإننيعالم ذو تجارب
لا تواصل إلا الشريف الكريم الضرائب
من له خير شاهدوله خير غائب
واجتنب وصل كل وغد دنيء المكاسب
نيرب لا يزال يوقد نار الحباحب
لا تبع عرضك المصون بعرض المكالب
أنا للشر كارهوله غير هائب
سرق رجل من مجلس معاوية كيساً فيه دنانير، ومعاوية يراه، فقال الخازن: يا أمير المؤمنين قد نقص من الماس كيس دنانير، قال: صدقت وأنا صاحبه، وهو محسوب لك.
شاعر:
وهبت شمالاً ما اهتدى اللص هديها أنسلالأ متى تنظر إلى الماء يبرد
تكاد رقاق القمص وهي خفيفةعلى الشرب تندى م نسيم لها ندي
وما أدركت في مرها لم تطر بهولو كان من أطراف قطن مزبد
قال أبو ذر: نرعى الخطائط ونرد المطائط، وتأكلون خضماً ونأكل قضماً، والوعد الله، قال يعقوب: الخطيطة: أرض لم يصبها مطر بين أرضين قد مطرت؛ والمطيطة: ما تسأره الإبل في الحياض فيخثر بأنفاسها، والخضم: أكل الشيء الرطب، والقضم: أكل الشيء اليابس.
قال يعقوب: هذا معلقم أي فيه مرارة.
روى الرئيس ابن العميد في أمثال العرب إذا حثت على المواساة في الشيء القليل: أطعم أخاك عقنقل الضب.
وقال: ويقال: أطعم أخاك من كلية الأرنب ويقال: لا يقوم بهذا الأمر إلا ابن إحداهما، أي ابن الداهية التي هي إحدى الدواهي.
ويقال لمن يفسد ولا يصلح: يوهي الأديم ولا يرقعه.
ويقال: الصبي أعلم بمصغى خده، أي هو أعلم بمن ينفعه.
ويقال: سطي مجر، ترطب هجر، أيتوسطي المجرة، لأنها إذا توسطت السماء أرطب النخل بهجر.
يقال: لا يملك حائن دمه.
ويقال: رب حام لأنفه وهو جادعه.
ويقال: جاء فلان يضحك ظهراً لبطن، أي يلتفت يميناً وشمالاً.
ويقال للشيخ: أدبر غريره، وأقبل هريرة، والغرير: الخلق الحسن.
ويقال: خل بين أهل الخلاعة والمجانة، ويريد أهل الفحش والخنا.
ويقال: لأصحبنه صبوحاً حازراً، إذا توعد، والحازر: لبن قد حمض.
ويقال: ما أسن الرجل إلا تقبل أباه.
ويقال: لم يبق من شيخك إلا حبقه.
ويقال: أرض من العشب بالخوصة.
ويقال: لا تكن كالباحث عن الشفرة.
ويقال: يكسو الناس واسته عارية، يعني المغزل.
ويقال: جرى منه كلامي مجرى اللدود، يعني بلغ كل مبلغ، واللدود دواء يصب في إحدى شقي الإنسان.
ويقال: بينهم داء الضرائر.
ويقال: أنت كالخروف، أين مال اتقي الأرض بصوف.
ويقال: ما كانوا عندنا إلا كلفة الثوب.
والغزل والمحاضنة والمراودة والسمودة واحدة.
ويقال: ذهبت دماؤهم درح الرياح، أي طلت.
ويقال: إن في المرقعة لكل كريم مقنعة؛ والمقنعة: الغنى، وهو أيضاً من قنع، والقنع: الغنى.
ويقال في الدعاء السوء: زادك الله رعالة كلما ازددت مثاله؛ والرعالة: الحماقة، يقال: رجل أرعل، وامرأة رعلاء، وقوم رعل.
ويقال: إذا قل الأعوان كل اللسان.
ويقال: للجرادة: بقلة شهر وشوك دهر.
وقالت فارك لأمها بعدما نشزت على زوجها: إنه بارد الكمرة، فقال زوجها لبني عمه: يا بني عم سحنوا الكمر، فذهبت مثلاً.
ويقال: فلان بين العصا ولحائها، إذا كان جيد المنزلة ثابت المودة.
