من «النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية» لعمارة اليمني (ت ٥٦٩هـ)
النكت العصرية (٢)
فيه بيتين من شعره عملهما في تلك الساعة وهما:
نحن في غفلة ونوم وللموت عيون يقظانة لا تنامُ
قد رحلنا إلى الحِمام سنيناًليت شعري متى يكون الحِمامُ
ثم قال لي تأملهما وأصلحهما إن كان فيهما شيء قلت هما صالحان وكان آخر عهدي به لأنه مات بعد هذا بثلاثة أيام.
ومن عجيب الاتفاق أني أنشدت ابنه مجد الإسلام في دار سعيد السعداء ليلة السادس عشر من شهر رمضان أو السابع عشر قصيدة أقول فيها:
أبوك الذي سطو الليالي بحدهوأنت يمينٌ إن سطا وشمالٌ
لرتبته العظمى وإن طال عُمرهإليك مصيرٌ واجبٌ ومآلُ
تخالَك اللحظُ المصون ودونهاحجاب شريف لا انقضى وحجالُ
فانتقل المُلك بعد ثلاث ليال إليه ومما رثيته به وإن
كان كثيراً قولي:
أفي أهل ذا النادي عليمٌ أسائلهُفإني لما بي ذاهبُ اللب ذاهلُهْ
سمعتُ حديثاً أحسدُ الصُّمَّ عندهويذهل واعيه ويخرس قائلُهْ
فقد رابني من شاهد الحال أننيأرى الدست منصوباً وما فيه كافلُهْ
وإني أرى فوق الوجوه كآبةًتدل على أن الوجوه ثواكله
دعوني فما هذا بوقت بكائهسيأتيكم ظلُّ البكاء ووابله
ولِمْ لا نبكيه ونندب فقدهوأولادنا أيتامه وأرملُهْ
فيا ليت شعري بعد حسن فعالهوقد غاب عنّا ما بنا الدهرُ فاعلُهْ
أيُكرَم مثوى ضيفكم وغريبكمفيسكن أو تطوى ببينٍ مراحلُهْ
وقلت فيه من قصيدة:
تنكد بعد الصالح الدهر فاغتدتْمجالسُ أيتامى وهنّ غُيوبُ
أيُجدِب خدّي من ربيع مدامعيوربعي من نُعمَي يديه خصيبُ
وهل عنده أن الدخيل من الجوىمقيمٌ بقلبي ما أقام عَسيبُ
وإن برقتْ سِنّي لذكر حكايةٍفإنّ فؤادي ما حييتُ كئيبُ
ورثيته بقصيدة أولها:
طمَعُ المرء في الحياة غُرورُوطويلُ الآمال فيها قصيرُ
ولكم قدّر الفتى فأتتهنُوَبٌ لم يُحِطْ بها التقديرُ
منها:
فَضَّ ختمَ الحياة عنك حِمامٌلا يراعى أذناً ولا يستشيرُ
ما تَخَطَّى إلى جلالك إلاقدرٌ أَمرُه علينا قديرُ
بذّرتْ عمرَك الليالي سَفاهاً=فسيعَلمنَ ما جنى التبذيرُ
يا أمير الجيوش هل لك علمٌأن حَرَ الأسى علينا أميرُ
إن قبراً حللتَهُ لغنىٌإنّ دهراً فارقتَه لفقيرُ
وبعيدٌ عنك السُّلُوُّ بشيءولك الفكرُ موطنٌ والضميرُ
منها في صفة ابنه:
لا يقولنّ جاهلٌ بالقوافيذهب الناقدُ السميع البصيرُ
فالمرَّجى أبو شُجاعٍ عليمٌبمقادير هلهنّ خبيرُ
كنتُ أخشى بأن يقول المنادىأيُّها الضيف جفَّ عنك الغديرُ
فابتداني بفضله قائلاً ليلك في ظلّيَ المحلُ الأثيرُ
ثم أسدى اليدَ التي كل خِلٍّحاسدٌ لي من أجلها وغيورُ
ملكَ القلب واللسان فهذامضمِرٌ حبَّه وهذا شكورُ
أخبار الملك الناصر بن الملك الصالح فأما أخبار الملك
الناصر العادل رزيك بن الصالح فإن الله لم يمهله إلا مديدةٌ يسيرة وكانت أفعال الخير فيها كثيرة وذلك أنه سامح الناس بالبواقي والحسبانات القديمة، وأسقط من رسوم الظلم مبالغ عظيمة، وقام عن الحاج بما يستأديه منهم أمير الحرمين وسيّر على يد الأمير شمس الخلافة إما خمسة عشر الفا أو دونها إلى أمير الحرمين عيسى بن أبي هاشم برسم إطلاق الحاج وظفر بقتلة أبيه ظفراً عجيباً بعد تشتيتهم في البلاد وكان زفاف أخته إلى الخليفة العاضد في وزارته ونُقل تابوت أبيه من القاهرة إلى مشهد بني له في القرافة كل ذلك في وزارته وحفر سرداباً تحت الأرض يوصل فيه من دار الوزارة إلى دار سعيد السعداء ومن محاسن أيامه وما يؤرخ عنها بل هي الحسنة التي لا توازي، واليد البيضاء التي لا تجازى، خروج أمره إلى وإلى الإسكندرية بتسيير القاضي الأجلّ الفاضل أبي على عبد الرحيم بن علي البيساني إلى الباب واستخدامه
بحضرته وبين يديه في ديوان الجيش فإنه غرس منه للدولة بل للملة شجرة مباركة متزايدة النما، أصلها ثابت وفرعها في السما، تؤتى أكلها كل حينٍ بإذن ربها وحمل إلى الخليفة في زفاف أخته بيوت مال أقلها قناطير الذهب وترامت في أيامه الحال بالأمير عز الدين حسام قريبه وعظم صيته واستولى على تدبير كثير من أموره عمه فارس المسلمين وصهره سيف الدين وعظم غلمان أبيه عن الوقوف عند أوامره وفي أيامه قُتل الخارجي ابن نزار وقُتل أيضاً في أيامه المعظم بن قوام الدولة فإما فراسته فكان فارساً يُطلق بعدة من القنطاريات ولم يُشهر له من البأس إلا خروجه بعد عمه وسيف الدين في نوبة غارة الإفرنج على أعمال الحوف فإنه أغذَّ السير خلف الإفرنج إلى أبي عروق
وعاد ففرق في الجيش على بلبيس مالاً كثيراً وحمل وخلع على أعيان والموقف الثاني إدراكه لبهرام الغزى حين نافق طالباً للصعيد فإنه سرى فيمن خفَّ معه من الجيش حتى أدرك الغز عند الفجر فقتلهم وأسرهم وأما كرمه فلم يكن ببخيل وأبوه أكرم منه وأما فهمه فكان يعرف جيد الشعر ويستحسنه ويثيب عليه وما من هذه القضايا قضيةٌ إلا وهي مقيدة بأشعار لي ولغيري فمما قلت في غارته إلى أبي عروق في لتماس الإفرنج حين أغاروا على الحوف من قصيدة.
أنت الذي يَعقد الإسلامُ خنْصَرَهعليه إن جلّ خَطْبٌ أو طرا وَطَرُ
متوَّج تشرِق الدنيا بطَلْعتهوتَخجل الشمسُ مهما لاح والقمَرُ
كأن أخلاقه من حُسْنِ خِلْقتهصيغت فقد راقت الأفعال والصُّوَرُ
إذا أقامت على ثغرِ صوارمُهفللنوائب عن سُكّانه سَفَرُ
أغرتَ قبل أبي الغارات مقتحماًللهول تستصغر الجُلَّى وتَحتقِرُ
فكان شمساً وكنتَ الفجرَ يقدمُهاوالفجرُ في الجو قبل الشمس ينتشرُ
منها:
وحين أبليتَ عذراً في اللحاق بهموالنصرُ يُقسم لا فاتوه والظفرُ
وقال عزمُك لما أن ألحّ ولميَلُح له منهم عينٌ ولا أثرُ
إن ينجح منها أبو نصرٍ فعن قَدَرٍنجا وكم قُدرةٍ قد عاقها القدرُ
وعُدتَّ نحو مقرّ العزّ في عُصَبيَفْنَى بها الأكثران الرمْلُ والمطرُ
وبالصوارم في أجفانها أسفٌتكاد من حرّه الأجفانُ تستعِرُ
أيقنت منذ أرحتَ المُلْكَ من تَعَبٍأن سوف يتعبُ في أوصافكَ الفِكرُ
وخلع على ثياباً وأمر لي بغلّة وذهب فقلت أشكره من قصيدة:
من شاكرٌ عنّى نداه فإننيعن شكرِ ما أولاه ضاقَ نطاقي
مننٌ تخفَ عليه إلا أنهاثقلت مؤونتُها على الأعناقِ
وكان ينقم على قولي في عمه بدر الدين رزيك:
يا ثانياً لأبي الغارات في شرفأمسى به ثامناً للسبعة الشُّهُبِ
أنت الرديف له في رتبة سحبتْأذيالها بكما عُجْبا على السُّحُبِ
فاسترضيتُه بقصيدة منها:
مولاي دعوةُ خادمأهملته بعد احتفالِكْ
إن كان عن سبب فلايذهبْ بحلمك واحتمالِك
أو كان عن مَلَلٍ فمايَخشى وليُّك من ملالِكْ
إن خفتُ دهري بعد ماأعلقتُ حبلى في حبالِكْ
ومدحتُك المِدحَ التيعبّرتُ فيها عن فعالِكْ
فالجوُّ مسدودُ الهوىوالأرضُ ضيقة المسالِكْ
ومما ذكرته في نوبة بهرْام الغُزّىّ قصيدة منها:
لما تمردّ بهرامٌ وأُسرتُهبغياً وراموا قراعَ النبعْ بالغَرَب
ظنوا الشجاعةَ تُنجيهم فقارعهمأبو شُجاعٍ قريمُ المجد والحَسَبِ
أسرى إليهم ولو أسرى إلى الفلك الأعلىلخافت قلوبُ الأنجُم الشُّهُبِ
في ليلة قدحتْ زُرقُ النّضال بهاناراً تُشبّ بأطرافْ القنا الأَشِبِ
سما إليهم سُمُوَّ البدر تَصحبهكواكبٌ من سحاب النقع في حُجُبِ
المشرِعون من المُران أرشيةٌنابت قلوبُ أعاديها عن القلبِ
والطاعنون الأعادي كل مزبدةكأنها كأسُ خمرٍ حاشَ بالحبَبِ
تَرْوى الرماحُ الطوامي من مجاجتهافتنشنى وعليها نشوةُ الطَّرَبِ
كأنَ لمع المواضى في أكفهمْصواعقٌ في الوغى تنقض من سُحُبِ
وقلت من قصيدة طويلة اذكر فيها مصاهرة الخليفة له:
خليليَّ قولاً للأجلّ نيابةفقد منعتني هيبةٌ وجلالُ
أخالك لا ترضى الكواكبُ مغْشَراوأنت لابناء الخلافة خالُ
ستفخر غسانُ بكم ويزيدهاعُلى أن آل المصطفى لك آلُ
وقلت من قصيدة في ذكر بني رُزّبِك أُخاطب الخليفة واذكر الصهر:
ضموا بشملك شملهم فكأنكممن ألفةٍ ألفٌ تُضَمُّ ولام
وغدوتم كالخَمس في كف الهُدَىوالدهرِ إلا أنك الإبهامُ
رحلتْ من الكنف الذي مازال فيأرجائه لبنى الرَّجاء زِحامُ
كَنَفٌ يبيت العِلمُ في حُجراتهيُتلى ويَخفق حوله الأعلامُ
ولقيتها بكرامة من أجلهاقعد الرجالُ الحاسدون وقامُوا
وتبوأتْ من حسن رأيك منزلاًلم يَعْدُه كَرَمٌ ولا إكرامُ
لم يُرضِك القصرُ الشريف وقد غدتْشُرفاتُه بالنَّيرات تُقامُ
فأحلها الإكرامَ خاطُرك الذيللوحي عنه رحلةٌ ومُقامُ
تهنى أميرَ المؤمنين مسرةٌ//هنّاه عنها المُلكُ والإسلامُ
لو لم يُسامح في الهناء عبيدَهلنهاهمُ الإجلالُ والإعظامُ
ومن قصيدة في ذكر لظفر بالخارجي ابن نزار أخاطب الخليفة:
ولقد أعزَّ مرامَ بيعتك التيأضحى يناضل دونها ويرامي
وكفاك أمرُ النائبات لعزمةخزمت أنوفَ عِداك بالإرغامِ
قُطعت رجاءُ الخارجي عليكموصحابُها من سكرة الأحلامِ
أذكى العيونَ على عدوك ضابطاًأنفاسه في يقظة ومنامِ
حتى أتتك به السعادة راكباًمتن الصباح وصهوة الإظلامِ
ومما قلته في انعقاد الصهر بين الخليفة وبينه من قصيدة:
زُقت إلى حُرم الأمام عقيلةٌعُقلت لها أيدي الثناء الشاردِ
هي دُرّة لم يرضَ عالي قدرِهابحراً سوى كَنَفٌ الأمام العاضِد
وقنيصةٌ لولا الخلافة لم تكنأبداً لتُغلق في حبال الصائد
عربيةٌ الأنساب لكن لم تَقِدْنيرانُها بالأَجرع المتقاوِدِ
زارتك من خيس الضراغم لبوةٌتُخمَى بأشبال الهِزَبْر اللابدِ
لا يُسنَد المُران حول خِبائهاإلا بجَنب مَراتبٍ ومَساندِ
صاهرتمُ من لا يزال رواقُها المحروس قبْلة راكعٍ أو ساجدِ
فُزتم بأبلجَ من سُلالةِ حَيْدَرِوَرَثَ الإمامةَ راشداً عن راشدِ
تَغدو قريش بالإضافة نجوَهممثلَ الجداول في الخِضَم الراكدِ
عن واحد وهو النبي تفرعواوكذا الألوفُ تفرعتْ عن واحدِ
عقدٌ غدا صلةً لغير قطيعةلكن كما اتصل الذراعُ بساعدِ
لو كانت القصصُ الخوالي قبلنامما يعود مع الزمان العائدِ
خِلْنا شُعَيْبا والكليم تجسدتْ=لهما حقيقةُ غائب في شاهدِ
وهي طويلة حصل لي على هذه القصيدة ثلاثُ صلات جزيلة من رزيك في إيوان القصر وقد ناب عن أبيه في الحضور مائةُ دينار على يد الأمير ابن شمس الخلافة وخرج عز الدين حسام من القصر إلى الصالح قبل كل أحد فقال له أنشد فلانٌ اليوم قصيدة من صفتها ومن شأنها فاستدعاني الصالح من ساعته إلى قاعة البحر من دار الوزارة فاستعادها ثم وصلني
بصلة جزيلة أُسيتُ مبلغَها ثم حضرنا للمجالسة تلك الليلة فأمر الصالح أهلَ الأدب من جلسائه أن يُنشده كلُّ واحد منهم ما عمله في القضية فأنشدوه وأمرني بالنشيد لها ففعلت ثم وصل الجماعة بمال وأجزل نصيبي أيضاً في تلك الليلة وأبنني بخير وعملتُ في نقله تابوتَ الصالح إلى القرافة قصيدة فيها ذكر المشهد والظفر بقاتليه وهي طويلة منها في التابوت.
خربتْ ربوعُ المكْرَمات لراحلعُمرتْ به الأجداثُ وهي قِفارُ
نعشُ الجدود العاثراتِ مشيِّععَميتْ برؤية نعشه الأبصارُ
نعشٌ تودُّ بناتُ نعش لو غدتونظامُها أَسَفاً عليه نِثارُ
شخص الأنامُ إليه تحت جنازةخُفضتْ برفعة قدرها الأقدارُ
ومنها:
وكأنها تابوتُ موسى أودعتْفي جانبيه سكينةٌ ووقارُ
أوطنتَه دارَ الوزارة ريْثَ مابُنيت لنُقْلته الكريمةِ دارُ
وتغايَرَ الهَرمان والحَرمان فيتابوته وعلى الكريم يُغارُ
آثرتَ مصراً منه بالشرف الذيحسدتْ قَرافتَها له الأمصارُ
غضب الإله على رجال أقدمواجهلاً عليه وآخرين اشرُوا
لا تعجبْنْ لقُدارَ ناقةَ صالحٍفلكل عصر صالحٌ وقُدارُ
أُحلِلْتَ دارَ كرامةَ لا تنقضىأبداً وحلَّ بقاتليك بَوارُ
وقع القصاصُ بهم وليسوا مُقْنِعاًيُرضى وأين من السماء غُبارُ
ضاقت بهم سعةُ الفِجاج وربمانام الولي ولا ينام الثارُ
فتَهَنَّ بالأجر الجزيل وميتةٍدَرَجتْ عليها قبلك الأخيارُ
مات الوصىُّ بها وحمزةُ عمُّهوابنُ البَتول وجعفرُ الطيارُ
وقلت قصيدة طويلة في ذكر ما حمله إلى أمير الحرمين عن حاج أهل المغرب ومصر.
ويسرتَ قصد البيت من بعد عُسرهفضاقت بحارٌ بالورى وسُهوبُ
فللفُلك في طامي العُباب تحدُّرُوللعيس في بحر السراب رُسوبُ
بذلتَ عن الوفد الحجيج تبرُّعاًمواهبَ لم يسمح بهنّ وهُوبُ
وحُطَّتْ بها عن ذمة ابن فلُيْتةٍوذمةِ أهل الأبْطَحَيْنِ ذنوبُ
وابيتَها وقفاً على البر خالصاًوفي بر قوم خالصٌ ومشوبُ
إذا جفَّ عودُ الزرع فهي مريعةٌوإن جفَّ درُّ الضرع فهي حَلوب
وقلت قصيدة طويلة هي في ديوان مدائحه اذكرُ فيها الظفر
بالخارجي الذي سيره عز الدين وكان يدعى الخلافة ويزعم الناس أنه من ولد نزار.
وفي لك خدُّ الجد والسيفُ غادرُوأنهضك التأييدُ والدهرُ عاثِرُ
وأغنتك عن سلّ المواضى سعادةٌتدور بهابها فيمن عصاك الدوائرُ
ليهنِك فتحٌ أنجبتْ لك أمةوأمُ العُلَى بالنصر والفتح عاقِرُ
نصبتَ له فوق التُّراب وتحتهحبائلَ كيدٍ ما لهنّ مرائرُ
ومازال مرعيا من الصبح والدُّجىبعينِ رقيبٍ طرفُها لك ساهرُ
فكان ورودُ النيل أقصى أمانةفحلَّ به من أمنه ما يُحاذرُ
ثم دخلت قاعة السِّر من دار الوزارة وفيها طي بن شاوَرَ وضِرغامٌ وجماعة من الأمراء مثل عز الزمان ومُرتفع الظهير ورأسُ رزيك بن الصالح بين أيديهم في طَسْت فما هو غلا أن لمحتْه عيني ورددتُّ كمي على وجهي ورجعت على عقبي وما
ملأتُ عيني من صورة الرأس وما من هؤلاء الجماعة الذين كان الرأس بين أيديهم إلا من مات قتيلا وقُطعت رأسه عن جسده فأمر طيٌّ من ردني فقلتُ والله ما أدخل حتى تغيب الرأس عن عيني فرفع الطستُ وقال لي ضرغام لم رجعت قلت بالأمس وهو سلطان الوقت الذي نتقلب في نعمته قال لو ظفر رزيك بأمير الجيوش أو بنا ما أبقى علينا قلت لا خير في شيء يؤول الأمر بصاحبه من الدست إلى الطست ثم رجت وقلت:
أعزِز على أبا شُجاعٍ أن أرىذاك الجبين مضرَّجاً بدمائهِ
ما قلّبته سوى رجال قلّبواأيديهم من قبلُ في نعمائهِ
أيام أمير الجيوش شاورَ الأولى لما وصل شاورُ إلى الغربية وعدَّى من البحيرة أسرى ضرغام ونظراؤه من وجوه الأمراء كاخوته مُلهم وهُمام وحُسام ويحيى بن الخياط وبني الحاجب من عسكر بني رزيك فلمّا اجتمعوا بشاور أسقط ما في أيدي
العسكر الباقي مع بني رزيك ولم يلبث الأمر إلا ريث ما عدّى شاور حتى زالت دولة بني رزيك وإنما زالت دولة مصر بزوالهم ولما جلس شاور في دار الذهب على شط الخليج انثالت عليه وعلى ولديه طي والكامل أموال بني ريك وودائعهم من عند الناس حتى كان في الناس من يتبرع بما عنده وافترقت أمراء البرقية فضرغام ومن معه حزبٌ والظهير مرتفع وعين الزمان وابن الزبد ومن معهم حزبٌ فأما ضرغام فكان أظهر الحزبين لأنه نائب الباب ولأنه من نفسه وأخوته وأصهاره في جيش عظيم وما نظراؤه فاختصوا بطي بن شاور فكاثروه ولازموه إلى أن ما كان من خروج شاور إلى الشأم وقتل ولده طي ووزارة ضرغام فأما أخلاق شاور في الوزارة الأولى فكانت مستورة باستمرار السلامة والطاعة والاستقامة ولم يكن فيها أقبح من قتل الناصر بن الصالح فإنها سودت ما أبيض من عالي قدره، وأعربت عن ضيق عطنه وحرج صدره،
وما من هذه الأحوال وغيرها إلا ما وسمته بشيء من النظم وأنا مورد منه ما يكون شاهداً لما ذكرته لما جلس شاور في دار الذهب قام الشعراء والخطباء ولفيف الناس إلا الأقل ينالون من بني رزيك وضرغام نائب الباب يحيى بن الخياط أسفهسلار العساكر وكانت بيني وبين شاور أنسة تامة مستحكمة فأنشدته قصيدة في اليوم الثاني من جلوسه والجمع حافل أولها.
صحّت بدولتك الأيام من سقمِوزال ما يشتكيه الدهر من ألمِ
زالت ليالي بني رزيك وانصرمتْوالحمدُ والذمُّ فيها غيرُ منصرمِ
كأن صالحهم يوماً وعادلهمفي صدر ذا الدست لم يقعد ولم يقم
هم حركوها عليهم وهي ساكنةوالسلمُ قد تُنبت الأوراقَ في السلم
كنا نظن وبعض لظن مأثمةبأن ذلك جمٌ غيرُ منهزمِ
فمذ وقعت وقوعَ النسر خانهمُمن كان مجتمعاً من ذلك الرحمِ
كان ضرغام ينقم على هذا البيت ويقول أنا عندك من الرَّخم.
ولم يكونوا عدوُّا ذلَّ جانبهوإنما عرقوا في سيلك العرِم
وما قصدتُّ بتغطيتي سواك سوىتعظيم شأنك فأعذرني ولا تلمِ
ولو شكرتُ لياليهم حافظةلعهدها لم يكن بالعهد من قدمِ
ولو فتحت فمي يوماً بذمتهملم ضرَ فضلك إلا أن يسد فمي
والله يأمر بالإحسان عارفةمنه وينهي عن الفحشاء في الكلم
فشكرني شاور وأبناه في الوفاء بنى رزيك ولما انتقل شاور إلى دار سعيد السعداء أنشدته قصيدة هي ثابتة في الديوان منها في حق بني رزيك قبل أن يقتل الناصر ابن الصالح.
وعلمتنا صون للسان بسيرةٍرايناك في حقن الدماء تسيرها
أفضت على غربي حسامك ظهرهاففاض على غربي لساني ظهورُها
وحاشاك أن ترضى بذم خوادربصارمك الماضي تُصان خدورها
وما الوزراء الغرُّ إلا سوابقٌمضى أولٌ منها ووافى أخيرُها
وإن حُقق التشبيه فيكم فإنماطلعتم شموساً حين غابت بدورها
سحائبُ إن لم أروَ منها فإننيأرى الغدر عندي أن يذَمَّ غديرها
ومن كتم الحُسنى فإني مذيعهاون كفر النُّعمى فإني شكورها
وعندي شكر المحسنين محاسنٌتقدُّ على قد الأيادي سيورُها
أتاكم بها من رقةٍ وجزالةفرزَْدقُها في عصركم وجريرها
أنا العربي المحضُ شعراً ومعشراًإذا شانَ قوماً شعرُها أو عشيرُها
فلا تسمعوا مدحاً سوى ما أقولهفما يستوي حولُ العيون وحورُها
أرى سير الأملاك تفنى وإنمايكون بمثلى بعثُها ونشورُها
إذا دثرتْ أحسابُ قوم فإنمابصيقلِ هذا القول يُجلَى دثورُها
وإن القوافي تُنسى إناثهاويختص بالذكر الجميل ذكورها
ومدحت الكامل في الوزارة الأولى بقصيدة منها فيما يخص بني رزيك:
سلبتم بني رزيك بيضة عزهموكانت قديماً لا تُراعُ بسالبِ
تجاذبتمُ حبلَ المعالي فكنتمعلى ترعها أقوى يدا في المُجاذبِ
ولم يذهبوا من أجل ضعف وإنمارُمُوا بشهاب من يد الله ثاقبِ
فإما كرم شاور فكان إليه المنتهى لم يكن يمسك شيئاً ولا يكنزه وأما الحماسة وشدة البأس فهو في مواطن الموت شديد الثبات، سديد الوثبات، وما أصدق ما قلت فيه من قصيدة أهنئه بفتح بلبيس بعد الحصار.
حِمى الوطيس فخاضه بعزائمٍعلَّمن حسن الصبر من لم يصبر
ضجرَ الحديدُ من الحديد وشاورٌفي نصر آل محمد لم يضجرِ
حلفَ الزمان ليأتينَ بمثلهحنِثتْ يمينُك يا زمانُ فكفِّرِ
وسمعت سيف الدين حُسيَنْا صهر الملك الصالح وقد جاء إلى فارس المسلمين بدر بن رزيك عند خروجه في العسكر إلى تروجة منع شاور عن الوصول من واحاتٍ إلى البحيرة يقول له انظر كيف يكون فإن طرخان لما ثار من إسكندرية يطلب الوزارة وسرتُ أنا وأنت في العسكر وامتنع الناس عن التعدية كان شاور أول من عدى ثم وثب على فرسه بلا سرج وهو بقول:
لاخيرَ في الشيخ إذا لم يجهلِ
وزارة ضرغام وهو الملك المنصور وكانت مدة وزارته حمل الجنين تسعة أشهر سواء وضرغام أشهر محاسنا من أن يوصف كان فارس عصره، وفي الكتابة وكمال الصورة وجمال المحاضرة
وحيد دهره، وكان عاقل الكرم لا يضعه إلا في سمعة ترفعه، أو مداراة تنفعه، وكان أذناً مستحيلاً على أصحابه وإذا ظن بإنسان شراً جعل الظن بقينا وبعد زوال ما سبق إلى خاطره وبُلى من أخيه فارس المسلمين همام بقذى الناظر، وشجا الحناجر، وفي أيامه ذهبت أمراء البرقية قتلا بسيفه صبراً وهم صبح بن شاهنشاه والظهير مرتفع وعين الزمان وعلي بن الزبد وأسد الغاوى وأقاربهم وكنت في أيامه خائفاً منه متعلقاً بصحبة أخيه ناصر المسلمين وأحضرني ليلة بساعٍ إلى قاعة البستان من دار الوزارة بعد شهرين من وزارته فوقه في خاطري منه توهم لم يزله إلا حسن الإيناس عند الحضور والاتيحاش من الغيبة وبسطني وناولني مما بين يديه بيده وأمر لي بذهب وقال أنتم عنوان الجمال من جالستموه يا أصحاب الصالح فقد تجمَّل فدعوت له وعملت فيه قصيدة أنشدته إياها في مقام الخليفة بقاعة الذهب منها في صفة
الدولة.
همَّ الزمانُ بها فمنذ كفلتهاأضحى يوالي نصرها ويوالي
وأجبتَ عاديةَ الفرنج بديهةًقبل الروية بارتحال رجالِ
قدمت الفرنج الديار المصرية على زمان وزارته.
أطفأت جمْرتَها بإخوتك الأولىيتسنّمون غواربَ الأهوالِ
لم أدرِ والتشبيهُ يقصر عنهمُأغيوثُ نُزلٍ أم ليوث نِزالِ
طالت بأيديهم قِصارُ صوارمٍباتت بها الأعمارُ غيرَ طوالِ
وخلطتم أنصاركم بنفوسكمفالناسُ من مولى لكم وموالِ
يا صاحبي وفي السؤال شفاء مااستخبرتُ عنه إن أجيبَ سؤالي
هل للوزارة حاجة أو حجةترجو تتمة نقصها بكمالِ
هذا الذي مازال طرفُكِ دائماًيرنو إليه في الزمان الخالي
هذا الذي عضلوكِ عنه لتخرجيمن عدةٍ حرُمتْ ومن إحلالِ
ولحقُّ من وزر الخلافةَ من نشأفي حضرة الإعظام والإجلالِ
واختص بالخلفاء وانكشفتْ لهأسرارُها بقرائن الأحوالِ
وتصرف الوزراءُ عن آرائهكتصرُّف الأسماء بالأفعال
يا ابن الأئمة والثناء عليكميختال بين مفصَّلِ وطُوالِ
ما تخجل الدنيا وأنت إمامهاووزيرك الهادي أبو الأشبالِ
وذكر لي المهذب ابن الزبير أنه متغير علي ومضمر شراً بسبب قولي في شاور وبني رزيك:
فمذ وقعتَ وقوعَ النسر خانهمُمن كان مجتمعاً من ذلك الرخَمِ
وبسبب ما كان بيني وبين الظَّهير مرتفع الثائر عليه من أكيد
الصحبة وذكر المهذب فيما حكى لي عنه أن ضرغاماً قال غلِط معي عمارة يوماً غلطة في شهر رمضان الذي قُتل فيه الصالح أنا أحفظها عليه وهي أني قلت له أخرج معي إلى الهدف الذي على باب البرقية فقال أنا أكرهُ أن أرى البرقية ومرتفع في الاعتقال ومذ قبض عليه الصالح لم أجز بالبرقية ولعمري لقد جرى مني هذا القول ولم أعلم ما تؤول إليه الحال ولا ما في نفس بعضهم من بعض ولما داخلني الخوف من ضرغام انقطعت إلى أخيه همام ولم يكن ذلك إلا في آخر مدته ولما جاء شاور من دمشق بالغزشغل عني وعن نفسه ولما جازوا برأسه على الخليج وكنت أسكن صفَّ الخليج بالقاهرة قلت ارتجالاً:
أرى حنكَ الوزارة صار سيفاًيجدُ يحده صيد الرقابِ
كأنك رائدُ البلوى وإلابشيرٌ بالمنية والمُصابِ
وزارة شاور الثانية وفيها تكشفت صفحاته، وأحرقت لفحاته، وأغرقت نفحاته، وغضه الدهر وعضه، وأوجعه الثكل وامضّه، وبان غمره وثماده، وجمره ورماده، ولم يجف من الأنكاد لبده، ولا صفا من الأقذاء ورده، وما هو إلا أن تسلمها بالراحة، وسلمت له الهموم عوضاً عن الراحة، وفي أول ليلة دخل القاهرة ارتحل أسد الدين طالباً بلبيس فأقام بها ثم عاد إلى القاهرة فكسر الناس يوم التاج وأسر أخوه صبح وأصيب على باب القنطرة بحجر كاد ن يموت به وتعقب ذلك تثقيل القتال على القاهرة حتى دخلت من الثغرة ثم تبع هذا مجيء الفرنج وعمل البرج وحصار بلبيس ثم تلا ذلك قيام يحيى بن الخياط طالباً للوزارة ثم تلا ذلك نفاق لواتة ومن ضامها من قيس وخروج أخيه نجم وابنه سليمن وجماعة من غلمانه لحربهم ثم خروج ابنه الكامل في بقية
العسكر وفي أثناء هذه المدة قبضه على الأثير بن جلب راغب وقتله وأسر معاني بن فريح ثم قتله واتصل إليه الخبر من قدوم أسد لدين إلى إطفيح بأم النوائب الكبر ووافق مجيء الغز قدوم الإفرنج ناصرين للدولة وتوجهوا من مصر في البر الشرقي تابعين للغز ثم لاحت الفرصة للإفرنج فعادوا إلى مصر وافترحوا من المال، ما تنقطع دونه الآمال، وخيموا على ساحل المقسم وأظهروا رجوعهم إلى الشأم فتجهز الكامل للمسير صحبة الإفرنج حدثني القاضي الأجل الفاضل عب الرحيم ابن علي البيساني قال أنا أذكر وقد خلونا في خيمة وليس معنا أحد إنما هو شاور وابنه الكامل وأخوه نجم فعزم الكامل على النهوض مع الفرنج وعزم نجم على التعزيب إلى سليم وما وراءها قال شاور لكني لا أبرح أقاتل بمن صفا معي حتى
أموت فنحن في ذلك حتى وصل إلينا الداعي ابن عبد القوي وصنيعة الملك جوهر وعز الأستاذ وقد التزموا المال وتفرع على هذا الأصل مقام الغز بالجيزة ونوبة البابين وحصار الإسكندرية وانصراف الغز راجعين والفرنج بعدهم فما هو غلا أن توهم شاور أن الدهر قد نام وغفا، وصفح عن عادته معه وعفا، وإذا الأيام لا تخطب إلا زواله وفوته، ولا تريد إلا انتقاله وموته، فكان من قدوم الإفرنج إلى بلبيس وقتل من فيها واسرهم بأسرهم ما أوجب حريق مصر ومكاتبة نور الدين ابن القسيم وإنجاده كلمة الإسلام باسد الدين ومن معه من المسلمين الذين قلت فيهم وقد ربط الإفرنج الطريق عليهم.
أخذتم على الإفرنج كل ثنيةوقلتم لأيدي الخيل مرئ على مرئ
لئن نصبوا في البر جسراً فإنكمعبرتم ببحر من حديد على الجسر
فقضى قدوم الغز برحيل الإفرنج عن البلاد المصرية
ولم يلبث شاور أن مات قتيلاً بعد قدوم الغز بثمانية عشر يوماً وهذه السنوات التي وزر فيها شاور وزارته الثانية كثيرة الوقائع والنوازل زفيها ما هو عليه أكثر مما هو له وربما شرحت من ذلك في مواضعه من هذا المجموع ما يشهد النظم بصحة دعواه، وصدق نجواه، فمن ذلك أن طيا ولده قتل في يوم الجمعة الثامن وعشرين من شهر رمضان وأدرك ثأره في يوم الجمعة الثامن وعشرين من جمادى الآخرة فيكون بينهما تسعة أشهر وقلت في ذلك من قصيدة:
ونزعت مُلكَك من رجال نازعوافيه وكنتَ به أحق وأقعدا
جذبوا رداءك غاصبين فلم تزلحتى كسوتَ القوم أردية الردى
وبردت قلبك من حرارة حرقةأمرت نسيمَ الليل أن لا يبردَا
تأريخُ دينٍ نلتَه في مثلهيوماً بيوم عِبرةً لمن اعتدَى
حملتْ به الأيام تسعةَ أشهر=حتى جعلن له جمادى مولدَا
وكان لا يزال يستعيدها ولما عاد من حصار بلبيس هنيته بقصيدة اذكر فيها الحال أولها:
اسمع بذا الفتح المبين وأبصرِوأقصرْ عليه خُطا الهناء وأقصِرِ
فتحٌ أضاء به الزمانَ كأنهوجه البشير وغرة المستشبرِ
فتحٌ يذكِرنا وإن لم ننسهما كان من فتح الوصي لخيبرِ
فتحٌ تولَّد يُسره من عسرةطالت وأيُّ ولادة لم تعسُرِ
حملتْ به الأيام إلا أنهاوضعته تِماً عن ثلاثة أشهرِ
وهي القصيدة التي أقول منها:
تلقاه أولَ فارس إن قدمتْخيلٌ وأولَ راجل في العسكرِ
هانت عليه النفسُ حتى أنهباع الحياة فلم يجد من يشتري
ضجر لحديدُ من الحديد وشاورٌفي نصر آل محمدٍ لم يضجرِ
حَلَف الزمانُ ليأتين بمثلهِحنِثتْ يمينُك يا زمانُ فكفِّرِ
يا فاتحاً شرق البلاد وغربَهايُهنئْك أنك وارث الإسكندرِ
وكانت هذه الأبيات من أحد الأسباب التي قوت عزمي على الاستعفاء من عمل الشعر لأن الناس فيما تقدم كانوا يغنون الشعراء بما ليس يفوقها في الجودة وقلت من قصيدة اذكر نوبة بلبيس ووزارته الأولى:
إن بات من عدد الملوك فإنهلا يستوي نار الغَضا ودُخانُهَا
جُمعتْ لك الأمم الثلاث فستَهاحتى كان لم تختلف أديانُهَا
خلّصتَ كلَّ قبيلة من ضدهالما التوتْ وتعقدت أشطانُهَا
إن السعادة قد أظلّ زمانُهاوافتر من ثغر الهناء أوانُهَا
وأفاك أولُ عامها بمسرةلا الفِطرُ أهداها ولا رمضانُهَا
لما رأيتَ بطانَها متضايقاًوسعتَ منها حين ضاق بِطانُهَا
رأى حقنتَ به دماء خلائقٍظنتْ بأن دروعها أكفانُهَا
أشبهتَ نُوحاً مدةً وهدايةًفي أمة متزايدٍ طُغيانُها
فكأنما البرجُ المنيفُ سفينةٌوالنيلُ يومَ كسرتَه طوفانُهَا
منها:
كانت وزارتك القديمة مشرعاًصفْواً ولكن كُدرتْ غُدرانهَا
غَصَبتْ رجالٌ تاجَه وسريرهمن بعد ما سجدتْ له تيجانُهَا
أخلى لهم دستَ الوزارة عالماًأن سوف ينزع بينهم شيطانُهَا
قد كان أودع في الرقاب صنائعاًكفرتْ بها فأبادها كفرانُهَا
هجرَ الوزارة إذ تنكر عرفُهاوكذا النبوة إذ نبت أوطانُهَا
ومن قصيدة:
لك المعجزاتُ الخمسُ لم يفتخر بهاسواك ولم تخفِق عليه بنودُهَا
فمنها بنو رزيك حين أزلتهموحمرُ المنايا في يديهم وسودُها
ومنهن صنعُ الله عندك في بنيسوارٍ وما جرت عليها حقودُها
ومنها رجوعُ الغز عن مصرَ بعد ماأبيح بهم أغوارها ونجودُهَا
ومنهن أنّا ما رأينا وزارةًلغيرك عادت بعد ما صدَّ جيدُهَا
ومن أخرى:
أُثني عليه ولولا الفضل قال لناكُفأ فإني بمدح السيف أقتنعُ
في كل يوم له نصرٌ ومعجزةٌيقتضّها سيفُه بِكْراً ويقترعُ
لله درك موتوراً أقضَّ بهدستٌ وسرج وأجفان ومضطجعُ
ما غِبْتَ إلا يسيرا ثم لُختَ لناوالثأرُ مستدركٌ والملكُ مرتجَعُ
قضيةٌ لم ينلْ منها ابن ذي يزنٍإلا كما نلتَ والآثارُ تتبعُ
فافخر على الحي من قيسٍ ومن يمنٍأبا شجاعٍ فليس الحقُ يندفع
واسمعْ مديحي ولا تسمعْ سواه فمايشكُ فضلك أن الناس لي تبَعُ
ورأيته يوماً وقد انشرح صدره فقلت له إن لي مدة تنازعني النفس في الحديث معك في حاجة وقد عزمت أن أقولها لك فإن قضيتها وإلا كنت قد أبليت عند نفسي عذراً قال وما هي قلت تعفيني من عمل الشعر وتنقل الجاري على الخدمة راتباً على حكم الضيافة فإني أرى التكسب بالشعر والتظاهر به نقيصةً في حقي قال منعك أن تستعفى في أيام الصالح وابنه قلت كانت لي أسوة وسلوة بالشيخ بالشيخ الجليس ابن الحباب وبابني الزبير الرشيد والمهذب وقد انقرض الجيل والنظراء قال تعفى ثم أمر بإنشاء سجل بإعفائي وأخذ عليه خط الخليفة وخطه بذلك فقلت أشكره من قصيدة:
تغدو مهابته حجاباً دونهونداه عنا ليس بالمحجوب
سكنت محبته وهيبة بأسهمنا سوادى ناظرٍ وقلوبِ
ومنها:
ومحوتَ عن وجهي مواسم صنعةٍومعيشةٍ كان اسمها يزرى بي
وجعلتني أحدوثةً تتلى بهاأبداً صحائفُ أجرك المكتوبِ
فليفتخر بالشعر فيرى إنهحسبٌ لمثلى ليس بالمحسوبِ
أصبحتُ شاكرَ نعمةٍ لا خدمةٍأقضي يد المفروض بالمندوبِ
ولما عاد من حصار الإسكندرية أكثر من سفك الدماء بغير حق وكان يأمر بضرب الرقاب بين يديه في قاعة البستان من دار الوزارة ثم تُسحب القتلة إلى خارج الدار فسألي الجماعة أن أعمل قصيدة في هذا المعنى فقلت من قصيدة:
ألا إن حدّ السيف لم يُبقَ خاطراًمن الناس إلا حائراً يترددُ
ذعرتَ الورى حتى لقد خاف مصْلِحٌعلى نفسه أضعافَ ما خاف مفسدُ
فأغمد شفارَ المشرقي وعدْ بناإلى عادة الإحسان وهي التغمدُ
فإن بروق الماضيات وصوتَهارواعدُ منهنّ الفرائضُ تُرعدُ
وإن صليل السيف أفحشُ نغمةٍتظلُّ تغنَّى في الطُّلى وتغردُ
تجاوز وإلا فالمقطَّمُ خِيفةًيذوب وماء النيل لاشكَّ يجْمُدُ
فقال قد كان من القتل ما كان وإن تجدد شيء لم يكن في الدار لأن القضاة وأرباب الخِرق قلوبهم ضعيفة عن رؤية السيف ومما هو عليه لا له ظلم إخوته وأولاده وعبيده ومن يلوذ به ولم يُربِ أحدٌ رجال الدولة مثل ما رباهم الصالح ولا أفنى أعيانهم مثل ضرغام ولا أتلف أموالهم مثل آل شاور وشاور وهو الذي أطمع الإفرنج والغز في الدولة حتى انتقلت عن أهلها وكانت لشاور واحدة مما هو عليه لا له وهي طاعته لوله الكامل وانقياده له وتسليمه الأمر إليه وهذه تعدل كل سيئة لغيره من الوزراء وتطمس نور كل حسنة له فإنها هي السبب من كل دخيلة على الناس من آل شاور وسبب كل دخيلة عليهم من الناس ولو أخذت أشرح يسيراً من هذه الجملة خرجت عن قصد الكتاب ومن كرم شاور أني بعد حريق داري على شط الخليج ونهب ما أبقت النار لزمني دين كثير فاداه عني وبقيتْ منه مائتا دينار فدفع لي
مائة دينار وأمر لي بمائة كبش بيعت مائة وعشرين فقلت أشكره على ذلك منها في ذكر وزارته:
فنُصرتَ في الأولى برعبٍ زلزل الأقدامَ وهي شديدة الإقدامِ
ونُصرتَ في الأخرى بضربٍ صادقٍأضحى يطير به غرابُ الهامِ
أدركتَ ثأراً وارتجعتَ وزارةًنزعاً بسيفك من يدي ضرغامِ
منها بعد أبيات:
هذي وقائعك اختصرتُ حديثهاحذراً عليها من قصور كلامي
وإذا أردتَّ على الحقيقة شرحَهافاسئل مضارب سيفك الصَّمامِ
فلقد روينا عن حسامك بعض مايروى ويحفظ ألسنُ الأيام
فاسمعْ غرائبَ من مدائحك التيتُثنى السيوف على الأقلامِ
آنستني بالقرب منك تكرّمافتغايرَ الساداتُ في إكرامي
ورفعتَني حتى توهم جاهلٌبالحال أني من ذوي الأرحامِ
وحملتَ عني ثقل دينٍ فادحٍلولا عظيم نداك رضَّ عظامي
ولقد سلكت من السماح طريقةًمهجورةً ليست بذات زحامِ
وكان ضيق العطن عن سماع ما يروى له من الأخبار وكان على الطعام لا يكاد يرد سائلاً في حاجة وكان شديد النكال إذا عاقب وكان صاحب الديوان خاصة لدولة ابن دخان ربما نادني في الجاري فيبلغه عني ما يضيق به صدره فيعود معي إلى الملاطفة فأعود له إلى المكارمة إلى أن قال لشاور أما صُنتني من فلان وإلا أستعفيت فقال يا هذا استحي على نفسك من مناكدة رجل يأكل معي في إناء واحد كل يوم مرتين فما زلت من بعدها أعرف مكارمة ابن دخان والمسارعة إلى حوائجي وقبول شفاعتي فيما لا يسوغ فكنت أشكر ذلك من فعل شاور.
ووقعت الشمعة ليلة على طرف ثوبي فجمد عليه يسير من الشمع فلما رحت من مجلسه لحقني الفراش إلى داري ومعه عشر نصافيات رفيعة ولما كان من الغد قال للفراش ونحن على الغداء أنت تحب العشرة فقلت نعم هو يحبهم كأنه استفهمني عن المبلغ هل وصل إلي بكماله أم لا وقل أن يمضي ليلة من مجالس أنسه
إلا ويحمل إلى داري على الدائم في الأكثر الحلاوات الكثيرة ولم يكن تفقده في كل شهر ينقطع عني بالدنانير العشرين فما فوقها وكان يقول ما تركنا الزمان نفعل في حقك بعض ما يجب من حقك وكان يقول إذا غبت عن مجلس أنسه لعن الله مجلساً لا يحضره فلان وأمر بقتل أبي محمد ابن شعيب وعلي بن مفلح وقد وصلا من عدن أساؤوا العشرة على مبهج افتخار السعداء حين توجه مع الوجيه بن شعيب إلى اليمن سنة إحدى وستين فقلت لشاور إن الرجلين في منزلي من ثلاثة أيام وإنه لا سبيل إليهما فأمسك ملياً ثم قام ولم ينطق وأخذت أسامره بإخبار ملوك اليمن زبيد وعدن وأورد من محاسنهم وإخبارهم ما أزال ما عنده ثم أحضرت الكتب واستخبرت الجواب وأخذت لهما منه مائة دينار وقال لهما يوم الوداع والله لولا فلان لضربتُ رقابكما وقطعت ما بين الدولة وبين أهل عدن والزمني أن أترسل في الرسالة التي سار فيها حمائل إلى
دمشق فاعتذرته فأبى فتركت من قال له هذا صاحب بني رزيك وإذا وقعت الوجوه في الوجوه لم يستكمل الحجة في خدمتك ولم يؤد الأمانة فقال أو يكون بنو رزيك عنده أحبَّ مني ما أظن هذا فتركت من قال ذلك للكامل فأعفوني ومن جميل ما كان يوليني أن الداعي ابن عبد القوي والأجل الفاضل وشاور والكامل عزموا على أن يتبرعوا ابتداء بتسيير الدعوة لولدي صاحب عدن بعد موته ثم قال شاور أحضروا فلاناً وخذوا ما عنده ولم يبقَ في النوبة إلا صرمها فلما حضرت واعلموني منعتهم وقلت إن أهل اليمن إنما يبعثون لكم الهدايا والتحف والنجاوي ويتوالونكم لأجل الدعوة فإذا تبرعتم بها فقد هونتم حرمتها فرجع لجميع عما كانوا عليه وعزم على
أن يبعث الفقيه ابن غاز صاحب سيف الدين ونشئ الدولة أبا الحسن العابد رسولين إلى عدن فوصلاني وسألاني التلطف في حالهما معه فقلت له على خلوة إن كان قصدك نفعهما ورفعهما فسيرهما فإنه لا تبقى تحفه، ولا طرفه، إلا خدما بها وإن كان قصدك ضد ذلك فاتركهما فتركهما وله معي من الإحسان ما هو أشهر من هذا وأكثر ولكني اتركه لكثرته وما مثلي ومثل غيري معه إلا مثل رجلٍ قتل أبوه فقتل خيراً من أبيه ثم قال كان أبي لي جيداً وإن كان رديئاً عندكم قد أتيت على نبيذة يسيرة من الفقر العصرية، فيما شاهدتُ من أحوال الوزراء المصرية، وأنا ذاكر في هذا المختصر نتفاً جرت لي مع أقارب الوزرا، وأكابر الأمرا، فما منهم إلا من كاثرته، وعاشرته، وبلوت سمينهم وغثهم، وقويهم ورثّهم، وانكشف المصقول من الصدى، والجيد من الردى، فمنهم مجد الإسلام ابن الصالح في حياة أبيه ذكرني له سعد
الملك بختيار وعز الدين حسام وشكراً فعث خلفي ساعياً إلى هدف كان له في المقابر التي على باب النصر فدفع لي ثلاثين ديناراً من غير مدح ولا خدمة ثم واصلته فتضاعف بره وإيناسه حتى لم يكن يركب إلى متنزهاته من التاج والروضة والمختص وعين. شمي للصيد إلا وإنا معه ولم يزل لي مكرماً إلى أن خرج الملك الصالح إلى بلبيس خرجته الأولى وعمل فارس المسلمين بدر بن رزيك لأخيه الصالح ضيافةً مثله لمثله ثم خلع خلعاً كثيرة ووهب خيولاً وفرق مالاً على الجلساء فلما عدنا إلى القاهرة مرض فارس المسلمين وعوفي فدخلت أهنئه وليس معي شعر ولا بيني وبينه أنسه كثيرة لانقطاعي إلى رزيك فأمسكني عنده حتى خرج الناس ثم أفاض علي خلعاً سنيةً ودفع لي ذهباً وقال لا تنقطع عني فمدحته بقصيدة أذكر فيها ما فعل في بلبيس واشكره على الخلعة والبر منها:
لم يبقِ نوعاً تقتضيه كرامةٌحتى أتى منها بما لم يُعهدِ
أهدى مع الخلع النضارَ وما ارتضىبهما فجاد بكل نهدٍ أجرد
ورأت عيون الناس من نفحاتهكرماً بخبر عنه من لم يولد
منها في ذكر الخلعة:
فأثابني عن حمده الخلع التيخلعت بحسرتها قلوبُ السد
رقت كما رق الهوى وتجسمتفلبست ذوب الماء لو لم يجمدِ
وأجلُّ ما في الأمر عندي أنهشرفٌ وبرٌ لمي كن عن موعدِ
مدتْ بهما يده إلى بدايةًمنه ولا طرفي مددتُ ولا يدي
جاءت كما اختار السماح مصونة الإحسان عن تسويف يومٍ أو غدٍ
منها:
ملك إذا قابلت غرة وجههشفع الندى ببشاشة الوجه الندى
وأغِبُّ عن نادى نداه زيارتيخجلاً فيأبى أن يُغبَّ تفقدي
وحين وقف رزيك على هذه الحال لم توافقه وشرع في التقصير
عما الفتة وأخذ فارس المسلمين يتابع بالجميل عندي ويستدعيني للمؤانسة في كل يوم وليلة إلى أن انقطعت عن رزيك إلى فارس المسلمين وكتبت إليه في يوم عيد ولم يأتني من عنده أضحية.
يا منعماً بنداه يعدمُ العدمُوينجلي بهداه الظلمُ والظلمُ
وقادراًَ أمطرَ الدنيا ندىً وردىًففاض من راحتيه البأسُ والكرمُ
هنيتَ عيداً تخطتني سحائبهوقد سقى الخلق منها وابلٌ رذمُ
عجبتُ كيف تناساني نداك وقدظلت ضحاياك بين الناس تقتسم
نسيانُ مثلي بعد الذكر مغضبةإن الغنيمة عندي ما هي الغنم
ونشبت بينه وبين عمه وأخذ الرشيد ابن الزبير والشيزري
يحرضان مجد الإسلام على قطيعتي ويوقولان له من صحبتي لعمه ما أوجب اعتذاري إليه بقصيدة طويلة منها:
ولي حرمة الضيف الغريب وخدمةٍجنيتُ بها من جودكم ثمرَ العلمِ
وأحضرتموني في صدور مجالسٍسرتُ بعلاكم وهي أعلى من النجمِ
فهل أنت يا ذخر الأئمة مقبلٌعليّ ومجزٍ لي على سابق الرسمِ
فإن ابتسام البرق ليس بنافعإذا لم يبتْ فوق الثرى صوبه يهمي
ومن عجبٍ أن مر حولٌ محرَّمكما ساءني من غير ذنب ولا جرمِ
أمورٌ غدتْ في النفس منها حزازةٌوحظٌ يخزُ الدهرُ فيه إلى العظمِ
وما جاءني ن قلة الحزم حادثٌوإني لمدلول على طرق الحزمِ
ولكنها الأقدارُ يمضي صروفهاعلى المرء مختاراً لها وعلى الرغمِ
ومنها في مدحه ومدح عنه:
وكم من يدٍ مجديةٍ فارسيةٍأتتني كما يأتي الشفاءُ إلى القسمِ
فقل لليالي قد حللتُ ببرزخيحيط به بحران فضلهما يطمي
إذا اشتاق غيري ساحل اليم مورداًوجدتُ جهاتي كلها ساحلَ اليمِّ
وفي أي ظل منهما كنتُ نازلاًرأيت نزول المكرمات على حُكمي
النص من طبعة مرسو بشالون (١٨٩٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع