من «عيون الأخبار» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
وكتب رجل من العبّاد إلى صديق له
إني لمّا رأيت الناس في اليقين متفقين، وفي العمل متفاوتين، ورأيت الحجة واجبة، فلم أر في يقين قصّر بصاحبه عن عمل حجة، ولا في عمل كان بغير يقين منفعة؛ ورأيت من تقصير أنفسنا في السعي لمرجوّ ما وعدت والهرب من مخوف ما حذّرت، حتى أسلمها ذلك إلى أن ضعفت منها النيّة وقلّ التحفّظ واستولى عليها السّقط والإغفال واشتعلت منها الشّهوة، ودعاها ذلك إلى التمرّغ في فضائح اللذّات، وهي تعلم أن عاقبتها الندم، وثمرتها العقوبة، ومصيرها إلى النار إن لم يعف الله- عجبت لعمل امرىء كيف لا يشبه يقينه، ولعلم موقن كيف لا يرتبط رجاءه وخوفه على ربه، حتى لا تكون الرغبة منه إلا إليه والرهبة منه إلا له. وزادني عجبا أنّني رأيت طالب الدنيا أجدّ من طالب الآخرة، وخائفها أتعب من خائف الآخرة، وهو يعلم يقينا أنه ربّ مطلوب في الدنيا قد صار حين نيل حتفا لطالبه، وأنه ربّ مخوف فيها قد لحق كرها بالهارب منه فصار حظّا له، وأن المطلوب إليه من أهلها ضعيف عن نفسه محتاج إلى ربه مملوك عليه ماله مخزونة عنه قدرته. واعلم أن جماع ما
يسعى له الطالب ويهرب منه الهارب أمران: أحدهما أجله، والآخر رزقه، وكلاهما بعينه شاهد على أنه لا يملكه إلا الذي خلقه. فلم أدر حين صار هذا اليقين في موضع الإيمان يقينا لا شكّ فيه، كيف صار في موضع العمل شبيها بالشك الذي لا يقين فيه! وكيف، حين اختلف في أمر الآخرة، لم يختلف في أمر الدنيا، فيكون خائف الآخرة لربه كخائف الدنيا لسلطانه صبرا له على تجشّم المكروه، وتجرّعا منه لغصص الغيظ، واحتمالا منه لفادح النّصب، وعملا له بالسخرة، وتحفّظا من أن يضمر له غشّ أو يهمّ له بخلاف؛ ولو فعل ذلك ما علمه منه حتى يظهر له بقول أو فعل؛ ولو علمه منا قدر له على قطع أجل لم يفن ورزق لم ينفد؛ فإن ابتلي بالسّخط من سلطانه فكيف حزنه ووحشته، وإن أنس منه رضا عنه فكيف سروره واختياله؟ فإن قارف ذنبا إليه فكيف تضعضعه واستخذاؤه ؟ فإن ندبه لأمر فكيف خفّته ونشاطه؟ وإن نهاه عنه فكيف حذره واتّعاظه؟ وهو يعلم أن خالقه ورازقه يعلم سرّه وجهره، ويراه في متقلّبه ومثواه، ويعاينه في فضائحه وعورته، فلم يزعه عنها حياء منه ولا تقيّة له، قد أمره فلم يأتمر، وزجره فلم يزدجر، وحذّره فلم يحذر، ووعده فلم يرغب، وأعطاه فلم يشكر، وستره فلم يزدد بالستر إلا تعرّضا للفضائح، وكفاه فلم يقنع بالكفاية، وضمن له في رزقه ما هو في طلبه مشيح، ويقّظه من أجله لما هو عنه لاه، وفرّغه من العمل لما هو عنه بغيره مشغول؛ فسبحان من وسع ذلك حمله وتغمّده من عباده عفوه؛ ولو شاء ما فعلوه: ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
فأجابه: إني رأيت الله ﵎ جعل اليقين بأعظم المواضع في
أمر الدنيا والدين، فهو غاية علم العالم وبصر البصير وفهم السامع، ليس كسائر الأشياء التي تدخلها الشبهات ويجرحها الإغفال ويشوبها الوهن؛ وذلك أنّ الله تعالى جعل مغرسه القلب؛ وأغصانه العمل، وثمرته الثواب. وإنما جعل القلب لليقين مغرسا، لأنه جعل الخمس الجوالب لعلم الأشياء كلّها إلى القلب: السمع والبصر والمجسّة والمذاقة والاسترواح. فإذا صارت الأشياء إليه ميّز بينها العقل، ثم صارت بأجمعها إلى اليقين، فكان هو المثبت لها والموجّه كلّ واحدة منهن جهتها. ولولا معرفة القلب بالعقل الذي جعله الله لذلك، لم يفرق سمع بين صوتين مختلفين، ولا بصر بين صورتين متقاربتين، ولا مجسّة بين شيئين غير متشابهين. ولليقين بعد ذلك منزلة يعرف بها حال الضارّ والنافع في العاقبة عند الله تعالى. فلما صار اليقين في التشبيه كالشجرة النابتة في القلب، أغصانها العمل وثمرتها الثواب، أخبر ذلك أنه قد تكون الشجرة نابتة الأصل بلا أغصان كما قد يكون اليقين نابتا بلا عمل؛ وأنه كما لا تكون الأغصان نابتة بلا أصل، فكذلك لا يكون العمل نافعا إلا بيقين؛ وكما أنه لا تخلف الثمرة في الطيب والكثرة إذا كان الأصل نابتا والأغصان ملتفّة، فكذلك يكون الثواب لمن صح يقينه وحسن عمله. وقد تعرض للأعمال عوارض من العلل؛ منهنّ الأمل المثبّط، والنفس الأمّارة بالسوء، والهوى المزيّن للباطل، والشيطان الجاري من ابن آدم مجرى الدم، يضررن بالعمل والثواب، ولا يبلغ ضررهن اليقين، فيكون ذلك كبعض ما يعرض للشجرة من عوارض الآفات فتذوي أغصانها وتنثر ورقها وتمنع ثمرتها والأصل ثابت؛ فإذا تجلّت الآفة عادت إلى حال صلاحها. فإذا يعجبك من عمل امرىء لا يشبه يقينه وأنّ يقينه لا يرتبط رجاءه وخوفه على ربه؟ فإنما العجب
من خلاف ذلك! ولعمري لو أشبه عمل امرىء يقينه فكان في خوفه ورجائه كالمعاين لما يعاينه بقلبه من الوقوف بين يدي الله والنظر إلى ما وعد وأوعد، لكان ما يعتلج على قلبه من خطرات الخوف شاغلا له عن الرجاء، حتى يأتي على نفسه أوّل لحظة ينظر بها إلى النار خوفا لها أو إلى الجنة أسفا عليها إذا حرمها، وإذا لكان الموقن بالبعث بقلبه كالمعاين له يوم القيامة. وكيف يستطيع من كان كذلك أن يعقل فضلا عن أن يعمل؟ وأما قولك: «كيف لم يكن خائف الآخرة لربه كخائف الدنيا لسلطانه؟»، فإن الله ﷿ خلق الإنسان ضعيفا وجعله عجولا، فهو لضعفه موكّل بخوف الأقرب فالأقرب مما يكره، وهو بعجلته موكل بحبّ الأعجل فالأعجل مما يشتهي؛ وزاده حرصا على المخلص من المكروه وطلبا للمحبوب حاجته إلى الاستمتاع بمتاع الدنيا الذي لولا ما طبع عليه القلب من حبّه وسهل على المخلوقين من طلبه، لما انتفع بالدنيا منتفع ولا عاش فيها عائش. ومع ذلك إنّ مكاره الدنيا ومحابّها عند ابن آدم على وجهين، إما المكروه فيقول فيه: عسى أن أكون ابتليت به لذنب سلف منّي، وإما المحبوب فيقول فيه: عسى أن أكون رزقته بحسنة كانت مني فهو ثواب عجّل؛ وهو مع هذا يعلم أن حلوم المخلوقين إلى الضّيق، وأن قلوب أكثر مسلّطيهم إلى القسوة، وأن العيب عنهم مستور، فليس يلتمس ملتمسهم إلا علم الظاهر ولا يضع إلا به، ولا يلتفت من امرىء إلى صلاح سريرته دون صلاح علانيته. ومن طباع الإنسان اللؤم، فليس يرضى إذا خيف إلا بأن يذلّ، ولا إذا رجي إلا بأن يتعب، ولا إذا غضب إلا بأن يخضع له، ولا إذا أمر إلا بأن ينفّذ أمره، ولا ينتفع المتشفع بإحسانه عنده إذا أساء ولا المطيع بكثرة طاعته في المعصية الواحدة إذا عصى، ولا يرى الثواب لازما له ولا العقاب محجورا عليه، فإن عاقب لم يستبق، وإن غضب
لم يثبّت، وإن أساء لم يعتذر، وإن أذنب إليه مذنب لم يغفر؛ واللطيف الخبير يعلم السريرة فيغفر بها العلانية، ويمحو بالحسنة عشرا من السيئات، ويصفح بتوبة الساعة عن ذنوب مائة عام، إن دعي أجاب، وإن استغفر غفر، وإن أطيع شكر، وإن عصي عفا، ومن وراء عبده بعد هذا كله ثلاث: رحمته التي وسعت كلّ شيء، وشهادة الحق التي لا يزكو إلا بها عمل، وشفاعة النبيّ ﷺ؛ وهذا كله مثبت لليقين باسط للأمل مثبّط عن العمل إلا من شاء الله وقليل ما هم فلا تحمل نطف عملك على صحة يقينك فتوهن إيمانك، ولا ترخّص لنفسك في مقارفة الذنوب، فيكون يقينك خصما لك وحجّة عليك؛ وكذّب أملك وجاهد شهوتك، فإنهما داءاك المخوفان على دينك المعتونان على هلكتك. وأسأل الله الغنيمة لنا ولك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع