من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
النبات
حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: حدّثنا قريش بن أنس عن كليب أبي وائل رجل من المطّوّعة قال: رأيت ببلاد الهند شجرا له ورد أحمر مكتوب فيه ببياض «محمد رسول الله». والعرب تقول في مثل هذا هو: «أشكر من البروقة»، وهو نبت ضعيف ينبت بالغيم. ويزعم قوم أن النارجيل هو نخل المقل قلبه طباع البلد. وقال صاحب الفلاحة: بين الكرنب وبين الكرم عداوة، فإذا زرع الكرنب بحضرة الكرم ذبل أحدهما وتشنّج، ولذلك يبطىء السّكر عمن أكل منه ورقات على ريق النفس ثم شرب.
وقضبان الرمّان إذا ضرب بها ظهر رجل اشتدّ عليه الألم. قالوا: وكلّ زهر ونور فإنه ينحرف مع الشمس ويحوّل إليها وجهه؛ ولذلك يقال: هو يضاحك الشمس. قال الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبةخضراء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب شرقمؤزّة بعميم النّبت مكتهل
وقال آخر:
فنوّاره ميل إلى الشمس زاهره
والخبّازى ينضمّ ورقه بالليل وينفتح بالنهار. والنّيلوفر ينبت في الماء فيغيب الليل كلّه ويظهر إذا طلعت الشمس. وقالوا في الطّحلب: إن أخذ فجفّف في الظلّ ثم سقط في النار لم يحترق. وذكروا أنّ قسّا راهن على صليب في عنقه من خشب أنه لا يحترق، وقال: هو من العود الذي صلب عليه المسيح، فكاد يفتن بذلك خلقا حتى فطن له بعض أهل النظر فأتاهم بقطعة عود تكون بكرمان فكان أبقى على النار من صليبه. والطّلق كذلك لا يصير جمرا. وطلاء النفّاطين طلق وخطميّ ومغرة. وقالوا: إذا أخذ بزر السّذاب البريّ وزرع وطال به ذلك تحوّل حرملا، والنّمام إذا أعتق تحوّل
حبقا. قالوا: والقسط إنما هو جزر بحريّ. قالوا: بالسند نبت من الحشيش يسمّى تريّة، إذا أخذ فطبخ ثم صفّي ماؤه فجعل في وعاء لم يلبث إلا يسيرا حتى يشتدّ ويسكر شاربه إسكار الخمر.
قال صاحب الفلاحة: من أراد أن يضرّ بمبقلة عمد إلى شيء من خرء البطّ فخلط به مثله من ملح ثم طرحا في ماء فديفا فيه فينضح ذلك الماء على البقل فإنه يفسد. قال: ومن أراد إفساد الرمّان الكثير ألقى في أضعافه نوى التمر والملح والجريش. ومن أراد قتل السمك في الماء القائم عمد إلى نبت يسمى «ما هى زهرة» فدقّ وطرح في الماء فإنه يموت سمك ذلك الماء؛ والمازريون يفعل ذلك. قال: ومما يجفّ له الشجر أن يعمد إلى مسمار من حديد فيحمى بالنار حتى تشتدّ حمرته ثم يدقّ في أصل الشجرة، وأن يعمد إلى وتد من طرفاء فيثقب أصل الشجرة بمثقب حديد ثم يجعل ذلك العود على قدر الثّقب في المثقب فتجفّ الشجرة إن كان غلظ العود على قدر الثّقب.
قيل لما سرجويه: ما بال الأكرة وسكّان البساتين مع أكلهم الكرّاث والتّمر وشربهم الماء الحارّ على السّمك المالح أقلّ عميانا وعورانا وعمشانا؟
قال: فكّرت في ذلك فلم أجد علّة إلا طول وقوع أبصارهم على الخضرة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع