تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الثامن (٨)

رأى رجل مزبداً بالرها وعليه جبة خز، وكان قد خرج إلى الرها فحسنت حاله فقال له: يا مزبد تهب لي هذه الجبة؟ فقال: ما أملك غيرها، قال الرجل: إن الله تعالى يقول: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " الحشر: فقال مزبد: إن الله تعالى أرحم بعباده من أن ينزل هذا بالرها في كانون وكانون، وإنما نزلت بالحجاز في حزيران وتموز.

قال المدائني: مات رجل بالحيرة في بيت خمار، فأخذه أهله وقالوا: أنت قتلته، فقال الخمار: والله ما قتلته إلا كلمة كان يرددها، قالوا: وما هي؟ قال:

وأخرى تداويت منها بها قيل لبعض أصحاب النبيذ: أي صلاة تصلي؟ قال: الغداة والظهر والعصر، قالوا: فالمغرب؟ قالوا فالمغرب؟ قال: تعرف وتنكر، فالعتمة؟ قال: ما كانت لنا في حساب قط.

وقيل: لم يداو السكر بشيء أفضل من نومة يطفأ بها ما التهب من شر طبيعته.

قال ابن المعتز: حدثني بعض أصحابنا قال قلت لطباخ مرة: ما أطيب طبيخك لولا أنك تصغر البرمة، فقال: إنما يكمل طيب البرمة بأن يأكل منها القوم لقمة لقمة فيستطيبونها، وهؤلاء إذا طلبوا أخرى لم يجدوها.

قدم إلى بعضهم لوزينج غليظ القشور فقال: ما عمل هذا إلا من عقب. العقب: العصب.

قال ابن أبي برذعة:

إذا عد عيش ناعم وتذوكرتغرائب أيام السرور الطرائف
فمن خير أيام الحياة التي خلتوأطيبها يوم من العيش سالف
أصبنا به من غرة الدهر خلسةكما نال ورد الماء هيمان خائف
خرجنا وستر الله يجمع شملناوكل لكل مسعد ومساعف
وقد اخذت زهر الرياض حليهاوألبست الأرض الفضاء الزخارف
لجين وعقيان ودر وجوهرتؤلفه أيدي الربيع اللطائف
وأهدت إلينا الأرض عذراء لم يطفبها من سوانا قبل ذلك طائف
يباكرها وجه من الشمس طالعويعقبها دمع من المزن واكف
فتمت جمالاً واعتدالاً ونضرةوداف لنا الكافور والمسك دائف
ومالت بنا منها غصون نواعمكما هز قضبان المتون الروادف
يدير علينا الكأس رطب بنانهوصيف جفت في الشكل عنه الوصائف
تسير إلينا من يديه وطرفهكؤوس لأسرار القلوب كواشف
فرحنا وما فعل الزمان مذمملدينا ولا وجه من العيش كاسف
ومالت غصون البان بين رحالناوجرت على وشي الرياض المطارف
ولا مثل ذاك اليوم لولا انقضاؤهولا مثلنا لو أخطأتنا المتالف

وقال: سمعت مدينية تقول: ما في بيتي طحين ولا خبيز.

شاعر:

إلى الروض الذي قد أضحكتهشآبيب السحائب بالبكاء
للشاعر الخباز البلدي، اقرأ القصيدة

قال ابن الأعرابي عن المفضل: تقول العرب: يدك من اللحم

غمرة، ومن الشحم زهمة، ومن الزيت قنمة، ومن الدهن نمسة، ومن الخلوق ردعة، ومن الحناء عصمة، ومن اللبن ضرة، ومن السمك صمرة، ومن الحديد سهكة.

أنشد التوزي:

يا إبلي روحي إلى الأضيافإن لم يكن فيك صبوح كاف
فأبشري بالقدر والأثافيوقادح ومغرف غراف

قال أرسطاطاليس في كتاب الحيوان: ليس للسمك نوم ولا صوت، ومنه ما يعظم حتى يصير كالجزائر والجبال. وذكر أن من أجناس السمك وما لا قشور له ولا أجنحة، لا زمة قعر الماء الدهر كله.

وزعم أن دابة بحرية تزمر أصواتاً طيبة تكاد بحلاوتها ولذتها تسلب أفهام السامعين، من سرتها إلى فوق تشبه الإنسان، ومن السرة إلى أسفل تشبه الفرس.

وزعم أن السرطان يلتذ أكل لحم الصدف الذي فيه اللؤلؤ، وأنه لا يقدر عليه حتى يفتح صدفته، فإذا فعل جعل بينهما حجراً، وزعم أن السرطان يسلخ جلده في السنة سبع مرات، ومن قبل ذلك يعمل لحجره بابين:

أحدهما شارع إلى الماء، والآخر إلى الشمس، فإذا سلخ جلده سد الشارع الذي إلى الماء لئلا يدخل السمك إليه فيأكله.

قال ابن المعتز: سألت الصوفي عن بلدان طوف فيها فقلت: كم رأيت من البلاد؟ لا تسأل فإني شيطاني كان من الفيوج.

وقال مرة عندي ونحن بسر من رأى: هذا النسيم يجندر الروح.

قال التمار يصف نصيبين في قصيدة:

أرض كأن رياضهاأبداً بماء المسك تسقى
وكأن تربة أرضها اجتذبت من الكافور عرقا

يعقوب بن الربيع:

لما وردت الثعلبية عند مجتمع الرفاق
وشممت من أرض الحجاز نسيم أرواح العراق
أيقنت لي ولمن أحب بجمع شمل واتفاق
للشاعر موسى بن عبد الملك الأصبهاني، اقرأ القصيدة
وضحكت من فرح اللقاء كما بكيت من الفراق
للشاعر موسى بن عبد الملك الأصبهاني، اقرأ القصيدة

قال: وقال الجاحظ في بعض كتبه وذكر العراق فقال: هي موضع التميمة، وواسطة القلادة، بها تلاحقت الطبائع، وصرحت عن اللب الأصيل والخلق الجميل.

وصف أعرابي بلداً فقال: ارتحلت عنه ربات الخدور، وأقامت به رواحل القدور.

قال الحجاج: الكوفة امرأة حسناء عاطل، والبصرة عجوز قد أوتيت من كل شيء.

قال عبد الملك للحارث بن خالد بن العاص: أي البلاد أحب إليك؟ قال: ما حسنت فيه حالي، وعرض فيه جاهي.

قال بعض الظرفاء: الكمأة بيض الأرض.

وصف أعرابي غيثاً فقال: بكرنا وسمي خلفه ولي، فالأرض بساط أحكم نسجه وأبدع وشيه.

قال بعض من تعصب للنرجس على الورد: النرجس أشبه بالعيون من الورد، فقال المتعصب عليه: يشبه عيون المرضى وأصحاب اليرقان ومن قد غلبت عليه المرة.

وكان المأمون يشبه الأترج بالمقفع الزمن.

قال بعضهم: لعن الله المرزنجوش والزادرخت، كأن هذا آذان الفار، وكأن هذا كف بق.

وكان بعضهم يبغض السرو ويقول: كأنه نساء عليهن حداد. ومرة كان يقول: السرو ذنب ابن عرس.

وقال: قلت للصوفي يوماً: لم تؤثر النرجس على غيره ولا تنتفع به في حال سوى شمه طرياً؟ فقال: النرجس روح كله، فإذا مات لم يخلف عندنا جسماً.

قال أبو الحارث جمين، ورأى سرواً: كأنه دخان يخرج من كوة.

وصف أعرابي الماء فقال: إن قلت هو متصل فبذاك يشهد انتظامه، وإن قلت متبايناً فعلى ذاك يدل انقسامه، أوائله جاذبة لأواخره، وأعجازه طوع صدره، هو طبيب الأرض من سقامها، تقذف بما تضمنت بطونها على ظهورها.

وصف بعض الظرفاء الماء فقال: ما ظنكم بشيء إذا أجن وصار ملحاً أخرج العنبر وأثمر الجوهر.

قال ابن الأعرابي في نوادره عن أعرابي: فأرسل الله سبحانه سبحاناً مستكفاً نشره، ضخاماً قطره، جواداً صوبه.

شاعر:

جاءت تهادى في محل نائييضحك فيها البرق بالضياء
وتارة تلمح باستحياءكلمحة من ذي هوىً مرائي
تلوح منها الأرض في قباءوأصبحت في حلة خضراء

يا حبرة في الصيف والشتاء العتابي:

قلت للفرقدين والليل ملقسود أكنافه على الآفاق
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
أبقيا ما استطعتما فسيرمىبين شخصيكما بسهم الفراق
غر من ظن أن يفوت المناياوعراها قلائد الأعناق

قال: وقلت لبعض أصحابنا، وقد خرج القمر من الكسوف: شبهه لي، فقال: درهم ندر عن سكة.

العرب تقول: قد هراق الليل أوله، إذا مضت منه ساعة.

قال ابن المعتز: أخبرني الأسدي عن الرياشي عن محمد بن سلام

عن يونس بن حبيب عن أبي عمرو بن العلاء قال: دفعت إلى ناحية فيها نفر من الأعراب، فرأيتها مجدبة فقلت لبعضهم: ليس لكم زرع ولا ضرع فكيف تعيشون؟ فقال: نحرش الضباب ونصيد الدواب فنأكلها، قلت: فكيف صبركم عليه؟ فقال: يا هناه! نسأل الله خالق الأرض هل سويت، فيقول: بل رضيت، هكذا بخط ابن المعتز.

وقال بلال ابن أبي بردة لابن السماك: أي الطعام أحب إليك؟ فقال: إذا اشتد ضرس الجوع فليس شيء بأجود من ثريدة قد أكثر بلها وسطع ريحها، ثم أطرق قليلاً وقال: فإن جاءت صغار القصاع بعد الكبرى زاد ذلك فيما نهوى. قال: فما تقول في لوزينجة لان قشرها، وغرقت في سكرها ووهن لوزها فقلت ما أشد الوصف إذا عدم الموصوف إلى ها هنا من كتاب ابن المعتز.

وهذه نتف ألفتها ها هنا، فبعضها مسموع من العامة، وبعضها مروي عن الخاصة التي تروي عن العامة، وهي تجري مجرى الأمثال المبتذلة، فيها طيب ومع الطيب عبرة، ومع العبرة فائدة، وقد خلت من الأصول الدالة على الفروع، ومن العلل المقتضية للأحكام، وقد عرضتها على علية الناس أسأل عن أسرارها ومدارها، وكيف كان قديمها وفاتحتها، وكيف

انتشرت الآن بين العامة، وكيف أشكل على الجميع معانيها، فلم ألحق الناس إلا رجلاً واحداً في الجهل بها وبأسبابها، وقد سردتها لتشركنا في التعجب والطيب إن شاء الله: يقولون: إذا دخل الذباب في ثياب أحدهم مرض.

وإذا حكته يده قال: آخذ دراهم.

وإذا حكته رجله قال: أمشي إلى مكان بعيد.

وإن حكه أنفه قال: آكل لحم، هكذا يقولون، فلا تؤاخذ العامة باللحن، فإن الصواب في المعنى والإعراب في اللفظ عريان من قضاتك وعدولك وشيوخك.

وإن حكه وسطه قال: آكل السمك.

وإن اختلجت عينه من فوق قال: أرى إنساناً لم أره منذ حين، وإذا اختلجت من أسفل قال: سوف أبكي، أسأل الله السلامة.

وإذا وجد ثقلاً في المنام من المرة السوداء قال: وقع على بختي، وعض ابهام نفسه وقال: دلني على كنز.

ولا يقول بالليل: حية ويقولون: طويلة وإذا غلط أحدهم فقال: حية. قالها ثلاث مرات.

وإذا أشار إلى صاحبه بالسكين غرزها في الأرض وقال: الشيطان يعمل عمله.

وإذا كسف القمر ضربوا بالطست وقالوا: يا رب خلصه.

وإذا طنت أذن أحدهم قال: ترى من ذكرني؟ وإذا أراد أحدهم أن يبول بالليل بصق أولاً ثم بال.

وإذا صاح الغراب قالوا: خير خير، وأنت شر طير.

وإذا أراد أحدهم أن يشد زره إذا انقطع أخذ في فيه تبنة وقال: حتى لا يكذب علي أحد.

ولا يقولون: عقرب، ويزعمون أنها تعرف اسمها فتهرب، ويقولون: تمرة.

وإذا ذكروا الجن بالليل أخذوا بأطراف آذانهم.

ويكرهون البول في الميزاب ويقولون: هي منازل القمر.

ويقولون: دية نملة تمرة.

ويقولون: في كل رمانة حبتين من الجنة.

وإذا مسح أحدهم يده بثوب صاحبه بصق وقال: حتى لا أبغضه.

وإذا رش أحدهم على وجه إنسان ماءً قبّل يده وقال: حتى لا يصير نمش.

وإذا صاحت البومة قالوا: منا السكين ومنك اللحم.

وإذا رأوا الخنفساء في ليالي الشتاء قالوا: مباركة ميمونة وإذا رأوها في ليالي الصيف قالوا: رسول العقرب.

وإذا طار الخفاش بالليل فسمعوا صوته قالوا: هذه الساحرة تطير، لا إله إلا الله، كأنما طيرانها ثوب يشق، ويكبون الطست ويقولون: باطل " وبطل ما كانوا يعملون " الأعراف:.

وإذا غاب لأحدهم غائب صوتوا في البئر ونخلوا الرماد بالليل، وزعموا أن الجن يثبتون حاله في الرماد.

وإذا صدع أحدهم قالوا: انشرخ رأسه، وربطوه بتكة.

ويطرحون في حب الدقيق جوزة لها ثلاثة خطوط يزعمون فيها بركة.

وإذا رأوا الشمس حارة قالوا: يجيء غداً مطر.

وإذا طارت من السراج شرارة إلى فوق قالوا: ينقص من أهل البيت واحد، وإذا وقعت إلى أسفل قالوا: يجيء غداً زائر.

وإذا غسلت السنورة وجهها قالوا: هدية.

ويزعمون أن عوج بن عنق كان يصيد السمك م قرار البحر بيده ويشويه في عين الشمس.

ويزعمون أنه لا يرتفع إلى السماء من الدخان إلا قتار الكندر.

ويقولون: إن للزنادقة كبش تنتثر الدراهم من صوفه، فإذا اشتروا بها تحولت عند البائع ورق آس.

وإن الشيطان يحسد على الزكام والدمل.

وإن الأسد محموم بالنهار فإذا كان الليل أفاق.

وإن الحمار لا يدفأ إلا يوماً من أيام تموز، وهو في سائر أيام السنة مقرور.

وإذا نكس أحدهم في مرضه أخذوا له دهناً من سبع دور ودهنوا به رأسه.

وإذا خرج بأحدهم دمل شد على تكته عفصة غير مثقوبة.

وإذا بكى الصبي لطخوا أسفل رجليه بنيلج.

وإذا أصابته العين أخذوا له من بول سبعة أنفس أحدهم حبشي ماء وصبوه عليه.

وإذا حم أحدهم الربع بخروه بقرن كبش، وإذا أخذه الفواق عقد بيديه أربعاً وثلاثين وزعم أنه يسكن.

وإذا خرج به قوباء خط حولها خاتم سليمان ومسحه بالتراب وقال بالغداة: كيف أمسيت لا أصبحت، وبالعشي: كيف أصبحت لا أمسيت؟ وإذا لسعته عقرب غسلوا الحصى وسقوه ماءه.

وإذا خرج على لسانه بثرة قال: خبأ لي إنسان شيئاً طيباً وأكله.

وإذا اشتكى فم معدته ذهبوا به إلى اللواية.

وإذا رأوا في الدار حية بخروها بقرن أيل وقشور البيض.

وزعموا أن من أكل لحم سنور أسود لم يعمل فيه السحر.

وإذا رأوا في الأفق حمرة قالوا: في السماء نار وصاحوا: الصلاة الصلاة.

ويضربون بالشعير وينظرون في البخت، وأنت ترى أحدهم إذا عثر بصاحبه أخذ يده وصافحه، وربما قالوا: لئلا نتخاصم.

وزعموا أن عبد الله بن هلال صديق إبليس كان يغوص بالكوفة في الطست ويخرج من ساعته بتاهرت.

وهذه أبواب خفية ليس يثبت معها روية، ولا يصح لمن اعتقدها عزم، وربما غلط فيها من هو فوق الناقص الغبي، ودون النحرير الذكي فيحسبها حقاً.

ومن أمثال العامة:. لا تري الصبي بياض أسنانك فيريك سواد آسته.

. - ليس من قال: النار، احترق فمه.

. - الخنفساء في عين أمها مليحة.

. - من يشتهي الداح لا يقول أواح.

. - تمره وزنبوره كلما يكبر يدبر.

. - أنا أجرّه إلى المحراب وهو يخرا في الجراب.

. - نفس العجز في القبة.

. - من يأكل ولا يحسب، يخرب بيته ولا يعلم.

. - إن كان معلم وإلا فدحرج.

. - من صير نفسه نخالة بحثتها الدجاج.

. - أنذل من فار الحبس.

. - أعتق من الحنطة.

. - أحمق من الجمل.

. - يضربون أسته ويصيح راسه.

. - من لم ير اللحم أعجبته الرية.

. - من يقفز على وتدين يدخل في أسته واحد.

. - من يأكل بيدين يختنق.

. - ما أطيب العرس لولا النفقة.

. - من كان له دهن كثير يطلي أسته.

. - من كان دليله البوم كان مأواه الخراب.

. - كل التمر على أنه كان مرة رطب.

. - إيش الذبابة وإيش مرقها.

. - ليت كل أرملة مثل بنت الملك.

. - إذا كان بولك صافي فاضرب به وجه الطبيب.

. - البحر ملان ماء والكلب يلحس بلسانه.

. - من شاء سلح على أصحابه وقال في بطنه وجع.

. - خبز لم تخبزه أمك كله بأضراسك كلها.

. - لو كان في البومة خير ما تركها الصايد.

. - إن كان ذا وجه فليس في الدنيا است.

. - أهلك الله بدنك، ولا يسر كفنك، ولا آجر من دفنك.

. - كف إنما وجهك خف.

. - راسك في است القس كلما عرق اندس.

. - ليت اليسار استقبلني من باب الدار.

. - سد البالوعة واسقني بالبير.

وإذا كانت يد أحدهم غمرة قال: من يغسل يده من الخير.

وإن عطس قالوا: تعست، وإن تجشأ قالوا: خرا، وإن سعل قالوا: شوك، وإن ضحك قالوا: ضحك الأفعى في جراب النورة، وإن قرقر البطن قالوا: إن صدق الوعد مطرنا خرا.

كان لرجل جاريتان فأرادت إحداهما أن تكيد الأخرى، وكان قد واقعها مولاها، فصاحت: يا مولاي ليس لنا دقيق وقد فني الخبز، فنام أيره ونهض عن الجارية.

قد ضربت من أمثال العامة أشياء تتصل بأغراض صحيحة على سوء التأليف، وخبث اللفظ، وفيها فوائد عجيبة، فاعرف الخبيث والطيب، واختر أنفعهما لك في موضعه وأجدهما عليك عند استعماله، فلم ينبث هذا كله هذا في العالم إلا ليعرف ويميز، وليكون بعضه باعثاً على بعض وناهياً عن بعض، وباختلاف الأشياء تختلف الظنون وتنقسم الآفكار في طلب الحق وترخي الصواب وليس الحق شخصاً في محل يطوي إليه. فلا تصرف وجهك عن اللفظة السخيفة والكلمة الضعيفة، فإن المعنى الذي فيهما فوق كراهتك، وليس العالم تابعاً رايك ومحمولاً على استحسانك واستقباحك، بل يجل عن مقاحم فكرك، ويعلو على غايات فهمك، فإنك ترى لنفسك محلاً ليست به فتقول هذا حسن وهذا قبيح، دون أن تقف على حقائق ذلك الحسن والقبح بعقل ما شانه الهوى، ولا تحيفه الإلف ولا ضيعته العادة، ولا أفسده أقران السوء، ولا مني بالتخليط الرديء والمرة المسرفة، ومن لك بالكمال؟ بل من لك ببعض هذه الأحوال؟ هيهات! وأنت متردد بين غالب عليك، وقادح فيك، وآخذ منك، وهابط بك، إلا أن يأخذ الله بيدك، ويصرف كيد السوء عنك، ويحبس فعال الشيطان دونك، ويكون لك قائماً بالصنع، هادياً إلى النجاة.

لأبي النجم الفضل بن قدامة في باز:

أزرق يغذى بطري اللحمقد جاء منقضاً كمثل النجم
بأحجن الكلوب أقنى الخطمبه تضاح من دم المستدمي

ينتزع الأرواح قبل النظم وله في المنجنيق:

كأنها حين ثناها الناسجنية في رأسها أمراس
بها سكون وبها شماسيخرج منها الحجر الكباس
تمر لا يحبسها الحباسلا واضع الترس ولا تراس
ضخم الجبين مهزم مرداسيأخذ من وقعتها الوسواس

قال بعض العلماء: الإتاوة للملك، والخراج للسلطان، والفيء للمسلمين، والجزية من أهل الذمة، والصدقة للنعم، والزكاة للمال، والفطرة للصوم، والكفارة للإيمان، وجزاء الصيد للمحرم، والبر لبني القربى، والرزق لمن تمون، والفقة لمن يعنيك، والصداق والصدقة للنساء، والمتاع والتحميم للمطلقة، والعدة نفقة الإعتداد، والربح للتاجر، والمرباع للسيد وهو ربع الغنيمة.

قال أعرابي: قد كشرت الفتنة أضراسها، وحسرت راسها، وشمرت أردانها، وهيجت فتيانها، وذمرت فرسانها، ونازلت أقرانها.

يقال: ما الجرب، والجراب، والجريب، والحرب، والخرب، والذرب، والسرب، والشرب، والصرب، والطرب، والضرب، والعرب، والعرب أيضاً، والغرب، والقرب، والهرب، والكرب، والكرب أيضاً، والأرب، والدرب.

وسيأتي جواب كل حرف على حدة، وإن أملك بعض الإملال أفادك كل الإفادة، ولا تبد هذا العجز الذي يدل على خور طباعك وسوء سليقتك، وانتهز فرصة العلم فربما تحمد عاقبة العمل به.

قال بعض السلف: أنت في طلب الدنيا مع الحاجة معذور، وأنت في طلبها مع الإستغناء عنها مغرور.

قال الحسن: أحسن الدنيا أقبحها عن مبصرها، وذلك أنها تشغل عما هو أحسن منها.

سمع أعرابي رجلاً يقرأ: " فإن زللتم من بعدما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم " البقرة:، فقال: لا يكون هكذا، هكذا يهدد، فقيل: إنما هو " عزيز حكيم " قال: هذا نعم، هذا يكون مع التهدد.

أما الجرب فالداء المعروف، يقال: رجل جرب وامرأة جربة وجربى، وأجرب الرجل: إذا جربت أبله، والجراب: المزود - بكسر الجيم، وأبو حاتم يقول: الفتح من لحن العامة، وجمعه جرب، والجريب: قطعة من الأرض وجمعه جربان. وقلت لبعض العلماء: هل يقول فيمن يتحذ الجرب (جراب) ؟ قال: ما سمع.

وأما الخرب فمن قولك: حرب فلان ماله فهو حريب ومحروب، والفاعل حارب، وقال بعض النساك: سمي المحراب محراباً لان الشيطان يحارب فيه بالطاعة لله تعالى، ويقال أن هذا التأويل مهزول، وإنما المحراب أشرف مكان في البيت، ومحاريب اليمن هي أمكنة شريفة في القصور، وكأن المحراب في المسجد من ذلك لموقف الإمام. وقال أبو حامد: المحراب عند بعض الفقهاء ليس من المسجد، ولهذا قيل: من بات في المسجد وحفزته بطنه ولم يمكنه الخروج فأولى به أن تقع ذات بطنه في المحراب. قال أبو حامد: ولم يقل ذلك لهذه العلة، إنما قيل ذلك لأنه مكان الإمام وحده، فإذا أصابه ذلك أصاب واحداً وهو ينتبه عليه، ويستدرك الحال هكذا، ولو وضع في ناحية أخرى فإنه يصير سبيلاً إلى نجاسة أكثر من واحد من حاضري الصلاة.

وأما الحرب فذكر الحبارى، وقد سمعت جمعه على خربان، والخراب ضد العامر، والخرابات كلام مهزول، كذا قال الثقة. وقال بعض الجوالين: الخرابات ببخارى كالمواخير بالعراق. والخارب: اللص وجمعه خراب، وكأنه استحق ذلك الفساد حاله. يقال: فلان ما عرفت له خربة - بالباء -، وخرمة منكر، هكذا قيل في هذا المعنى، وإنما الخرمة من خرم إذا ثقب، والمخارم في الطرق، وهي المهاوي والمقاطع، والأخرم: الذي إن خرم أنفه، والمسور بن مخرمة، وكأن هذين الاسمين أخذا من سار يسور إذا علا، ومن خرم إذا أثر، والكتاب يقولون: فلان من خراب البلاد، وشذاذ المدن، وأخابث الناس.

وأما الذرب ففساد في المدة، وقيل: وهو حدور الماء، ولذلك يقال: لسانه ذرب إذا كان حديداً، والسنان المذرب: أي المحدد، والأسنة المذربة.

وأما السرب فالنفق، وهو كالسرداب - بكسر السين - هكذا يختار العلماء وكذلك السرقين والدهليز، وكل ذلك خارج عن العربية في الأصل ومجرى فيها بالاستعمال. والسرب: الماء المنصب، وكأن النفق لما كان شقاً أسرب في الأرض كالماء، والسارب: الجاري، كذا قيل في قوله تعالى: " ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار " الرعد:، كأنه لابس الخفاء، هو الكساء، وجمعه أخفية، وقيل له خفاء لما يخفى فيه، وسارب بالنهار: أي ظاهر وقال بعض القرامطة حين دخلوا الكوفة سنة خمس وتسعين ومائتين: نحن جباة المال، وحماة السروب، واحدها سرب، والسرب: القطيع من الغنم والظباء وغير ذلك.

أما الشرب فجمع شربة، والشرب: جرعك الماء، وأنت شارب والماء مشروب، والمشرب: ما يشرب به، والماء الشريب والمشروب: ما أمكن شربه على كراهية، والشرب: الندماء كالصحب. وقد تعجب بعض العلماء من قول الناس ببغداد للذي يريد أن يسقي الناس ويحمل الماء: شارب، وقالوا: هو ساقٍ، فلما قيل: شارب؟ ولم يظهر خفي هذا إلى الساعة، ورجل شريب إذا كان كثير الشرب كسكير وخمير وفسيق، وباب هذا موقوف على السماع ولا يقال بالقياس كقولك: هو إكيل من الأكل، ولا عليم من العلم، فاحفظ

السماع وافرد القياس، ولا تحمل أحدهما على الآخر.

واعلم أن القياس في اللغة من نحوين: نحو أيده السماع ودل عليه الطباع، فالقول حسن والمصير إليه جائز. سمعت هذا من أبي سعيد السيرافي. وكان أبو حامد المروروذي يقول: القياس باطل في اللغة، لأن اللغة في الأصل اصطلاح، وفي الفرع اتباع، والقياس استحسان وانتزاع، ولو وضعت اللغة بالقياس لصرفت بالقياس، فلما وضعت بالاصطلاح أخذت بالسماح، والكلام في اللغة طويل، لأن العلم بأحوالها واعتياد أهلها وأخذ بعضها عن بعضها في أصل الخلق وأول النطق وحين فتح الفاتح فاه، وعزا بعقله معنى وتوخاه، ثم صاغ له لفظاً وسماه، وأفرده بنفسه عما عداه، وقطع الصوت وأفرده من غيره بالإشارة إليه، وكيف فهم عنه السامع وكيف قرع أذنه، وكيف وصل إلى صميم عقله، وكيف عرف به مراد قلبه، وكيف وقع التمازج به والاتفاق عليه؟ علم إلهي، وسر خفي، وأمر غيبي، لا يقف عليه ولا يحيط بكنهه إلا خالق الخلق، ومبدئ العالم، ومنشئ الكون، ومالك الجملة.

وأما الصرب فالصمغ.

وأما الطرب فالخفة في الفرح، قال معاوية: الكريم طروب، أي الماجد مرتاح إلى الخير هشاش، والأطراب جمع طرب، وتطرب الرجل إذا تكلف ذلك

وأما الضرب فالعسل، ويقال: هو الأبيض المحبب الذي كأن فيه حبوباً، ولا أحفظ فيه أكثر من هذا.

وأما العرب فهذا الجيل في هذه الجزيرة، وهي ألف فرسخ، والعرب أيضاً جمع عربة، وهي ناعورة، وسميت بذلك لأنها تنعر أي تصوت، ويقال: نعر فلان، وفلان تعار في الفتن، ونعر العرق: إذا فار الدم منه.

والعرب أيضاً، يقال: هي النفس، واحدتها عربة، والخيل العراب معروف. وفلان أعرابي إذا كان بدوياً، وهو عربي أيضاً. والنقطة: الإفصاح، وهذا لم يفصح الكلام، ثم بحركاته وسكناته يقع البيان، ويقال: أعرب الفرس إذا صهل فعرف بصهيله أنه من الخيل العراب. والعرب جمع عروب، وهي المحبة لبعلها، هكذا فسر في التنزيل والحكمة والبيان القويم.

وأما الغرب فشجر معروف.

وأما القرب فليلة ورود الماء من صبيحتها.

وأما الهرب فمعروف.

وأما الكرب فأصول السعف، والكرب أيضاً: حبل يشد بحبل الدلو.

وأما الأرب فالحاجة.

وأما الدرب فالمهارة، يقال: درب يدرب درباً.

كتبت من حظ ابن المعتز: قال علي بن أبي طالب ﵁ لعاصم بن زياد الحارثي، وكان عاصم قد لبس الخشن وترك الملاء: يا عاصم. أترى أن الله تعالى أحل لك الطيبات وهو يكره أخذك منها؟ أنت والله أهون

عليه، قال: يا أمير المؤمنين، فأنت آثرت لبس الخشن، قال: ويحك يا عاصم، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوام لئلا يتبيغ بالفقير فقره، قال: فألقى عاصم العباء ولبس الملاء.

وقالوا: العفو زكاة العقل. ولو قيل: زكاة القدرة كان أنبل، هذا عندي، ولا أثق بجل ما عندي وقال علي ﵁: الجزع والشره والبخل والحسد فروع أصلها كلها واحد قيل لابن صوحان، وذكر يوماً من أيام علي: أين كنت؟ قال: كنت مع الخواص أضرب خيشوم الباطل.

قال عبد الله بن الزبير بن العوام لعمرو بن العاص: إنك لكالعشواء تخبط في جلبوب ليل خداري، هكذا كان بخطه، ولعله جلباب.

قال عثمان بن عفان ﵁: لكل نعمة عاهة، وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون، طغام مثل النعام، أتباع كل ناعق، يعني بالنعمة الخلافة فيما أظن.

قال أبو حمزة الشاري، وذكر بني أمية: ذبان طمع وفراش نار.

