تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

الحشرات

حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا عبد الله بن الربيع قال: أخبرنا هشام

ابن عبد الله عن قتادة عن عبد الله بن عمرو أنه قال: الفأرة يهودية ولو سقيتها ألبان الإبل وما شربتها، والفأر أصناف: منهنّ الزّباب وهو أصمّ؛ قال الحارث بن حلّزة:

وهم زباب حائرلا تسمع الآذان رعدا
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «ولو ان ما يأوي إليي»

والخلد وهو أعمى؛ وتقول العرب: هو «أسرق من زبابة»، وفأرة البيش، والبيش سمّ قاتل؛ ويقال: هو قرون السّنبل، وله فأرة تغتذيه لا تأكل غيره، ومن غير هذا فأرة المسك وفأرة الإبل فاحت أرواحها إذا عرقت.

قالوا: ومن الحيات ما يقتل ولا يخطىء: الثّعبان والأفعى والهنديّة؛ فأما سوى هذه فإنما يقتل بما يمدّه من الفزع، لأنه إذا فزع تفتّحت منافسه فوغل السّم إلى مواضع الصّميم وعمق البدن، فإن نهشت النائم والمغمى عليه والطّفل الصغير والمجنون الذي لا يعقل لم تقتل.

وأذناب الأفاعي تقطع فتنبت ونابها يقطع بالعكّاز فينبت حتى يعود في ثلاث ليال؛ والحيّة إن نفث في فيها حمّاض الأترجّ وأطبق لحيها على الأعلى على الأسفل لم تقتل بعضّتها أياما صالحة. ومن الناس من يبصق في فم الحية فيقتلها بريقه، والحيّات تكره ريح السّذاب والشّيح، وتعجب باللّفّاح والبطّيخ والحرف والخردل الموخف واللبن والخمر وليس في الأرض

حيوان أصبر على جوع من حية؛ ثم الضّبّ بعدها، فإذا هرمت صغرت في بدنها وأقنعها النسيم ولم تشته الطعام، ولذلك قال الراجز:

حارية قد صغرت من الكبر

وقال صاحب الفلاحة: إنّ الحية إن ضربتها بقصبة مرة أو هنتها القصبة في تلك الضربة وحيّرتها، فإن ألححت عليها بالضرب انسابت ولم تكترث.

قال: ومن جيّد ما يعالج به الملسوع أن يشقّ بطن الضّفدع ثم يرفد به موضع لسعة العقرب. والضّفدع لا يصيح حتى يدخل حنكه الأسفل في الماء، فإذا صار في فيه بعض الماء صاح، ولذلك لا تسمع للضفادع نقيقا إذا خرجن من الماء، قال الراجز:

يدخل في الأشداق ماء ينصفهحتى ينقّ والنقيق يتلفه

يريد أن النقيق يدل عليه حية البحر، كما قال الآخر:

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبتفدلّ عليها صوتها حيّة البحر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

وقال في السّبخ: إنه إن انخرق فيه خرق بمقدار منخر الثور حتى تدخله الريح استحال ذلك السّبخ ضفادع. والضّفادع لا عظام لها، ويضرب بها المثل في الرّسح؛ فيقال: «أرسح من ضفدع» و «أجحظ عينا من ضفدع».

قالوا: وكل شيء يأكل فهو يحرّك فكّه الأسفل إلا التمساح فإنه يحرّك فكه الأعلى. وبمصر سمك يقال له الرّعّاد، من صاد منه سمكة لم تزل يده ترعد وتنتفض مادام في شبكته أو شصّه. والجعل إذا دفنته في الورد سكنت حركته حتى يتوهّم من رآه أنه قد مات، فإذا أعدته إلى الروث تحرّك ورجع في حسّه. والبعير إذا ابتلع في علفه خنفساء قتله إن وصلت إلى جوفه حية. وأطول شيء ذماء الخنفساء فإنها يسرج على ظهرها فتصبر وتمشي.

والضبّ يذبح فيمكث ليلة ثم يقرّب من النار فيتحرّك. والأفعى إذا ذبحت تبقى أياما تتحرّك وإن وطئها واطىء نهشته، ويقطع ثلثها الأسفل فتعيش وينبت ذلك المقطوع. والكلب والخنزير يجرحان الجرح القاتل فيعيشان.

قالوا: وللضبّ ذكران وللضبّة حران، خبّرني بذلك سهل عن الأصمعيّ أو غيره. قال: ويقال لذكره نزك وأنشد:

سبحل له نزكان كانا فضيلةعلى كلّ حاف في البلاد وناعل

وكذلك الحرذون. والذّبّان لا تقرب قدرا فيها كمأة. وسامّ أبرص لا يدخل بيتا فيه زعفران. ومن عضّه الكلب الكلب احتاج إلى أن يستر وجهه من الذّباب لئلا يسقط عليه. وخرطوم الذباب يده، ومنه يغنّي، وفيه يجري الصوت كما يجري الزامر الصوت في القصبة بالنفخ.

قالوا: ليس شيء يذخر إلا الإنسان والنملة والفأرة. والذّرّة تدّخر في الصيف للشتاء فإذا خافت العفن على الحبوب أخرجتها إلى ظاهر الأرض فشرّرتها، وأكثر ما تفعل ذلك ليلا في القمر. فإن خافت أن ينبت الحبّ نقرت وسط الحبة لئلا تنبت. والسّلحفاة إذا أكلت أفعى أكلت سعترا جبليا.

وابن عرس إذا قاتل الحية أكل السّذاب. والكلاب إذا كان في أجوافها دود أكلت سنبل القمح. والأيّل إذا نهشته الحية أكل السّراطين. قال ابن ماسويه: فلذلك يظنّ أن السراطين صالحة لمن نهش من الناس. والوزغ يزاقّ الحيّات ويقاربها، ويكرع في اللبن والمرق ثم يمجّ في الإناء. وأهل

السجن يعملون من الوزغ سمّا أنفذ من سم البيش ومن ريق الأفاعي، وذلك أنهم يدخلون الوزغة قارورة ثم يصبّون فيها من الزيت ما يغمرها ويضعونها في الشمس أربعين يوما حتى تتهرّأ في الزيت، فإن مسحت على اللّقمة منه مسحة وأكله آكل مات من يومه.

والجراد إذا طلع فعمد إلى التّرمس والحنظل فطبخا بماء ثم نضح ذلك الماء على زرع تنكّبه الجراد. وإذا زرع خردل في نواحر زرع نجا من الدبى. وإذا أخذ المرداسنج فعجن بعجين ثم طرح للفأر فأكلته موّتن عنه، وكذلك براية الحديد. وإذا أخذ الأفيون والشّونيز والبارزذ وقرن الأيّل وبابونج وظلف من أظلاف المعز فخلط ذلك جميعا ثم دقّ وعجن بخلّ عتيق ثم قطع قطعا فدخّن بقطعة منه نفرت لذلك الحيّات والهوامّ والنمل والعقارب، وإن أحرق منه شيء ودخّن به هرب ما وجد منها تلك الريح. والنمل تهرب من دخان أصول الحنظل. وإن عمد إلى كبريت وسذاب وخربق فدقّ ذلك جميعا وطرح في قرية النمل قتلها ومنعها ظهورهن من ذلك الموضع.

والبعوض تهرب من دخان القلقديس إذا دخّن به ومعه حبّ السوس، وتهرب من دخان الكبريت والعلك.

وقالت الأطباء: لحم ابن عرس نافع من الصّرع. ولحم القنفذ نافع من الجذام والسّلّ والتشنّج ووجع الكلى، يجفّف ويشرب ويطعمه العليل مطبوخا ومشويّا ويضمد به المتشنّج. والعقرب إذا شقّ بطنها ثم شدّ على موضع اللسعة نفعت. وقد تجعل في جوف فخّار مشدود الرأس مطيّن الجوانب ثم يوضع الفخّار في تنّور، فإذا صارت العقرب رمادا سقي من ذلك الرماد من به الحصاة مقدار نصف دانق وأكثر فيفتّت الحصاة من غير أن يضرّ بشيء من سائر الأعضاء والأخلاط، وقد تلسع العقرب من به حمّى عتيقة فتقلع؛ وتلسع المفلوج فيذهب عنه الفالج، وتلقى في الدّهن وتترك فيه حتى يأخذ الدّهن منها ويجتذب قواها فيكون ذلك الدّهن مفرّقا للأورام الغليظة. ومن طبع العقرب أنك إن ألقيتها في ماء غمر بقيت في وسط الماء لا تطفو ولا ترسب؛ وهي من الحيوان الذي لا يسبح. وعين الجرادة وعين الأفعى لا تدوران. وإنما تنسج من العناكب الأنثى، والذكر هو الخدرنق. وولد العنكبوت ينسج ساعة يولد. والقمل يخلق في الرؤوس على لون الشعر إن كان أسود أو أبيض أو مخضوبا بالحنّاء. الحلكاء دويبّة تغوص في الرمل كما يغوص طائر الماء في الماء. وبنات النّقا كذلك، وهي التي يقال لها:

شحمة الأرض. وأمّ حبين لا تقيم بمكان تكون فيه السّرفة، والسّرفة دويبّة يضرب بها المثل في الصّنعة فيقال: «أصنع من سرفة».

ومن أحسن ما قيل في الأفعى قول امرأة من الأعراب:

خلقت لهازمه عزين، ورأسهكالقرص فرطح من دقيق شعير
وكأن ملقاه بكلّ تنوفةملقاك كفّة منجل مأطور
ويدير عينا للوقاع، كأنهاسمراء طاحت من نفيض برير

قيل لما سرجويه: نجد ملسوع العقرب يعالج بالاسفيوش»

فينفعه، وآخر يعالج بالبندق فينفعه، وآخر يشرب الأنقاس فتنفعه، وآخر يأكل التّفاح الحامض فينفعه، وآخر يطليه بالقلي والخلّ فيحمده، وآخر يعصب عليه الثوم الحارّ المطبوخ، وآخر يدخل يده في مرجل حارّ لا ماء فيه فيحمده، وآخر يعالجه بالنّخالة الحارّة فيحمدها، وآخر يحجم ذلك الموضع فيحمده، ثم رأيناه يتعالج بعد بذلك الشيء للسعة أخرى فلا يحمده! فقال: لما اختلفت السّموم في أنفسها بالجنس والقدر والزمان، وباختلاف ما لاقاه اختلف الذي يوافقه على حسب اختلافه. قالوا: وأشدّ ما تكون لسعتها إذا خرج الإنسان من الحمّام، لتفتّح المنافس وسعة المجاري وسخونة البدن.

وحدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: قال أبو بكر البحريّ: ما من شيء يضرّ إلا وفيه منفعة. وقيل لبعض الأطباء: إنّ قائلا قال: أنا مثل العقرب أضرّ ولا أنفع. فقال؛ ما أقلّ علمه بها. إنها لتنفع إذا شقّ بطنها ثم شدّت على موضع اللّسعة؛ وقد تجعل في جوف فخّار مشدود الرأس مطيّن الجوانب ثم يوضع الفخّار في تنّور فإذا صارت العقرب رمادا سقي من ذلك الرماد مقدار نصف دانق أو أكثر قليلا من به الحصاة ففتّها من غير أن يضرّ بشيء من سائر الأعضاء والأخلاط. وقد تلسع العقرب من به الحمّى العتيقة فتقلع عنه.

ولسعت العقرب رجلا مفلوجا فذهب عنه الفالج. وقد تلقى العقرب في الدهن وتترك فيه حتى يأخذ الدهن منها ويجتذب قواها فيكون ذلك الدّهن مفرّقا للأورام الغليظة.

قال أبو عبيدة: ولسعت أعرابيا عقرب بالبصرة، وخيف عليه فاشتدّ جزعه، فقال بعض الناس له: ليس شيء خيرا من أن تغسل له خصية زنجيّ عرق ففعلوا، وكان ذاك في ليلة ومدة، فلما سقوه قطب؛ فقيل له: طعم ماذا تجد؟ قال: أجد طعم قربة جديدة.

قال المأمون: قال لي بختيشوع وسلمويه وابن ماسويه: إن الذباب إذا دلك على موضع لسعة الزّنبور هدأ وسكن الألم، فلسعني زنبور فحككت على موضعه أكثر من عشرين ذبابة فما سكن الألم إلا في قدر الزمان الذي كان يسكن فيه من غير علاج، فلم يبق في يدي منهم إلا أن يقولوا: كان هذا الزّنبور حنقا غاضبا، ولولا ذلك العلاج قتلك. قالوا: ومما ينفع من اللسعة أن يصيروا على موضعها قطعة رصاص رقيقة وتشدّ عليه أياما. وقد يموّه بهذا قوم فيجعلونه خاتما فيدفعونه إلى الملسوع إذا نهش في إصبعه.

قال محمد بن الجهم: لا تتهاونوا بكثير مما ترون من علاج العجائز، فإنّ كثيرا منه وقع إليهن من قدماء الأطباء، كالذّبّان يلقي في الإثمد فيسحق معه، فيزيد ذلك في نور البصر ونفاذ النظر وتشديد مراكز الشعر في حافات الجفون. قال: وفي أمّة من الأمم قوم يأكلون الذّبّان فلا يرمدون، وليس لذلك يأكلونه، ولكن كما يأكل غيرهم فراخ الزنابير.

وقال ابن ماسويه: المجرّب للسع العقرب أن يسقى من الزّراوند المدحرج ويشرب عليه ماء بارد، ويمضغ ويوضع على اللسعة. قال: وللسع الأفاعي والحيّات ورق الآس الرطب يعصر ويسقى من مائه قدر نصف رطل، وكذلك ماء المرزنجوش وماء ورق التفاح المدقوق والمعصور مع المطبوخ، ويضمد الموضع بورق التفاح المدقوق. وللأدوية والسموم القاتلة البندق والتين والسّذاب يطعم ذلك العليل. قال: والثّوم والملح وبعر الغنم نافع جدّا إذا وضع على موضع لسعة الحيّة إلا أن تكون أصلة، فإن الأصلة توضع على لسعها الكليتان جميعا بالزيت والعسل. والخطميّ إذا أخذ ورقه فدقّ ثم وضع على لسع قملة النّسر كان دواء له. وإن طلى أحد به يديه أو

جسده لم يلدغ ذلك الموضع منه زنبور. وإن لدغ أحدا زنبور فآذاه فشرب من مائه نفعه. والبشكول وهو الطرشقوق إن دقّ فضمد به لسعة العقرب نفع إذا أغلي أو شرب من عصيره. قالوا: وإن أخذ من حذر على نفسه السّموم القاتلة التين مع الشّونيز على الريق وقاه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأخبار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.