تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الثامن (٣)

قال: ويقال: عنّي عن الأمر إذا منع منه.

قال: وقال الزّبير: أنشدني سليمان بن داود المجمعي لعمر بن مدبر العجلاني يرثي عبد العزيز بن مروان وأبا زبّان الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان:

أبعدك يا عبد العزيز بحاجةٍوبعد أبي زبّان يستعتب الدّهر
فلا صلحت مصرٌ لخلقٍ سواكماولا سقيت بالنّيل بعدكما مصر
وأصبح مجراه من الأرض يابساًيموت به العصفور وانجدب القطر
فمن ذا الذي يبني المكارم والعلىومن ذا الذي يهدى له بعدك الشّعر
وبعدك لا يرجى وليدٌ لنفعهوبعدك لا ترجى عوانٌ ولا بكر
وأصبحت الزوّار بعدك أمحلواوأكدى بغاة الخير وانقطع السّفر
وكنت حليف العرف والمجد والنّدىفمتن جميعاً حين غيّبك القبر

قال ثعلب: أنشدني عبد الله بن شبيب قال، أنشدني محمد بن الحسن العقيليّ:

ما استضحك الحسن إّلا من نواحيكولا اغتدى الطّيب إلا من تراقيك
عن مقلتيك رأينا الحسن مبتسماًدهراً كما ابتسم المرجان من فيك
يا بهجة الشّمس ردّي غير صاغرةٍعليّ قلباً ثوى رهناً بحبيّك
ما استحسنت مقلتي شيئاً فأعجبهاإّلا رأيت الذي استحسنته فيك
إذ منك يبتسم الإقبال عن غصنٍلدنٍ ويضحك عن دعصٍ تولّيك

وقال: بيوت العرب ستةٌ: قبّةٌ من أدم، ومظلّةٌ من شعر، وخباءٌ من صوف، وبجادٌ من وبر، وخيمةٌ من شجر، وأقنةٌ من حجر.

قيل لأعرابيّ: أيّ شيءٍ ألذّ في العين؟ قال: نظرةٌ على خطرة، قيل: فأيّ شيء أحلى في القلب؟ قال: كسر الجفون، ومراسلة العيون.

قال سفيان بن عيينة: أكبر الكبائر الشّرك بالله تعالى، والقنوط من رحمة الله ﷿، واليأس ن روح الله عزّ ذكره، والأمان من مكر الله جلّ ثناؤه، ثم قرأ: " فلا يأمن مكر الله إّلا القوم الخاسرون ومن يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنّة ولا ييأس من روح الله إّلا القوم الكافرون ومن يقنط من رحمة ربّه إّلا الضّالّون ".

وقال: ثنتان منجيتان، وثنتان مهلكتان؛ فالمنجيتان النّهي والنّيّة، قال: والنّيّة أن تنوي أن تطيع الله فيما تستقبل، والنّهي أن تنهى نفسك عمّا حرّم الله عليك؛ والمهلكتان: العجب والقنوط.

سئل سفيان بن عيينة: هل حرّمت الصّدقة على أحدٍ من الأنبياء قبل محمد ﵌ وقبل عترته الطّاهرة؟ قال: ألم تسمع قول إخوة يوسف: " وتصدق علينا إنّ الله يجزي المتصدّقين " وهم لا يعرفون يوسف، يريدون أن يتصدّق عليهم وعلى يعقوب.

سئل سفيان بن عيينة عن الكراهية لرفع الصوت وكثرة الكلام عند الميت وفي الجنازة قال: لأنه الحشر إلى الآخرة، ألم تسمع قوله: " يومئذ يتّبعون الدّاعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إّلا همساً " فلتعظيم الموت استحبّ قلّة الكلام.

وسئل عن قوله صلّى الله عليه: " لا يضرّ المدح من عرف نفسه "، قال: ألم تسمع قوله " اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظٌ عليمٌ "، وقول العبد الصالح: " إنّي لكم رسولٌ أمينٌ "، أي لكم ناصحٌ أمين، فمن عرف أنّ ما به من نعمةٍ فمن الله تعالى فال بأس " وأمّا بنعمة ربّك فحدّث "، وإن أثنى عليه غيره عرفت أنّ ذلك ستر الله تعالى ونعمته، ألم تسمع قول الله تعالى: " وجعلنا لهم لسان صدقٍ عليّاً "، وكان محمدٌ صلّى الله عليه لسانه الذي أنطقه الله تعالى عنه، فأكذب من قال فيه غير الحقّ: " إنّ إبراهيم كان أمّةً قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين "، وقال: " ما كان إبراهيم يهوديّاً ولا نصرانياً "، فهذا اللسان الصّدوق. وقال ابن مسعود: إنّي لأعلمكم بكتاب الله تعالى وما أنا بخيركم؛ وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: إنّ بين جنبيّ علماً جماً فسلوني قبل أن تفقدوني. فمن عرف أنّ الأمر من الله تعالى لم يضّره المدح، لأنّه قد عرف نفسه، ولا يضرّ ثناءٌ من أثنى عليه كقول عمر: اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً ممّا يظنّون.

هذا الكلام لأبي بكرٍ وقد رواه لعمر، والله أعلم بحقيقة الخبر.

سئل سفيان بن عيينة عن قول مطّرفٍ: فإذا بدء الأمر من الله، وتمامه بالله، وملاكه الدعاء، قال: ألم تسمع قوله تعالى: " ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين، ادعوا ربّكم تضّرعاً وخفيةً ".

يقال: ما الكبر، والجبر، والنّبر، والدّبر، والسّبر، والشّبر، والغبر، والعبر، والسّدر، والهتر، والغمر، والزّبر.

قال عبد الله بن جعفر: عيسى بن دأبٍ يكنى أبا الوليد، وكان من رواة الأخبار والأشعار، وكان معلّماً، وكان من علماء الحجاز.

قال أبو عبيدة: أنشد ابن دأب:

وهم من ولدوا أشبوابسرّ الحسب المحض
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة

فبلغ أبا عمر بن العلاء فقال: أخطأت استه الحفرة، إنما هو أشبوا أي كفوا، أما سمع قول الشاعر:

وذو الرّمحين أشباكمن القوّة والحزم

لأبي غانم:

أبا غانمٍ أمّا ذراك فواسعٌوقبرك معمور الجوانب محكم
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أبا غانم أما ذراك فواسع»
وهل ينفع المقبور عمران قبرهإذا كان فيه جسمه يتهدم

للعتبي:

أين الشباب الذي كنّا تلذّ بههيهات مات ومات الغصن والورق

وله:

أنا في عصبةٍ بهائم نوكىما تساوي عقولهم شسع نعلي
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

وله:

وصاحب لي أبنيه ويهدمنيلا يستوي هادمٌ يوماً وبنّاء
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
إذا رآني فعبدٌ خاف معتبةًوإن نأيت فثمّ الغمر والدّاء
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة
لا يقطع العين منه عن ملاحظةٍكأنّها لاستراق الطّرف حولاء
للشاعر العتبي، اقرأ القصيدة

قال يعقوب: يقال: كيف سيماؤهم - محرّك ومخفّف - أي كيف هيئتهم.

ويقال: ريح الغصن يراح فهو مروحٌ إذا صفقته الريح.

لمّا اضطرّ كسرى أبرويز إلى الهرب من بين يدي بهرام شوبين اتبعه بالخيل، فجعل يقول بأعلى صوته: يا عجباً للدّهر الفاسد المنكر كيف تشتمل فضائحه حتى يصير العاقل جاهلاً، والبصير أعمى، والمحسن مسيئاً، والسّليم سقيماً، والبرّ فاجراً، والوفيّ غادراً، والشّكور كفوراً، والقاصد حائراً، والمنصور مخذولاً، والمهتدي ضالاً، والمتماسك مهتوكاً.

قد تعجّب كسرى من متعجّب منه، فإنّه لو اندفع الخطباء البرعة، وأصحاب اللّسن دهرهم الأطول في القول والتّعجّب ما بلغوا شطر ما عليه حال الدّهر، وإنّي لشريك كلّ متعجّبٍ منه. وأزيد شيئاً: وذلك أنّ تعجّبي من الراكن إلى الدّنيا، والحالم بها، والنائم تحت أفيائها، والمنغمس في بحرها، والطّالب لما منع منها أشدّ جداً، وما أخلق العاقل المتصفّح أن يهجر اللؤم واللّئيم والدّنيا اللئيمة، فطلبها لؤمٌ، ولم يطلبها إّلا من هو ألأم منها، وإّلا فحدّثني لمن وفت، ولمن صفت، وعلى من بقّت، وإلى من أحسنت؟ هيهات، من ذا الذي لبس وشيها فلم يبطر، ومن ذا الذي ثمل من خمرها فلم يسكر، ومن ذا الذي حمي عنها فلم يضجر، ومن ذا الذي نظر إلى زخرفها فلم يغترّ، ومن ذا الذي سمع غناءها ولم يرقص، ومن ذا الذي تمّ عليها وبها فلم ينقص، ومن ذا الذي ربح فيها فلم يخسر؟ قال يعقوب: قد ريّث فلانٌ نظره يريّثه ترييثاً؛ نظر العتّابيّ إلى رجلٍ من أصحاب الكسائي فقال: إنّه ليريّث النّظر. وقد رنّق النّظر، وأصله من ترنيق الطّير إذا جعلت ترفرف ولا تسقط.

قال يعقوب: انتضى سيفه، وانتضله، وامتشقه، وامتشله، واخترطه، وامتلخه، وقربت السّيف: جعلته في القراب، وهو الجربّان، وتخفّف: الجربان. ولأقيمن أودك ودرأك وجنفك. وفلانٌ يتبرّض ما عند فلانٍ أي يأخذ من القليل بعد القليل، ويقال: برضت له أبرض برضاً، ونضضت له أنضَّ، أصله من البئر النّضوض والبروض، وهي التي يأتي ماؤها قليلاً قليلاً. ويقال: ذلاذل الثّوب: أطرافه. ويقال: عجمته العواجم. ويقال: رجلٌ منجّدٌ - بالذال منقوطةً - ومجرّسٌ، ومقلّسٌ، ومنقّحٌ؛ هكذا قال. وفهمت ذلك في عروض كلامه، وفي فحوى كلامه - بالمدّ والضمّ.

ويقال: إنّ عليّ منه أوقاً أي ثقلاً، وقد آقني يؤوقني، قال الراجز:

إليك حتى قلّدوك طوقهاوحمّلوك عبئها وأوقها

وقال بعض الأعراب لآخر: أنت ناخٍ وأنا راخٍ فهل من تواخٍ؟ نهى رسول الله صلّى الله عليه ان يصلّي وهو زناءٌ - مفتوح الزاي ممدود مخفّف - أي وهو حاقن.

قرع رجلٌ باب أحد الأولين فقال لجاريته: أبصري من القارع، فأتت الباب فقالت: من ذا؟ قال: أنا صديقٌ لمولاك، قال الرجل: قولي له والله إنّك لصديق، فنهض الرجل وبيده سيفٌ وكيسٌ، يسوق جاريته، وفتح الباب فقال: ما شأنك؟ قال: راعني أمر، قال: لا يك ما ساءك، فإنّي قد قسمت أمرك بين نائبةْ فهذا المال، أو عدوٍّ فهذا السيف، أو أيّمٍ فهذه الجارية.

قال فيلسوف: إنّ الشراب على طبائع الإنسان، وذلك أنّ

الطّافي كالزّبد هو الصّفراء، والرّاسب كالثّفل هو السّوداء، والقوام الدم، وما رطب فهو الرّطوبة.

قال أعرابيٌّ لصاحبٍ له: أنت شرسٌ وأنا مرس، فكيف نلتبس؟ كان أفلاطون يعذل على تقديم أرسطاطاليس أيام اختلافه إليه واقتباسه منه مع تلامذته، فقال يوماً: إنّي لست أقدّمه ولكن نفسه قدّمته، وإن أردتم تصديق ذلك سألتكم الساعة عن مسألةٍ لتذاكروا فيها، فقالوا: سل، فقال: ما أعجب الأشياء؟ فقال بعضهم: السماء والكواكب، وقال: بعضهم: الأرزاق، وقال بعضهم: الإنسان، وحضر أرسطاطاليس فسأله فقال: أعجب الأشياء ما لم يعرف سببه.

اشترى عليّ بن الجعد جاريةً بثلاثمائة دينار، فقال له ابن قادم النّحويّ: أيّ شيءٍ تصنع بهذه الجارية؟ فقال: لو كان هذا ممّا يجرّب على الإخوان لجرّبناه عليك.

قال ثعلب، قال رجلٌ لابن قادم: أها هنا فرقٌ بين قام زيدٌ وعمروٌ جميعاً، وقام زيدٌ وعمروٌ معاً، فضجّ، فقلت: لم تضجّ، معاً يقع

القيام في حالةٍ، وجميعاً يكون معاً في وقتين.

قدم محمد بن حسّان الضّبي على أبي المغيث الرّافقي فمدحه فوعده بثواب، فتأخّر عنه فكتب إليه ابن حسّان:

عدّيت بالمطل وعداً راق مورقهحتّى لقد جفّ منه الماء والعود
سقياً للفظك ما أحلى مخارجهلولا عقارب في أثنائه سود
للشاعر محمد بن حسان الضبي، اقرأ القصيدة

للعبّاس بن الأحنف:

أسأت إذ أحسنت ظنّي بكموالحزم سوء الظنّ بالناس
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا فوز يا منية عباس»
يقلقني شوقي فآتيكموالقلب مملوءٌ من الياس

قال الصّولي: كان عمران المؤدّب يجالس أبا سمير الكاتب مع ندمائه، فسقاهم يوماً نبيذاً جيّداً، فجعل أبو سمير يصف نبيذه ذلك، فقال له عمران: قد سقيتنا ألف زقٍّ خلاًّ ما نطقت بحرفٍ حتى كأنّك باقلٌ عيّاً، فلمّا غلطت يوماً بنبيذٍ جيّدٍ صرت ذا الرّمة مشبّباً بميّ، وجميلاً واصفاً بثنية، وكثيّراً مخبراً عن عزّة.

لإسحاق:

سلامٌ على من ملّنا وتجافاناوأبدلنا بالودّ صرماً وهجرانا
أليس مسيئاً من نسرّ بقربهونذكره في كلّ حالٍ وينسانا
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
فما حلّ في قلبي محلاًّ حللتهسواك ولا أحببت حبّك إنسانا
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

قال الزّبير بن بكّار: سعى إسحاق بن إبراهيم التّميميّ مع بعض الرؤساء مشيّعاً فقال:

فراقك مثل فراق الحياةوفقدك مثل افتقاد الدّيم
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
عليك السلام فكم من وفاءٍأفارق منك وكم من كرم
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

للزّبير بن بكّار في قثم بن جعفر:

لما رأيت أميرانا متجهّماًودّعت عرصة داره بسلام
ورفضت صفحته التي لم أرضهاوأزلت عن رتب الدّناة مقامي
ووجدت آبائي الذين تقدّمواسنّوا الإباء على الملوك أمامي

قال عليّ بن ميثم: غضب يحيى بن خالد على بعض كتّابه، فكتب إليه الكاتب: إنّ لله تعالى قبلك تبعات، ولك قبله حاجات، فأسألك بالذي يهب لك التّبعات، ويقضي لك الحاجات، إّلا وهبت تبعتك قبلي؛ فرضي عنه.

وقال يحيى بن خالد: ما رأينا العقل قطّ إّلا خادماً للجهل.

ليته فسّر وذكر الوجه والعلّة، وما أكثر ما يرسلون الكلام إرسال الآمن من التتبّع.

قال ابن شهاب الزّهري: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال لي: من أين قدمت يا زهريّ؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلّفت يسودها؟ قلت عطاء بن أبي رباح، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بالديّانة، قال: إنّ أهل الديّانة والرّواية لينبغي أن يسودوا. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبدٌ نوبيٌّ أعتقته امرأةٌ من هذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران، قال: أمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضّحّاك بن مزاحم، قال: أفمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن البصري، قال: أفمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النّخعيّ، قال: أفمن العرب؟ قلت: من العرب، قال: ويلك فرّجت عنّي، والله ليسودنّ الموالي العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّما هو دينٌ، من حفظه ساد، ومن ضيّعه سقط.

لابن غريضٍ اليهودي:

إبلٌ تبوأ في مبارك ذلّةٍإذ لا ذليل أذل من وادي القرى
للشاعر سعية بن غريض، اقرأ القصيدة
أحياؤهم عارٌ على موتاهموالميّتون شرار من تحت الثّرى
وإذا تصاحبهم تصاحب خانةًومتى تفارقهم تفارق عن قلى
لا يفزعون إلى مخافة جارهموإذا عوى ذئبٌ لصاحبه عوى
إخوان صدقٍ ما رأوك بغبطةٍفإذا افتقرت فقد هوى بك ما هوى
للشاعر الأسعر الجعفي، من قصيدة «هل بان قلبك من سليمى فاشتفى»
هل في السّماء لصاعدٍ من مرتقىًأم هل لحتفٍ راصدٍ من متّقى
وإذا رأيت معمّراً فلتعلمنأن سوف تعركه الخطوب فيبتلى
لله درّك من سبيلٍ واضحٍسيّان فيه من تصعلك واقتنى
من يغلبوا يهلك ومن لا يغلبوايلحق بأرض ثمود حتى لا يرى
للشاعر سعية بن غريض، اقرأ القصيدة
الفقر يزري بالفتى عن قومهوالعين يغضبها الكريم على القذى
والمال يبسط للّئيم لسانهحتّى يكون كأنّه شيءٌ يرى
فارفع ضعفيك لا تصغّر ضعفهيوماً فتدركه العواقب قد نمى
والمال جد بفضوله فلتعلمنأنّ الغنيّ يصير يوماً للثّرى
وابسط يديك لسائليك ولا تكنكزّ الأنامل يقفعلّ عن النّدى
إنّ الكريم إذا أردت وصالهلم تلف حبل إخائه رثّ القوى
أرعى أمانته وأحفظ عهدهجهدي فيأتي بعد ذلك ما أتى
يجزيك أو يثني عليك وإنّ منأثنى عليك بما فعلت فقد جزى
للشاعر السموأل، من قصيدة «إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه»

قال أبو العيناء: سبّ إبراهيم بن رستم يوماً معاوية، فقال له رجل: لم لا تقول هذا بالكرخ؟ قال: ولم لا تصلّي أنت على محمد صلّى الله عليه وعلى آله بالقسطنطينية؟ أنشد أبو العالية لامرأةٍ من الخوارج:

نجلتهم كسيوف الهيد أربعةًبيضاً مصاليت في الهيجاء كالأسد
حتى إذا كملوا في السّنّ واتّسقواأخنى على القوم ما أخنى على لبد
لهفي عليهم فإنّي من تذكّرهمطويلة الحزن والإعوال والكمد
لا أفتأ الدّهر أبكيهم بأربعةٍما اجترّت النّيب أو حنّت إلى ولد

قال أبو العيناء، سمعت الأصمعي يقول: قال أبو العبّاس بن محمد: كنت بفلسطين فبنيت ظلّةً من قصبٍ فأورق، فأنشدني:

ألم تعلما أنّ المصلّى مكانهوأنّ العقيق ذا الظّلال وذا البرد
وأنّ به لو تعلمان أصائلاًوليلاً رقيقاً مثل حاشية البرد

قال أبو العيناء: حدّثني دعبل قال: لقيت عمرو بن سعيد وأنا أريد الحجّ فقلت: هل من حاجةٍ؟ قال: نعم، لا تدع لي فإنّ دعاءك إغراء.

للأعشى:

وفتيةٍ كسيوف الهند قد علمواأن هالك كلّ من يحفى وينتعل

رفع هالكٌ حين خفّف النون، وكذلك: لكن الله، ولكن

الشياطين. وإن الخفيفة تكون في معنى ما قال الله تعالى: " إن الكافرون إّلا في غرورٍ " أي الكافرون، وإنّ وهي مكسورةٌ لا تكون إّلا وفي خبرها اللام، يقولون: إن زيد لمنطلقٌ، ولا يقولونه بغير لامٍ مخافة أن تلتبس بالتي معناها ما، وقد زعموا أنّ بعضهم يقول: إن زيداً لمنطلقٌ يعملها على المعنى، وهي مثل قوله: " إن كلّ نفسٍ لمّا عليها حافظٌ " وما زائدةٌ بالتوكيد، واللام زائدةٌ بالتوكيد.

قال الشّعبيّ: تعايش الناس زماناً بالدّين حتى ذهب الدّين، وتعايشوا بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثمّ تعايشوا بالحياء حتى ذهب الحياء، ثمّ تعايشوا بالرّغبة والرهبة، وسيتعايشون بالجهالة زماناً طويلاً.

قيل لحكيم: صف لنا الدّنيا وأوجز، فقال: ضحكة مستعبر.

قال عيسى بن مريم ﵇: لو لم يعذّب الله تعالى على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصى شكراً على نعمته.

قال أحمد بن أبي الحواريّ: بلغني عن رباح القيسي أنّه كان له غلامٌ أسود لا ينام الليل، فقال له: لم لا تنام يا غلام؟ قال: إنّي إذا ذكرت الجنّة اشتدّ شوقي، وإذا ذكرت النار اشتدّ خوفي، وإذا ذكرت الموت طار النعاس عنّي يا مولاي، فمن كانت هذه حالته كيف يهنيه العيش في الدّنيا؟ فبكى رباح وقال: يا غلام، حقيقٌ على من كانت له هذه المعرفة أن لا يستعبد، اذهب فأنت حرٌّ، فبكى الغلام فقال: ما يبكيك؟ قال: يا مولاي، هذا العتق الأصغر فمن لي بالعتق الأكبر؟!

دعا أعرابيٌّ فقال: اللهمّ إنّي أرى من فضلك ما لم أسألك، فعلمت أنّ لديك من النّعم ما لا أعلمه، فصغرت قيمة مطلبي فيما عاينته، وقصّرت غاية أملي عمّا شاهدته.

ودعا آخر فقال: اللهمّ ما أعرف معتمداً من الزيادة فأطلب، ولا أجد غنىً فأترك، فإن ألححت في سؤالك فلفاقتي إلى ما عندك، وإن قصّرت في دعائك فلما تعودت من إسدائك.

دعا آخر فقال: اللهمّ حطني بأمانك، وأرخ عليّ سترك، ولا تصرف عنّي وجهك، ولا تسلّط عليّ من لا يخافك، ولا تولّني غيرك يا من يتولّى الصالحين.

دعا آخر: سبحان من علا فقهر، وقدر فغفر، وسبحان من يحيي الموتى ويميت الأحياء، وهو على كلّ شيءٍ قدير.

قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يدعو ويقول: اللهمّ إنّ ذنوبي تخّوفني منك، وجودك يبشرني عنك، فأخرجني بالخوف من الخطايا، وأوصلني بجودك إلى العطايا، حتى أكون غداّ في القيامة عتيق كرمك، كما أنا في الدّنيا ربيب نعمك.

كتب زاهدٌ إلى آخر: أمّا بعد فإنّك في دار تمهيد، وأمامك منزلان لا بدّ لك من سكنى أحدهما، ولم يأتك أمانٌ فتطمئنّ إليه، ولا براءةٌ فتقصّر، والسلام.

كان بمدينة السّلام رجلٌ ذو يسار، فبينما هو في منزله وقد جلس

يأكل مع امرأته وبين يديه سكباجة وقد فاحت رائحتها، إذ دنا سائلٌ من الباب، وعساه كان ممّن امتحن بنكبةٍ بعد نعمةٍ فقال: أطعموني من فضل ما رزقكم الله تعالى، فقامت المرأة وغرفت من القدر، وأخذت رغيفين لتناوله، فلمّا رأى الزّوج ذلك حلف عليها أن لا تدفع له شيئاً، فمضى السائل خائباً حزيناً، واستوفى الرجل طعامه، وصعد السطح لبعض حوائجه فعثر بشيءٍ فسقط إلى الأرض فوقص ومات، وحازت المرأة ميراثه، وتصرّفت فيه، وضرب الدهر ضربانه. ثمّ إنّ السائل لما لقي من قبح الردّ وشدّة الشّهوة إلى ذلك الطّعام الذي شمّ رائحته عاد إلى منزله وأخذ مضرّبةً كان قد اشتراها، فأراد أن يفتقها ويغسلها ويبيعها فوجد فيها ألف دينار، فأخذها وغيّر حاله بها، ثمّ طلب امرأةُ يتزوج بها، فقالت له بعض الدّلاّلات: ها هنا امرأةٌ صالحةٌ وقد ورثت، فما تقول في مواصلتها؟ فأنعم، فسعت الدلاّلة بينهما حتى اتّفقا واجتمعا، فلما دخل بها تحدّثا يوماً، فقالت المرأة: ما أشدّ ما مضى على رأسك؟ فحدّثها بوقوفه على باب دار وامرأةٌ تأكل مع زوجها، فقالت المرأة: فاعلم أنّ هذه الدار هي تلك، وأنا المرأة، وأنّ زوجي صعد في ذلك اليوم السطح فسقط ومات، وقد أورثك الله تعالى داره وماله وزوجته، فسجد الرجل لله ﷻ شكراً، وحدّث إخوانه فتعجّبوا.

قاتل الأحنف مرّةً واشتدّ فقيل له: أين الحلم يا أبا بحر؟ فقال: ذاك عند عقد الحبى.

ومرّ عمر على رماة غرضٍ، فسمع أحدهم يقول لصاحبه: أخطيت وأسئيت، فقال عمر: مه! فسوء اللحن أشدّ من سوء الرّماية.

وتضجّر عمر بن عبد العزيز من كلام رجلٍ حضره، فقال شرطيٌّ على رأسه للرجل: قم فقد أضجرت أمير المؤمنين، فقال عمر: أنت والله بتكذيبك أشدّ أذىً منه.

وصف ابن سيّابة رجلاً فقال: فيه كياد مخنّث، وحسد نائحة، وشره قوّادة، ودلّ قابلة، وملق داية، وبخل كلب، وحرص نبّاش.

قال خالد بن صفوان: من لم بين له سبب دائه، كثرت ألوان دوائه.

سمعت أبا النّفيس الرياضي يقول: من كانت همّته أكله، كانت قيمته خراه.

قال رجل من ولد عيسى بن موسى لشريك بن عبد الله حين عزل عن القضاء: يا أبا عبد الله، هل رأيت قاضياً عزل؟ قال: نعم، ووليّ عهدٍ خلع.

قال جالينوس: ما دخل الزّمّان جوفاّ فاسداً إلا أصلحه، ولا دخل التّمر جوفاً صالحاً إلا أفسده.

قال الحسن بن سهل: كان جالينوس ألثغ وكان مولعاً بالعنب، وكان بقراط أحدب وكان مولعاً بالتّين، وكان أفلاطون فقيراً وكان مولعاً باللّواط.

قيل لابن ماسويه: ما شرّ الطّعام؟ قال: طعامٌ بين شرايين، وشرّ الشراب شرابٌ بين طعامين.

قدم أعرابيٌّ على ابنة عمّه يخطبها فتمنّعت عليه، فقال لها: عندي سرٌّ أفأقوله؟ قالت: قل، قال لها: هل لك في ابن عمٍّ كاسٍ من الحسب، عارٍ من النّشب، يتصلصل معك في إزارك، ويدخل الحمّام طرفي نهارك، يواصل بين ثلاثٍ في واحدٍ، فمتى عجز فأمرك بيدك، قالت: يا ابن عمّي، لا يسمعنّ هذا أحدٌ، وأنا أمتك.

أراد ملكٌ سفراً فقال: لا يصحبني ضخمٌ جبان، ولا حسن الوجه لئيم، ولا صغير رغيب.

رأى رجل الهلال فاستحسنه، فقال له رجل: وما يستحسن منه؟ فوالله إنّ فيه لخصالاً لو كانت إحداهنّ في الحمار لردّ بها، قال: وما هنّ؟ قال: يدخل الرّوازن، ويمنع من الدّبيب، ويدلّ على اللصوص، ويسخّن الماء، ويحرق الكتّان، ويورث الزّكام، ويحلّ الدّين، ويزهم اللحم.

قال معاوية: إنّ عليّاً طلب الدّنيا بالدّين فجمعت عليه، وإنّي طلبت الدّنيا بالدنيا فنلتها.

قال ابن عبّاس: هل لك في المناظرة فيما زعمت أنّك خصمت صاحبي فيه؟ قال: وما تصنع بمناظرتي؟ أشغب بك وتشغب بي، فيبقى في

قلبك ما لا ينفعك، وفي قلبي ما يضرّك؛ فسكت ابن عبّاس.

سأل العتبيّ أعرابيّاً: ما بال العرب سمّت أولادها أسداً ونمراً وكلباً، وسمّت عبيدها مباركاً وسالماً؟ قال: لأنّها سمّت أولادها لأعدائها، وسمّت عبيدها لأنفسها.

كاتب: بعثت بابني إليك مؤثراً لك به، فإنّي وإن كنت ولدته فنعمتك ربّته، وحياطتك كنفته، وسواءٌ عند الأحرار ربيب النّعم، وسليل الولادة.

قال فيلسوف: المتأنّي في علاج الدّاء بعد ما عرف وجه علاجه كالمتأنّي في إطفاء النار وقد أخذت بحواشي ثيابه.

قال أعرابي: لا يقوم عزّ الغضب بذلّ الاعتذار.

لابن أبي الحقيق اليهودي:

لباب يا أخت بني مالكٍلا تشتري العاجل بالآجل
للشاعر سعية بن غريض، اقرأ القصيدة
لباب هل لي عندكم نائلٌوما يجدّ الوصل للواصل
لباب داويه ولا تقتليقد فضّل الشّافي على القاتل
إن تسألي خابر أكفائناوالعلم قد يلفى لدى السّائل
ينبئك من كان بنا عالماًعنّا وما العالم كالجاهل
للشاعر سعية بن غريض، اقرأ القصيدة
أنّا إذا جارت دواعي الهوىواستمع المنصت للقائل
واصطرع القوم بألبابهمبمنزل القاصد والمائل
لا نجعل الباطل حقّاً ولانلطّ دون الحقّ بالباطل
للشاعر الربيع بن أبي الحقيق، من قصيدة «سائل بنا خابر أكفائنا»
نخاف أن تسفه أحلامنافنحمل الذّم مع الحامل
إنّا إذا نحكم في ديننانرضى بحكم العادل الفاضل
للشاعر الربيع بن أبي الحقيق، من قصيدة «سائل بنا خابر أكفائنا»
تعذلك النفس على ما مضىوما تسلّي لومة العاذل
إنّ طلاب المرء ما قد مضىداءٌ كمثل السّقم الدّاخل

وإنّ لوّا ليس شيئاً سوى...........................

علّلتني منك بما لم أنليا ربّما علّلت بالباطل
أناجز في العام موعودكمأم هو منظورٌ إلى قابل

قال الفضيل بن عياض لأصحابه: إذا قيل لأحدكم: أتخاف الله؟ فليسكت، فإنّه إذا قال: لا، جاء بأمرٍ عظيم، وإن قال نعم، فالخائف على خلاف ما هو عليه.

قال بعض الزهّاد: من اكتسب فوق قوته فهو خازنٌ لغيره.

يقال: من كانت له غلّةٌ يستغلها فإنّما يستغلّ عمره.

قال الرشيد لابن السّمّاك: عظني، قال: احذر يا أمير المؤمنين أن تصير إلى جنّةٍ عرضها السّماوات والأرض، ولا يكون لك موضع قدم.

لما احتضر المنصور قال: يا ربيع بعنا الآخرة بنومة.

واحتضر الرشيد فقال: واحيائي من رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله.

واحتضر المأمون فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه.

قيل لزاهدٍ وقد احتضر: أوص بشيءٍ، قال: بما أوصي؟ ما لي شيء، ولا لأحدٍ عندي شيء، ولا لنا عند أحدٍ شيء.

قيل لزاهد: كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويحدث الأحزان، ويباعد الأمنية، ويقرّب المنيّة.

قال الفضيل بن عياض: يا ربّ إنّي لأستحيي أن أقول: توكّلت عليك، لو توكّلت عليك لما خفت ولا رجوت غيرك.

استوفد عبد الملك بن مروان عاملاً بلغه أنّه قبل هديّةً فقال له:

أقبلت هديّةً؟ قال: يا أمير المؤمنين، بلادك عامرة، ورعيّتك راضية، فقال: أجب عمّا تسأل عنه، قال: نعم، فقال عبد الملك: أما والله لئن كنت قبلت هديةً كافأت صاحبها بأن ولّيته من عملنا ما لم تكن لتولّيه لولا هديّته إنك للئيم، وإن كنت قبلتها ولم تعوّضه منها إنّك لخائنٌ حسود، وإن كنت أعطيته مثل ما أخذت وأطعمت في نفسك رعيّتك وعرّضتها لخليفتك إنّك لأحمق، ومن أتى شيئاً لا يخلو فيه من حمقٍ أو لؤمٍ أو خيانةٍ حقيقٌ بأن لا يقرّ على عمل.

سئل جعفر بن محمد ﵄ عن النّحل، أمن الطّير هو أم من الهوامّ، قال: بل من الطّير، لولا ذلك لم يفهم.

قال عنبسة القطّان: شهدت الحسن يوماً وقد قال له رجل: بلغنا أنّك تقول: لو كان عليٌّ بالمدينة يأكل حشفها كان خيراً له ممّا صنع، فقال الحسن: يا لكع، والله لقد فقدتموه سهماً من مرامي الله تعالى غير سؤومٍ عن أمر الله، ولا سروقةٍ لمال الله تعالى، أعطى القرآن عزائمه فيما عليه وله، فأحلّ حلاله وحرّم حرامه، حتى أورده ذلك رياضاً مونقةً وحدائق مغدقةً، ذاك ابن أبي طالب؛ روى هذا ثعلب في المجالسات.

قيل لبعض التّابعين: كيف أصبحت؟ قال: في أجلٍ منقوص، وعملٍ محفوظ، والموت في رقابنا، والنار من ورائنا، ولا ندري ما يفعل الله بنا.

وصف أعرابيٌّ رجلاً فقال: كان مفزعاً للأمّة، رفيع الجمّة.

لمّا هلك الحسن بن عليّ دفنه الحسين بن عليّ ومحمد بن الحنفيّة ﵃، فلمّا حصل في حفرته دمعت عينا محمدٍ واستعبر ثم قال: رحمك الله يا أبا محمد، فلقد عزّت حياتك وهدّت وفاتك، ولنعم الرّوح روحٌ تضمّنه بدنك، ولنعم البدن بدنٌ تضمّنه كفنك، وكيف لا يكون كذلك وأنت سليل الهدى، وحليف التّقوى، خامس أصحاب الكساء، غذتك أكفّ الحقّ، وربّيت في حجر الإسلام، ورضعت ثدي الإيمان، طبت حيّاً وطبت ميتاً، وإن كانت أنفسنا غير طيّبةٍ بفراقك، ولا شاكةٍ في الخيار لك.

قال يحيى بن زيد ﵄: نحن من أمّتنا بين أربعة أصناف: ظالمٌ لنا حقّنا، وبالغٌ بنا فوق قدرنا، ومعطٍ ما يجب لنا، وحاملٌ علينا ذنب غيرنا.

وصف أعرابيٌّ رجلاً فقال: ذاك والله ممّن ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، ولا يستمرأ ظلمه.

قالت أعرابيّةٌ لزوجها ورأته مهموماً: إن كان همّك للدّنيا فقد فرغ الله منها، وإن كان همّك للآخرة فزادك الله تعالى همّاً بها.

يقال: الدّنيا حمقاء لا تميل إّلا إلى أشباهها.

مسلم بن الوليد:

أرادت رجوع القلب بعد انصرافهوما علمت ما أحدثته المقادر
يغرّ الفتى مرّ اللّيالي سليمةًوهنّ به عمّا قليلٍ عواثر
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة

قال الحسن بن آدم: صاحب الدّنيا ببدنك وفارقها بقلبك، فخذ ممّا في يديك لما بين يديك، فعند الموت يأتيك الخبر.

شاعر:

وأرعن ملموم الكتائب خيلهمضرّجةٌ أعرافها ونحورها
عليها مذالات العيون كأنّهاعيون الأفاعي سردها وقتيرها
إذا استجرست أصواته أذني سامعٍرماها بأجراس اللّيوث زئيرها

قال أبو بكر بن عيّاش: رأيت على الأعمش فروةً مقلوبةً، صوفها خارج، فأصابنا مطرٌ، فمررنا بكلبٍ فتنحّى الأعمش وقال: لا يحسبنا شاءً.

وقال: كان ببغداد مجنونٌ يلبس فروةً مقلوبةً، فإذا قيل له في ذلك قال: لو علم الله تعالى أنّ الصّوف إلى داخل أجود عمله إلى داخل.

شاعر:

ويومٍ عبوريٍّ توقّد نجمهوعزّت به ماء الوجوه الهواجر
بعثت به ليلاً من الشّمس داجياُوقد ملكت قبض النّفوس الخناجر
فنازعن فيه للسّوابغ حجّةًوسقف غبارٍ أنشأته الحوافر
له فلكٌ حول الأسنّة دائرٌونقع المنايا مسبطرٌّ وثائر
كأنّ نجوم الليل فوق رماحهطوالع ترعاها اللّيوث الخوادر
أجزن قضايا الموت في مهج العدىبه فاستباحتها المنايا الغوادر

قال الحسن بن رجاء في خطّ كاتبٍ: متنزّه الألحاظ، ومجتنى الألفاظ.

قال بشر بن المعتمر: القلب معدن، والعقل جوهر، واللسان مستنبط، والقلم صانع، والخطّ صنعة.

وصف أحمد بن إسماعيل خطّاً فقال: لو كان نباتاً لكان زهراً، ولو كان معدناً لكان تبراً، ولو كان شراباً لكان صفواً.

قال أبو العيناء: الخطوط رياض العلوم.

وقال جعفر بن يحيى: الخطّ سمط الحكمة، به تفصّل شذورها، وينتظم منثورها.

تخابر غلامان في خطّيهما إلى سهل بن هارون فقال: هذا وشي محبوك، وهذا ذهب مسبوك، تسابقتما إلى غاية، فوافيتما في نهاية.

قيل لرجلٍ على باب رئيس: كيف وجدت فلاناً؟ قال: أمّا من الكرم في عراء، وأمّا من اللؤم في خراء.

شاعر:

وكنٌ تطالعها الكواكب والقناأبراجها هاج الحمام طرادها
جاءوا بتيهاء المنون طليعةًسلبت سيوف حماتها أغمادها
ورثت كتائبها الجبال وسربلتحلق الحديد فأظهرته عتادها
فتحال موج البحر يقفو بعضهبعضاً وميض قتيرها وسرادها
قدحت عليها الشمس وقت طلوعهازنداً فأثقب قدحها إيقادها
حتى أطار على الدّروع شرارهازيماً كما زفت الجنوب جرادها

قال الأعمش لشريك بن عبد الله النّخعيّ المحدّث القاضي: يا شريك، لقد أدركت رجالاً عجنوا في الدّين عجناً، لو سألت رجلاً واحداً منهم عن مسألةٍ أو فريضةٍ ما أحسنها، وما من مكرمةٍ إّلا وهي معقودة بمفارق رؤوسهم، ما يسرني برجلٍ مهم عشرة مثلك، بل مائة ألف.

أنشد سعيد بن المسيّب بين القبر والمنبر:

ويذهب نخوة المختال عنّيرقيق الحدّ ضربته صموت
بكفّي ماجدٍ لا عيب فيهإذا لاقى الكريهة يستميت

ثم قال: ما شاء الله كان.

وأنشد أيضاً:

وصرف لو تبين لهم كلاماًلقالت إنّما لكم مبيت
تريك قذى بها إن كان فيهابعيد النّوم، نشوتها هبيت
بذلت بشربها نفسي وماليوأبت بما هويت وما رزيت

كان أبو هشام الرّفاعي يقول: سمعت عمّي يقول: اجتمع القرّاء في منزل إسحاق بن الحسين ليضعوا كتاباً في السنّة، فقال الأعمش: رحم الله امرءاً كفّ يده، وأمسك لسانه، وعالج ما في قلبه.

قال الأعمش: إذا رأيتم الشّيخ لا يحسن شيئاً فاصفعوه.

وكان الأعمش يلبس قميصاً مقلوباً قد جعل دروزه خارجةً، ويقول: الناس مجانين، يجعلون الخشن إلى ما داخل ممّا يلي جلودهم.

قال أحمد بن الطّيب: كان الكندي يقول لي كثيراً: انسخ كلّ ما تجده مكتوباً إذا اتّسعت لك الجدة، وامتدّ بك الزمان، فإنّ مكان ما تكتبه أسود من دفترٍ، خيرٌ منه أبيض.

وصف الحسن الأسواق فقال: موائد الله، فمن أتاها أصاب منها.

كان أيّوب السّختيانيّ من الزّهّاد والعقلاء، وهو الذي قال: من أحبّ أبا بكرٍ فقد أقام الدّين، ومن أحبّ عمر فقد أوضح السّبيل، ومن أحبّ عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحبّ عليّاً فقد استمسك بالعروة الوثقى.

قال مالك بن أنس: من أبغض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه فليس له في فيء المسلمين حقٌّ، لأنّ القرآن نطق بذلك، قال الله ﷿: " ما أفاء الله على رسوله "، وذكر المهاجرين فقال: " والذّين تبوءوا الدّار والإيمان "، ثم قال: " والذّين جاءوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا " فمن كان في قلبه عليهم وعلى أحدٍ منهم شيءٌ فلا حقّ له في الفيء.

سمع خالد بن صفوان رجلاً يتكلّم فيكثر فقال: يا هذا ليست البلاغة بخفّة اللّسان، وال بكثرة الهذيان، ولكنّها إصابة المعنى، والقصد إلى الحجّة.

وذكر خالد بن صفوان رجلاً فقال: كان والله منهرت الشّدق بعذوبة المنطق، ذلق الحدّة، جزل الألفاظ، عربيّ اللسان، رقيق الحواشي، خفيف الشّفتين، بليل الرّيق، دائم النّظر، قليل الحركات، حسن الإشارات، حلو الشّمائل، حسن الطّلاوة، كثير الرّقّة، ذرب اللسان، حييّاً صموتاً قؤولاً، يهنأ الجرب، ويداوي الدّبر، ويصيب المفاصل، لم يكن

بالهذر في منطقه، ولا بالزّمر في مروءته، ولا بالشّكس في خليقته، متبوعاً غير تابع، كأنه علمٌ في رأسه نار.

وذكر خالد آخر فقال: كان والله قرّاءً غير نزّال، معطاءً غير سوّال، قوّالاً عند ذوي الأفهام، جلداً ألدّ الخصام.

شاعر:

دعاني هواك فلبّيتهولم يدر أنّي له أعشق
فقمت وللشوق في مفرقيإلى قدمي ألسن تنطق

شاعر:

وأشرب قلبي حبّها ومشى بهتمشّي حميّا الكأس في جسم شارب
يدبّ هواها في عظامي ولحمهاكما دبّ في الملسوع سمّ العقارب

شاعر:

نازعني من طرفه الوحياوهمّ أن ينطق فاستحيا
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة
جرّد لي سيفين من هجرهأموت من ذا وبذا أحيا

شاعر:

أستودع الله من قلبي لفرقتهكأنّه طائرٌ قد بات في شبك
ومن كأنّ فؤادي من تذكّرهمعلّقٌ بين قرن الشّمس والفلك

قال أعرابيّ: شحذت سيفي، وذلّقت لساني، وها أنا في طلبك.

وقال آخر: فلانٌ قليل الرّجوع، بطيء النّزوع.

قال أعرابيٌّ في وصف آخر: فلانٌ البحر الطّامي يوم الوغى

والغيث الهامي ليل القرى.

قال أعرابيّ: نم ذا الذي صفا فلم يكن فيه عيب، وخلص فلم يكن فيه شوب.

وقال آخر: فلانٌ حتف الأقران غداة النّزال، وربيع الضّيفان عشيّة النّزول.

وقال أعرابيّ: لكلّ كاسٍ حاسٍ، ولكلّ عارٍ كاسٍ.

قال أعرابيّ في آخر: لسانه حديد، وجوابه عتيد.

وقال أعرابيّ: فلانٌ أجور من الأسد الضّاري، وأقتل من السّم السّاري.

قال أعرابيّ: لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه.

قال أعرابيٌّ في وصف غوانٍ: حواجب مزجّجة، وثغورٌ مفلّجة، وخدودٌ مضرّجة.

قال أعرابيّ: ما أفسح صدره، وأرحب بشره، وأبعد ذكره، وأعظم قدره، وأعلى شرفه، وأكثر ضففه ممّن عرفه ولم يعرفه، مع حسن الاستيفاء، وسعة الفناء، وعظم الإناء.

شاعر:

أيا منزلاً بالدّير أصبح خالياًتلاعب فيه شمألٌ ودبور
كأنّك لم تقطنك بيضٌ نواهدٌولم تتبختر في فنائك حور
وأبناء أملاكٍ عباشم سادةٌصغيرهم عند الأنام كبير
إذا لبسوا أدراعهم فضراغمٌوإن لبسوا تيجانهم فبدور
على أنّهم يوم اللّقاء قساورٌولكنّهم يوم النّوال بحور
إذ الملك غضٌّ والخلافة لدنةٌوأنت خصيبٌ والزّمان طرير
وروضك مرتاضٌ ونبتك يافعٌوعيش بني مروان فيك قصير
رويدك إنّ اليوم يعقبه غدٌوإنّ صروف النائبات تدور

قال أعرابيّ: نحنّ إلى المكارم كما تحنّ الإبل إلى الحدا، والروض إلى النّدى.

آخر: كان والله مريع الجناب، درور السّحاب.

قال أعرابيّ: فلانٌ أفصح خلق الله تعالى إذا حدّث، وأحسنهم استماعاً إذا حدّث، وأمسكهم عن الملاحاة إذا خولف، يعطي صديقه النّافلة، ولا يسأله الفريضة، له نفسٌ عن العوراء محصورة، وعلى المعالي مقصورة، كالذّهب الإبريز الذي يعزّ كلّ أوان، والشمس المنيرة التي لا تخفى بكلّ مكان، هو النّجم المضيء للحيران، والبارد العذب للعطشان.

قال أعرابيٌّ في وصف آخر: ليثٌ إذا عدا، وغيثٌ إذا غدا،

وبدرٌ إذا بدا، ونجمٌ إذا هدى، وسمٌّ إذا أردى.

قال أفلاطون: من القبيح أن نكسح من كرومنا فصل الورق والقضبان ولا نكسح من أنفسنا الشّهوات، ومن القبيح أن نمتنع من الطّعام اللذيذ لتصحّ أبداننا ولا نمتنع من القبائح لتصفو أنفسنا.

قال فيلسوف: إني لأعجب من النّاس وقد مكّنهم الله تعالى من الاقتداء به ويقبلون إلى الاهتداء بالبهائم.

قال فيلسوف: لا ينبغي لأحدٍ أن يطلب شيئاً من الحكمة والفضائل قبل أن ينفي عن نفسه العيوب والرذائل.

قال أفلاطون: ينبغي لنا أن نفرّ من الأشياء الرّديئة، والأشياء الرّديئة العالم، فينبغي أن نفرّ من العالم، والفرار من العالم هو الاقتداء بالله تعالى.

قال أعرابيّ: إن الدهر حوّلٌ ذو انقلاب، ولا بدّ للسّرّاء من الضّرّاء، والدهر يخلط صالحاً بفساد، وهو طعمان: معسول وممرور.

كاتب: يا مولاي تعبّداً، وأخي تودّداً.

قال أعرابيّ: أنت قرّة عيني ونورها، وأنس نفسي وسرورها.

كاتب: أنت من أفتخر بأنوائه، وأهتدي بضيائه، وأتزيّن بإخائه، وأستظهر على الزمان بولائه.

كاتب: أنت بهجة الدّنيا وزهرتها، وروضة نفسي ومنيتها

وبستانها، وروح حياتي وريحانها.

قال أعرابيٌّ لآخر: أنت سمعي وبصري، وشمسي وقمري.

قال فيلسوف: كما أنه ليس بين الطّوف واللصّ صداقة، فكذلك ليس بين الحكمة والجهل صداقة.

قيل لفيلسوف: بماذا تشبّه الحكماء؟ قال: إذا قيسوا إلى الناس فهم كالآلهة، وإذا قيسوا إلى الآلهة فهم كالملائكة.

قيل لفيلسوف: ما الفضل بينك وبين الملك؟ قال: هو عبد الشّهوات وأنا مولاها.

قيل لفيلسوف: إنّ الملك لا يحبّك، قال: الملك لا يحبّ من هو أكبر منه.

قيل لفيلسوف: من الجواد؟ قال: من جاد بماله، وصان نفسه من مال غيره.

وقيل لسقراط: لم تذكر في شرائعك عقوبة من قتل أباه،

قال: لم أعلم أن هذا يكون.

قال ثعلب في المجالسات: جاء رجلٌ من آل حكيم بن حزام إلى أبي أويس فقال: إنّي رأيت كأنّي أنظر في لوحٍ من ذهب، فقال: إنّ العبارة حكمٌ، وأكره أن أفسّره لك، قال: لا بدّ منه، قال: يذهب بصرك، قال: سبحان الله، قال: ما هو إّلا ما أقول لك، فعمي بعد قليل.

جاء رجلٌ إلى سعيد بن المسيّب من قبل عبد الملك بن مروان فقال: رأيت كأنّي بلت خلف المقام أربع مرّات، قال له: كذبت لست صاحبها، قال: فإنّه عبد الملك، قال: يلي أربعةٌ من صلبه الخلافة.

رئي عليّ بن الحسين مكتوباً على صدره: " قل هو الله " فاستعبر سعيد بن المسيّب فقال: بضعةٌ من رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، نعى إليه نفسه.

لمروان بن أبي حفصة:

إن تحبسوني فالكريم يحبسإنّي لسامي النّاظرين أشوس
مصابرٌ حتى تجيش الأنفسلا ساقطٌ علجٌ وال مدنّس

عرضي نقيٌّ وأديمي أملس

قال الفضل بن عيسى الرّقاشي: إنّا والله ما نعلّمكم ما

تجهلون، ولكنّا نذكّركم ما تعلمون.

قال ابن عجلان: شكا رجلٌ إلى الحسن الفاقة فقال: لقد أعطاك الله ديناً لو لم تشبع معه من خبز الشّعير كان قد أحسن إليك.

قال عمير بن الحباب:

أبلغ أميّة أنّ الأرض واسعةٌوفي السيوف إذا ما جرتم عبر
حتّى متى وعلام اليوم ناركمما إن يزال لها في دورنا شرر
إنّي أخاف عليكم أن تنوبكممنّا بوائق لا تبقي ولا تذر
وإن تروا عارضاً منا يقودهمقرمٌ أغرّ أمام الحيّ يقتفر
لا ينثني الدهر عن أمرٍ يهمّ بهحتى يموت وفيه الرّمح منكسر

يخاطب بهذه الأبيات عبد الملك بن مروان.

قال أعرابي: الكريم يرعى حقّ اللفظة وحرمة اللّحظة.

قال ابن عيينة: كانت لنا هرّةٌ ليس لها جراءٌ، فكانت لا تكشف القدور ولا تعيث في الدّور، فصار لها جراءٌ فكشفت القدور وأفسدت الدّور.

لما قبض ابن عيينة صلة الخليفة قال أصحاب الحديث: قد وجدتم مقالاً فقولوا، متى رأيتم أبا عيالٍ أفلح؟

قال هشام لخالد بن صفوان: أكنت تعرف الحسن؟ قال: كان فيما بلغني في داره صغيراً، ومجلسه في حلقته كبيراً، قال: فكيف كان؟ قال، كان أعمل الناس بما أمر به، وأترك النّاس لما نهي عنه، وكان إذا قعد على أمرٍ قام به، وإذا قام على أمرٍ قعد به، وكان معلّماً بالنّهار وراهباً بالليل.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.