للناشئ الكبير:

لم تبن في الدنيا سماء مكارمإلا ونحن بدورها ونجومها
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وإذا سمت يوماً للمس أديمهايوماً أبالسها فنحن رجومها
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
وإذا سمعت بنعمة محروسةمن كل حادثة فنحن حريمها
وإذا أليحت للأنام بوارقتندى فمنا تستهل غيومها
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

قال ابن المعتز: فيما تزندق فيه أبو العتاهية قوله:

إذا ما استجزت الشك في بعض ما ترىفما لا تراه العين أمضى وأجوز
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «إذا ما استجزت الشك في بعض ما ترى»

قال ابن المعتز: لما قال:

فاضرب بطرفك حيث شئت فلن ترى إلا بخيلا

قيل له: بخلت الناس، قال: فاكذبوني بواحد.

قال ابن المعتز: وحدثني أبو سعيد عن الأثرم قال: كانت أم جعد، وهي امرأة من غدانة بن يربوع واقعت أوس بن حجر في الجاهلية فقالت:

أنعت عيراً هو أير كلهحافره ورأسه وظله
كأن حمى خيبر تملهأنعظ حتى طار عنه جله

يدخل في فقحة أوس كله.

فهرب أوس منها فاتبعته وهي تقول:

أطلب أوساً لا أريد غيرهنايكته فشق بظري أيره

شاعر:

مررت بأير بغل مسبطرفويق الأرض كالعنق المطوق
فما إن زلت أمرسه بكفيإلى أن صار كالسهم المفوق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أخذت بأيرِ بغل حين أدلى»
فلما أن ربا ومذى وأمذىضربت به حر أم أبي الشمقمق

قال ابن أذينة لعبد العزيز بن مروان في كلام جرى: لا، ولكنك ملول، قال: لو كنت ملولاً ما صبرت على مواكلتك سنة وأنت أبرص.

لعبادة بن البر الجعدي:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةجميع الهوى قد راجع النفس طيبها

قال بعض النحويين: بين قولك: ما زيد كعمرو ولا شبيهاً به، وبين قولك: ما زيد كعمرو ولا شبيه به فرق، أن القول الأول في النصب نفي لزيد عن مشابهته، وفي الجر نفي عن كونه شبيهاً به. وهذا فيه تحكم، وكثير من أصحابنا لا يطمئنون إلى هذا الفرق.

قال بعض النحويين: معنى قولك: أنت لولا أن أباك أبوك هو: أنت الكامل لولا أبوك، كأنه إشارة إلى فضله التام إلا من جهة الوضع من أبيه.

شاعر:

ما ذاق طعم النوم أو ما غمضاإذا الكرى في عينه تمضمضا

لأبي نخيلة:

ها أنا سيف من سيوف الهندما شمت إلا نظرة في غمد
فإن تقلدني فعد لي حديوكل ما سرك عندي عندي

دخل عبد الرحمن بن قديد العذري على معاوية يستعدي على هدبة بن الخشرم فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء وطئوا حريمي، وروعوا حرمي، وقتلوا أخي.

ذم أعرابي قوماً فقال: ما زلت فيهم خميرة سوء يبقيها الماضي للباقي حتى أورثوها فلاناً فعجنها بيده وأكلها بفيه.

انظر إلى استعارة العرب وإلى اقتدارها في الكلام وركوبها كل متن ووجيفها في كل واد.

قال الحسن: اللهم اجعل أهل العراق صخرة تجري عليها دماؤنا، فما ينال بهم حق، ولا يرتق بهم فتق، وذلك لما تفرق عنه أصحابه.

وقف أعرابي بباب بعض الملوك فقال: أعينوا الجائع الضعيف، فقال البواب، وكان سميناً: لعنكم الله فما اكثر جائعكم، فقال: والله لو فرق قوت جسمك في أبدان عشرة منا لكفانا شهراً، وإنك لعظيم السرطة، جسيم الضرطة، ولو ذري بجيفتك بيدر لكفته.

وروي عن عمر أنه قال: إذا تناجى القوم في دينهم دون العامة فهم على تأسيس ضلالة.

طلق أعرابي امرأته فقالت: ولم تطلقني؟ قال: لقبح منظرك، وسوء مخبرك، والله إنك ما علمت لدائمة الذرب، كثيرة الصخب، مبغضة في الأهل، مشنوءة عند البعل، قصيرة الأنامل، متقاربة القصب، جبهتك نابية، وعورتك بادية، أكرم الناس عليك من أهانك، وأهون الناس عليك من أكرمك، قالت: وأنت والله إن نطق القوم أفحمت، وإن ذكر الجود انقمعت، ضيفك جائع، وجارك ضائع، القليل منك إلى غيرك كثير، والكثير من غيرك إليك قليل.

قال أنس: قيل: يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني اسرائيل، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهر الإدهان في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الملك إلى صغاركم، والفقه في رذالكم.

قال الحسن البصري: لا يرد جوائز الأمراء إلا مراء أو أحمق.

قال الأصمعي: لما قتل المختار أخذ رأسه وحمل بدنه على بغل، فكان كلما مال مسك بأيره، فكان أيره سكانه. هذا لفظ الأصمعي.

لأبي الخطاب النحوي:

أما والله لولا خوف هجريكون من التنازع والعتاب
وأمر لست أدري كيف آتيإذا فكرت فيه بالجواب
لقلت مقالة فيها شفاءلنفسي من هموم واكتئاب
ولكن سوف أصبر فاصطباريعلى المكروه أولى بالصواب

قال ابن السماك: عجباً للفتى المترف الذي تعود النعيم في الدنيا، والطعام الطيب، والمركب الوطيء، والمنزل الواسع، كيف لا يعمل ها هنا مخافة أن يفوته ذاك في الآخرة، وعجباً للفقير المجهود الذي لا يقدر من الدنيا على حاجته كيف لا يعمل رجاء أن يذهب إلى نعيم وروح ويستريح مما هو فيه.

قال عبيد الله بن زياد: إياكم والطمع فإنه دناءة، والله لقد

رأيتني على باب الحجاج، وخرج الحجاج فأردت أن أعلوه بالسيف فقال: يا ابن ظبيان، هل لقيت يزيد بن أبي مسلم؟ قلت: لا، قال: فألقه فإنا قد أمرناه أن يعطيك عهدك على الري، قال فطمعت فكففت، وإنه عاد إلى يزيد بن أبي مسلم فلم يكن معه عهد ولا شيء، وإنما قال الحجاج ما قال حذراً منه.

شعر:

ما يألف الدرهم المنقوش خرقتناإلا لماماً قليلاً ثم ينطلق
إنا إذا كثرت يوماً دراهمناظلت إلى سبل الخيرات تستبق

وجد عمرو بن العاص في الوهط - ضيعته - رجلاً يقطف عنباً فقال: ويلك ما علمت ما أنزل الله على موسى؟ قال: ما هو؟ قال: من تسور وهطين وأخذ قطفين فإنه يدخل نارين فقال لا والله على عيسى قال من سرق مصرين، وأنفق وهطين، فإنه يدخل نارين، فقال عمرو: والله أنزل الله تعالى هذا ولا ذاك.

لما ولي سوار القضاء كتب إلى أخ له يسكن الثغور: إنه إنما حملني على الدخول في القضاء مخافة أن أدخل فيما هو أعظم منه - وذكر كثرة

العيال، وشدة الزمان، وجفوة السلطان، وقلة المواساة، فرق له وكتب إليه: فإني أوصيك بتقوى الله تعالى يا سوار، الذي جعل التقوى عوضاً من كل فائدة من الدنيا، ولم يجعل شيئاً من الدنيا عوضاً من التقوى، فإن الدنيا عقدة كل عاقل، بها يستنير وإليها يستروح، ولم يظفر أحد في عاجل الدنيا وآجل الآخرة بمثل ما ظفر به أولياء الله الذين شربوا بكأس حبه، وكانت قرة أعينهم في ذلك، لأنهم أعملوا أنفسهم في حريم الأدب، وراضوها رياضة الأصحاء الصادقين، وظلفوها عن الشهوات، وألزموها القوت المعلق، وجعلوا الجوع والعطش شعاراً لها، حتى انقادت وأذعنت لهم عن فضول الشهوات، فلما ظعن حب فضول الدنيا عن قلوبهم، وزايلته أهواؤهم، وكانت الآخرة نصب أعينهم، ومنتهى أملهم، ورث الله تعالى قلوبهم الحكمة، وقلدت قلائد العصمة، وجعلت نوراً للعالم الذي يلمون منه الشعث ويشبعون الصدع، فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاءهم من الله موعود صادق اختص العالمين به والعاملين له، فإذا سرك أن تسمع صفة الأبرار الأتقياء فصفة هؤلاء فاستمع، وشمائلهم فاتبع، وإياك يا سوار وبنيات الطريق.

قال الأصمعي: لزياد الأعجم في قتيبة بن مسلم:

فما سبقت يمينك من يمينولا سبقت شمالك من شمال

قال عبد الملك بن عمير: المرأة السوداء بنت السيد أحب إلي من المرأة الحسناء بنت الرجل الدنيء.

قال عبد الملك بن صالح: قال رجل لابن السماك: أما بلغك أن القصص بدعة، وكان عريفاً، قال: فبلغك أن العرافة سنة؟!.

كان لقيط راوية أهل الكوفة، قال: تقدم رجل من التجار إلى العريان بن الهيثم، كان التاجر فصيحاً صاحب غريب، ومعه خصم، فقال التاجر: أصلحك الله، إني ابتعت من هذا عنجداً واستنسأته شهراً أؤديه مياومة، ولم ينقض الأجل، ولقد أديت بعض حقه فليس يلقاني في لقم إلا فثأني عن وجهي، وأنا مهيء ماله إلى انقضاء الأجل، فقال له العريان: من أنت؟ قال: رجل من التجار، قال: أي عاض بظر أمه، تتكلم بهذا الكلام؟ ضعوا ثيابه، فأهوت الشرط إلى ثيابه فقال: أصلحك الله إن إزاري

مرعبل، فضحك العريان وقال: لو ترك الغريب في موضع لتركه ها هنا، خلوا عنه.

أصابت أبا علقمة الحمى فأرسل إلى الطبيب فقال: أنظر إلي، فأخذ بيده وحبس عروقه فقال: أصلحك الله، أي شيء يوجد لك؟ فقال: أجد رسيساً في أسناخي، وأزاً فيما بين الوابلة إلى الأطرة من دأيات العنق قال: أصلحك الله هذا وجع القريس، قال: أبو علقمة: وأين سعد من قريش؟! والناس بنو آدم، قال: إن شئت ولد آدم وإن شئت ولد عيسى، ليس عندنا لهذا الكلام دواء.

دعا أبو علقمة حجاماً فقال له: أخرج منك دماً قليلاً أو دماً كثيراً؟ فقال: اشدد قصب الملازم، وأرهف ظبى المبازع، وخفف الوقع،

وعجل القطع، ولا تستكرهن أبياً، ولا تدون ايتا واسفف ولا تسفف، فقام الحجام وقال: جعلني الله فداك، ليس لي علم بالحرب. يقال: أسفف أي قارب بين الشرط، ولا تسفف، يقول: لا تفرق بين الشرط.

قال الزبير بن بكار: لأمية أبيات نهى رسول الله ﷺ عن إنشادها وهي:

ماذا ببدر فالعقنقل من مرازبة جحاجح
شيب وشبان بهاليل مخاريق دحادح
فمدافع البرقين فالحنان من طرف الأواشح
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «ألا بكيت على الكرا»
هلا بكيت على الكرام بني الكرام أولي المنادح
كبكا الحمام على فروع الأيك في الطير الجوانح
يبكين حرى مستكينات يرحن مع الروائح
من يبكهم يعول علىحذر ويصرف كل مادح
أو لا يرون كما ارىولقد يبين لكل لائح
أن قد تغير بطن مككة فهي موحشة الأباطح
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «ألا بكيت على الكرا»
من كل بطريق لبطريق نقي اللون واضح
القائلين الفاعلين الآمرين بكل صالح
المطعمين الشحم فوق اللحم شحماً كالأنافح
خف الخميس إلى الخميس إلى جفان كالمناضح
ليست بأصدار لمنيعفو ولا رح رحارح

قال أحمد بن أبي طاهر: حدثني حبيب قال، حدثني بعض المشايخ قال: سمعت رجلاً يقول: لو صور الصدق لكان أسداً، ولو صور الكذب لكان ثعلباً، وما صاحبهما منهما ببعيد.

قال أحمد: وحدثني حبيب قال، حدثني رجل من الحي قال: كان فينا شيخ شريف، فأتلف ماله في الجود، فصار يعد ولا يفي، فقيل له:

أصرت كذاباً؟ قال: نصرة الحق أفضت بي إلى الكذب.

قال: وعد رجل رجلاً فلم يقدر على إنجاز ما وعد، فقال: كذبتني، فقال: لا ولكن مالي كذبك.

قال أكثم بن صيفي: دعامة العقل الحلم، والمسألة مفتاح التوثق، وفي المشورة مادة الرأي.

كتب معاوية إلى زياد: اعزل حريث بن جابر، فإني ما أذكر فتنة صفين إلا كانت حزازة في قلبي، فكتب إليه زياد: خفض عليك يا أمير المؤمنين، فقد بسق حريث بسوقاً لا يرفعه عمل، ولا يضعه عزل.

وذكر أعرابي قوماً فقال: كلام الناس أشجار وكلامهم ثمار.

وقيل لصعصعة بن صوحان: كيف كان طلحة - وسئل عن جماعة من الصحابة - فقال: كان حلو الصداقة، مر المذاقة، ذا أبهة شاحطة.

قال عمرو بن عتبة: تألفوا النعمة بحسن مجاورتها، والتمسوا

المزيد فيها بالشكر عليها، واحملوا أنفسكم على مطية لا تبطئ إذا ركبت، ولا تسبق وإن تقدمت، قالوا: ما هذه المطية؟ قال: التوبة.

قال الأحنف في صفين: أما إذا حكمتم أبا موسى فأدفئوا ظهره بالرجال.

يقال: المواعيد رؤوس الحوائج والإنجاز أبدانها.

سمع أعرابي شعراً جيداً فقال: هذا رخيص المسمع، غالي المطلب.

قال أبو العيناء: غنانا علويه في منزل إسحاق، وكان اليزيدي معنا، فقال له اليزيدي، وكان علويه يضرب باليسار: أسأل الله الذي جعل سرورنا بيسارك أن يعطيك كتابك بيمينك.

قيل لرجل: لم فضلت الغلام على الجارية؟ فقال: لأنه الطريق صاحب، وع الإخوان نديم، وفي الخلوة أهل.

قال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز وهو صبي: كيف نفقتك علة عيالك؟ فقال: حسنة بين سيئتين، فقال لمن حوله: أخذه من قول الله تعالى " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً " الفرقان:.

قال أبو الدرداء: التمسوا الخير دهركم، وتوسموا له ما استطعتم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن الله تعالى نفحات يصيب بها من يشاء من عباده، وأسأل الله تعالى أن يستر العورة، ويؤمن الروعة.

قيل لفيلسوف: ما أعم الأشياء نفعاً؟ فقد الأشرار.

قدم بعضهم عجوزاً دلالة إلى قاض فقال: أصلح الله القاضي، زوجتني هذه امرأة عرجاء، فقالت: أعزك الله، زوجته امرأة يجامعها لم أزوجه حمارة يحج عليها.

يقال: إذا كان لك فكرة، ففي كل شيء لك عبرة.

شاعر:

بان الأحبة والأرواح تتبعهمفالدمع ما بين موقوف ومسفوح
قالوا نخاف عليك السقم قلت لهمما يصنع السقم في جسم بلا روح

قال العباس بن الحسن في كاتب: ما رأيت أوقر من علمه، ولا أطيش من قلمه.

قال فيلسوف: الإنسان مستور ما أتبع قبيحه حسناً.

قال أعرابي: رب جواد عثر في استنانه، وكبا في عنانه، وقصر في ميدانه.

قال رجل لأبي سعيد الحداد: أخطأت، قال: أخطأت أنت حين تظن أني لا أخطئ.

قال رجل لرجل: غلامك ساحر، قال: قل له يسحر لنفسه قباءً وسراويل.

قال رجل: أريد أن أعتقد لولدي ما يعيشون به بعدي، فقال له زاهد: أنت ممن لا يعبد الله إلا بكفيل.

كان عامر بن عبد الله يقول: أربع آيات في كتاب الله إذا قرأتهن ما أبالي على ما أصبح وأمسي: قوله: " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده " فاطر:، وقوله ﷿: " وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو " يونس:، وقوله: " سيجعل الله بعد عسر يسراً " الطلاق:، وقوله: " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " هود:.

كتب بعض الكتاب إلى صديق له وقد تأخر عنه كتابه: إن كنت لا تحسن أن تكتب فهذه زمانة، وإن كنت تكتب ولا تكاتب إخوانك فهذا كسل، وإن كان ليس لك قرطاس ودواة فهذا سوء تدبير، وإن اعتذرت بعد ما كتبت إليك فهذه وقاحة.

شاعر:

وإذا تبسم سيفهبكت النساء من القبائل
وإذا تخضب بالدماء نهضن في سود الغلائل
لا شيء أحسن عندهمن نائل في كف سائل

نظر ابن سيابة إلى مبارك التركي وتحته دابة، فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا رب، هذا حمار وله دابة، وأنا إنسان وليس لي حمار!!.

تاب مخنث فلقيه مخنث آخر فقال: يا فلان أيش حالك؟ قال: قد تبت، قال: فمن أين معاشك؟ قال: بقيت له فضلة من الكسب القديم، قال: إذا كانت نفقتك من ذلك الكسب فلحم الخنزير طري خير منه قديد.

قال ابن أبي فنن: دخلت يوماً إلى الفتح بن خاقان أسأله إيصالي إلى المتوكل لأنشد شعراً، وأنشدته:

إذا كنت أرجو نوال الإماموفتح بن خاقان لي شافع
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
فقل للغريم أتاك الغياثوللضيف منزلنا واسع
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

قال: وكان الفتح يشرب، فأمرني بالجلوس وقدم إلي النبيذ وأمرني بالشرب، فقلت: ما أكلت شيئاً أيها الأمير، فجاءني بعض الخدم فأخذ بيدي إلى خزانة وقدم لي طعاماً، فأكلت وعدت إلى مكاني فجلست، فقال لي الفتح: خذ ما تحت مصلاك، فنظرت فإذا بصرتين، فقال: أما إحداهما ففيها مائة دينار وهي لجائزتك، وأما الأخرى ففيها مائة دينار لحسن أدبك وقولك: إني ما أكلت شيئاً.

جحظة:

غنت فهاجت حربيوضاع فيها طربي
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فشعرها من فضةوثغرها من ذهب
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

قيل لمزيد وقد اشترى حماراً: ما في حمارك عيب إلا أنه ناقص الجسم يحتاج إلى عصا، قال: إنما كنت أغتم لو كان يحتاج إلى بزماورد، فأما العصا فأمرها هين.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.