ويقال: تركته على مثل مشفر الأسد، في الشدة والخوف.
ويقال: كلمتته فميا وجم لي وجمة ولا أظهر رحمة ولا نأم نأمة ولا وشم لي وشمة ولا هم لي ببنت شفة ولا نغى لي نغية.
ويقال: قد قلينا صفيركم.
ويقال: قوم يمصون الثماد وآخرون حلوقهم في الماء.
ويقال: ليس الرقاد للفتى بمغنم.
ويقال: استر عورة أخيك ما يعلم فيك.
ويقال: رب مخيل مخلف.
ويقال: ربما صدقك المادح.
ويقال: حتى متى نكرع وأنت لا تنقع.
ويقال: يسقيه من كل يد بكاس، والقلب بين طمع ويأس.
مثل يمثلون به:
مالك لا يقصى ولا يسرحواليأس مما لا ينال أروح
هكذا كان فس مسودة ابن العميد يقصى بالصاد ولعله: يقضي ويسرح.
ويقال: اهتك ستور الشك بالسؤال.
ويقال:
النحب يكفيك النطى المحيلا
ويقال: شمر إذا جد بك لسير.
ويقال: كل مبذول مملول.
ويقال: ما هذا البر الطارق؟ ويقال: ما شهم حمار؟ أي ما ذعرك.
ويقال: الليل جنة كل هارب.
ويقال: اللهم قدر الأية، والأية مصدر أوى أي رحم.
ويقال: الصدق في بعض المواطن عجز.
ويقال: الأيام عوج رواجع.
ويقال: لا تنفع حيلة من غيلة.
ويقال: لا تطمع في كل ما تسمع.
ويقال: لا علة، لا علة، هذه أوتاد وأخلة.
ويقال: دع الوعيد يذهب بالبيد.
ويقال: حافظ على الصديق ولو في الحريق.
ويقال: هلا على إبل بالدهناء؛ الدهناء تمد وتقصر.
ويقال: أنف في السماء واست في الماء.
ويقال: أنت بين كبدي وخلبي.
إلى ها هنا هو ما نقلته من مسودة ابن العميد، وكان فيها أيضاً أبيات، وهي في تشبيه الذوائب بالكرم والعناقيد.
البسيط
تسبي الحليم ببراق عوارضهمن الجوازئ بين الحل والحرم
وفاحم كقضيب الكرم عقدهأيدي المواشط بالحناء والكتم
آخر:
ويضل مدارها المواشط فيجعد أغم كأنه كرم
ولشاعر:
يسبين قلبي بأطراف مخضبةوبالعيون وما وارين بالخمر
وارين جعدا رواء في أكمتهمن كرم دومة بين السيح والجدر
ترى نواطيره في كل مرقبةيرمون عن وارد الأطراف منهمر
لبعض قريش:
جارية فوعها كرومصحيحة كأنها سقيم
كالشمس تنشق لها الغيوم
لابن مطير:
سبتني بعيني مغزل وباردتعكف تعكيف الكروم ضفائره
كثير:
وتدرأ بالمدرى أثيثاً نباتهكجنة غربيب تدلت كرومها
لمعن بن أوس:
ووحف تنثنى في العقاص كأنهعليها إذا دبت غدائره كرم
لابن مقروم:
قامت تريك غداة البين منسدلاًتخاله فوق متنيها العناقيدا
ابن مقبل:
عشية أبدت جيد أدماء مغزلوطرفاً يريك الإثمد الجون أخضرا
وأسحم مجاج الدهان كأنهعناقيد من كرم دنا فتهصرا
سئل بعض الأعراب عن معنى هذه الآية: " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا " الكهف: قال: البخيل الذي يأكل ماله غيره.
كان خالد بن صفوان بن الأهتم من سمار أبي العباس، ففخر ناس من بلحارق بن كعب وأكثروا، فقال أبو العباس: لم لا تتكلم يا خالد؟ قال: أخوال أمير المؤمنين وأهله؛ قال: فأنتم أعمام المؤمنين وعصبته، قال: خالد: ما عسى أن أقول لقوم كانوا بين ناسج برد، وقائد قرد، ودابغ جلد، دل عليهم هدهد، وغرقتهم فأرة، وملكتهم امرأة.
قالت أعرابية: أصبحنا ما يرود لنا فرس، ولا ينام حرس.
اشترى بعض الأمراء أرضاً بالبادية فقال له صاحبها: إن ترسل إليها أيها الأمير فهي أوفر من الرمانة، وإن تدعها فهي أمنع من آست النمر.
قال الحسن: البلاغة ما فهمته العامة ورضيته الخاصة.
قال ابن المقفع: إياك والتتبع لوحشي الكلام طمعاً ف نيل البلاغة، فذلك العي الأكبر.
كاتب: تفيأ ظل الخفض والدعة، وتبوأ محل الخصب والسعة، فذا للغرض المقصود بك مخالف، وأنت بما فيه من العضيهة عارف.
السعيد من زادت مجاري القدر في استبصاره، ووقعت حوادث الغير موقعها من اعتباره.
لا عارض جنابك خورن ولا رد باعك قصر.
وانتقض من الأسباب ما هو منتظم، وامتد من الأطماع ما هو من حسم.
وضعت خدي للأيام أستعيد منها عهد الاجتماع، وأستعيذ بها من برح النزاع.
وهب كدر قوله لصفاء عقيدته، ونقصان إصابته لزيادة طاعته، فسفحت العيون دماً، واستبيح من العزاء حمى.
سقطة صريعها لا يستقل، وسليمها لا يبل.
يستولي في النصح على الأمد، ويستمر في الذب على الوعث والجدد.
حمداً يصعد في أطيب الكلم إلى الله، ويرجع بأدوم المزيد من الله.
نسأل الله توفيقك لكل أمر جامع في الحظ منك، بالحظ لك، وقضاء الحق عليك بالحق فيك.
نحن نستعذب مزيد الثناء عليك كما نستحسن جديد البلاء منك، ثم
لا ترى كثير يكافئ صدق اجتهادك، كما أنك لا ترى كثير البلاء يبلغ كنه اعتقادك.
نيأل الله أن لا يخلينا من لسان طويل في الثناء عليك، ولا يخليك من باع طويل إلى كفاية اأسندناه إليك، وكلما جربناه أحمدناه، وكلما أمضيناه ارتضيناه.
حتى إذا كان طول الاستعمال يؤثر في حده، لطف الله تعالى برده إلى غمده، فصان حده من أن ينفتل، وحمى متنه من أن يحتمل.
ومن خصائص ما رفع الله تعالى بين الأولياء قدرك أنه جعل الشكر لنا ممن في وزن البر منك، فلا النعماء نقصت، ولا حقوقها بخست، بل كرم منها ورد وصدر، وطاب غرس وثمر، وزكا أول وآخر، وصفا باطن وظاهر؛ تلك منزلتك التي تبوأتها ي الجماعة، وتوطأتها في صدث الطاعة.
أهنأ التهاني موقعاً، وأزكاها موضعاً، تهنئة كان مصدرها عن صدر بالولاء معمور، وعقد بالصفاء مخبور.
سيفك من دمائهم ينطف وأقدامهم من خوفك ترجف، بهم حرس الله أكنافها، وعليهم ادر أخلافها.
به يرجع كوكب الوحشة للأفول، ويزحزح موكب الأنس للقفول.
هذا الكاتب الذي رويت عنه هذه الفصول هو أبو القاسم الإسكافي كاتب خراسان، ولم يوجد في أهل المشرق أكتب منه في زمانه، وهذا مختار مما مر في طريقته، على أنه مردود الفن بالعراق، وذلك لتكلف يسير يعتري كلامه، وتباعد في التأليف عن العادة.
سرف رجل درة رائعة لجعفر بن سليمان الهاشمي، وباعها السارق ببغداد بمال جليل، فعرفها أصحاب الجوهر، وكان قد تقدم إليهم في البحث عنها، فحملوا الرجل إلى جعفر، فلا بصر به عرفه فاستحيا منه، فقال للسارق: ألم تك طلبت مني هذه الجوهرة فوهبتها لك؟ قال: بلى أصلح الله الأمير، فقال: لا تتعرضوا له؛ فباعها الرجل بمال عظيم.
كان سليمان بن عبد الملك خرج في أيام أبيه لنزهة، فقعد يتغدى مع جماعة، فلما حان انصرافه شغل حشمه بالترحال، فجاء أعرابي فوجد منهم غفلة، فأخذ دواج سليمان فألقاه على عاتقه، وسليمان ينظر إليه، فصاح به بعض الحشم: ألق ما معك ويلك، قال: لا، ولا كرامة لك، قد خلعه علي الأمير، فضحك سليمان وقال: صدق، أنا كسوته، ومر الأعرابي كالريح.
واستلب رجل رداء طلحة بن عبيد الله، فذهب ابن أخيه يتبعه، فقال له طلحة: دعه، فما فعل هذا إلا من حاجة.
قال عبي بن عبيدة: من أنس بالساعات، أباح نفسه للغوائل.
أخذ رجل مع زنجية قد أعطاها نصف درهم، فلما أتي به إلى الوالي أمر بتجريده وجعل يضربه ويقول: يا عدو اله، أتزني بزنجية؟ فلما أكثر قال: أصلحك الله فبنصف درهم أيش كنت أجد؟ فضحك وخلاه.
وجد قوم زنجية مع شيخ في مسجد ليلة الجمعة، وقد نومها على جنازة، فقيل له: قبحك الله من شيخ، فقال: إذا كنت أشتهي وأنا شيخ لا ينفعني شبابكم، قالوا: فزنجية؟ قال: من منكم يزوجني بعربية؟ قالوا: ففي المسجد؟ قال: من منكم يفرغ لي بيته ساعة؟ قالوا: فعلى جنازة؟ قال: من يعطيني سريره؟ قالوا: فليلة جمعة؟ قال: إن شئتم فعلت ليلة السبت، فضحكوا منه وخلوه.
قال يعقوب: يقال: تسدى فلان فلاناً إذا أخذه من فوقه وأنشد لابن مقبل:
أنى تسديت وهناً ذلك البينا
وتسدى في المشي إذا انبسط قال يعقوب: كلب فغم: مولع بالصيد حريص عليه. ويقول العرب للكلب: ما أشد فغمه؛ ويقال: فغمتني ريح إذا سدت خسا شيمك.
ويقال: لص كذا إلى كذا إذا ضم بعضه إلى بعض؛ وأنشب أظفاره أي أعلقها؛ الهبول: الثكول.
ويقال: رجل أنسى ونس إذا اشتكى نساه؛ كما يقال أرمد ورمد، وأحدب وحدب، وأحمق وحمق، وأخرق وخرق، وشيء أخشن وخسن، وأنكد ونكد، والحجم: المص، وبه سمي الحجام؛ سمعت غيطلة القوم أي أصواتهم، وكل شجر ملتف: غيظل.
أيام الصفرية: نحو من عشرين يوماً في آخر القيظ، وقيل البرد، ويقال: سميت الصفرية لأن المال يتصفر فهيا، أي تحسن ألوانه.
ويقال للرجل: قد عجر لقتال القوم إذا أجمع قتالهم، وقد عجر الفرس بذنبه إذا شال به أي رفع.
ويقال: جاء بثريد مصمعة إذا دققها وأحد رأسها، ومنه سميت الصومعة؛ وحرب صمعاء أي شديدة.
الجحاف: مزاحمة السيل، جحفة، يجحفه؛ يقال للرجل إذا كان غليظاً: إنه لذو كدنة، والجحاف: المزاحمة، والموادحة: الكسر، يقال: سيل جحاف وجراف وقعاف. قال الكلابي: فلان يقلف ما مر به: أي يذهب به؛ ويقال: ناس قد أجحف بهم الدهر.
كتب أبو شراعة الشاعر البصري إلى عيسى بن موسى بن موسى ابن صالح بن شيخ بن عميرة السدي: وصل كتابك بسلامة الله لك، وإجرائه إياك على جميل العافية، فسرني وآنسني، ألا وإن عهدك وودك كرها إلي الناس بعدك، فلا أجالس إلا مذموماً، ولا أعاشر إلا ملوما، ولا أبيت بعد فراقك إلا مهموماً.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع