من «الهفوات النادرة» لغرس النعمة الصابئ (ت ٤٨٠هـ)
الهفوات النادرة (٥)
وحدث أبو الطيب بن هرثمة أنه سمع الباغندي الأب المحدث يقول لجارية كانت تخدمه، وقد حرد عليها: قد ذهب زمانك الذي كنت تخضبين فيه خديك بالكتلتين، أراد: الكلكون!.
وسمعه أيضاً قال في حديث حدث به قوله: "وفاكهة وأبا" فقال: وفاكهة وأتا!
وحكى السلامي الشاعر قال: دخلت على عضد الدولة فمدحته فأجزل عطيتي من الثياب والدنانير، وبين يديه جام خسرواني فرآني ألحظه، فرمى به غلي وقال خذه، فقلت:
وكل خير عندنا من عنده
فقال عضد الدولة: ذاك أبوك! فبقيت متحيراً لا أدري ما أراد، فجئت أستاذاً لي فشرحت له الحال، فقال: ويحك قد أخطأت خطيئة عظيمة، لأن هذه الكلمة لأبي نواس يصف كلباً حيث يقول:
أنعتُ كلباً أهلهُ من كدَّهِقد سعدت جدودهم بجدّهِ
وكل خير عندهم من عندهِ
قال: فعدت متشحاً بكساء، ووقفت بين يدي الملك أرعد، فقال: مالك؟ قلت: حممت الساعة! فقال: هل تعرف سبب حماك؟ فقلت: كنت أنظر في شعر أبي نواس فحممت! فقال: لا تخف فلا بأس عليك من من هذه الحمى! فسجدت له وانصرفت.
وكان شرف الملك بن الهمام قد اختص نديماً ذكياً فاضلاً، وكان أحد أصحابه منهوماً بالباه، فاتباع فاتباع يوماً شحم السقنقور، وعرف شرف الملك ذلك فقال لنديمه: فلان بلا سقنقور كما تعلم، فإذا تناول السقنقور هات رجلك! فقال النديم: بل هات نساءك! ثم أفاق لغلطة فأظلمت عليه الدنيا، فوانسه شرف الملك، ولم يظهر له قبحاً ولا تنكراً.
ونقل عن المدائني أنه قال: تمثل خالد بن طليق قاضي البصرة في مجلس المهدي:
إذا القرشيُّ لم يضرب بعرقٍخزاعيِّ فليسَ من الصَّميم
قال: فغضب المهدي حتى ظنوا أنه قاتله، فقال خالد بن طليق:
إذا كنتَ في دارٍ فحاولتَ رحلةًفدعها، وفيها إن أردتَ معادُ
قال: فسكن غضبه.
عن الهيثم بن عمرو بن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن دغفل البكري قال: حمى النعمان بن المنذر ظهر الكوفة، فكان يقال له خد العذراء، ينبت الشيح والقيصوم وشقائق النعمان! قال: فخرج النعمان يسير في ذلك الظهر فإذا هو بشيخ بخصف نعلاً، فقال: ما أولجك ها هنا؟ قال: طرد النعمان الرعاء فأخذوا يميناً وشمالاً فانتهيت إلى هذه الوهدة في خلاء من الأرض، فنتجت الإبل وولدت الغنم ونتطلب السمن! والنعمان متلثم لا يعرفه الرجل .. قال: أو ما تخاف من النعمان.؟ قال: وما أخاف منه؟ والله لربما لمسته بيدي هذه بين عانة أمه وسرتها كأنه أرنب جاثم! فحسر عن وجهه فإذا خرزات ملكه، وقد هاج وجهه غضباً، فلما رآه الشيخ قال: أبيت اللعن، لا ترى أنك قد ظفرت بشيء! لقد علمت العرب أنه ليس فيما بين لا بتيها شيخ واحد هو أكذب مني! فضحك النعمان من قوله، ثم مضى ولم ينله بمكروه.
وحدثني أبو الفوارس أحمد بن كتيلة العلوي الحسيني قال: مرض ابن عم لي علي بن ناصر بن زيد بن كتيلة، فجئت أعوده، فلقيت ولده، فسألته الوصول فقال: إنه قد أغمي عليه، وقعدنا جميعا على دكة في دهليز داره، فأنشدت على سهو مني:
إنَّا إلى اللهِ راجعوناكانَ الذي خفتُ أنْ يكونا
أضحى المرجّى أبو عليٍّموسَّداً في الثَّرى دفينا
لمّا انتهى واستوى شباباًوحقَّقَ الرَّأيَ والظنونا
دافعتُ إلاَّ المنونَ عنهُوالمرءُ لا يدفعُ المنونا
ثم استرجعت فرأيت أنني قد غلطت في إنشادي الأبيات، فقلت لابنه معتذرا إليه: والله ما أنشدت الأبيات إلا على سهو مني! فقال لي: هو أوكد! وخرجت من عنده ووصلت داري، ولم ألبث حتى سمعت ناعيه، ثم خرجت مع ولده وجماعة من الناس خلف جنازته، فقال لي ولده: والله إنني منذ أنشدت الأبيات أيست منه!
وحدث علوية المغني قال: كنت مقتولا لولا كرم المأمون لا محالة، فإنه دعاني آخر جلسة جلسها وهو بدمشق، وقد عزم على الخروج إلى البذندون، ودعا مخارقا فقال: غنياتي، فسبقني مخارق وغنى:
لمّا تذكَّرت بالدَّيرين أرَّقنيصوت الدَّجاجِ وضربٌ بالنَّواقيسِ
فقلتُ للرَّكبِ إذ جدَّ المسير بنايا بعدَ يبرينَ من بابِ الفراديسِ
قال: وجننت فغنيت بشعر فيه:
الحينُ ساقَ إلى دمشقَ وماكانتْ دمشقُ لأهلنا بلدا
فضرب المأمون بقدح في يده الأرض، وقال يا غلام أعط مخارقا ثلاثة آلاف درهم، وأخذ بيدي، فقمت، ودمعت عين المأمون وقال للمعتصم: ما أظنني يا أبا إسحق أرى العراق أبدا:
قال مؤلفه: كان عندي أبو طاهر بن أبي قيراط العلوي، وقد رتبته في خزن الكتب بدار العلم من شارع ابن أبي عوف في غربي مدينة السلام التي وقفتها في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، فبينما نحن نتحدث إذ استؤذن لإنسان ديلمي أقعدته في الدار هو وزوجته لحفظها وخدمة من يدخل إليها، فقال ابن أبي قيراط: فاتشوه عما عنده مني لننظر ما يعتقده في؛ وكنت أمزح معهما دائما على العبث بينهما، وأشطر كلا منهما عن صاحبه، فأضحك مما يورده هذا الديلمي في العلوي؛ واستتر العلوي وراء إنسان كان حاضرا، فلما جلس الديلمي وفرغ من سلامه قلت له: كان العلوي البارحة هاهنا فهل استوحشت له أم لا؟ فقال: لعن الله ذاك، فإنه كافر وزنديق، ساقط شحيح، يشتري شيئا بنصف حبة يأكله يوما ويومين، فإن كان مالحا وبقي ذلك الجلد الذي لا ينقطع ولا يؤكل، أو باذنجانة مرة، أو قليل لبن حامض، صاح بالمرأة وأعطاها الذي لا يصلح للسنانير فضلا عن الناس، ويناظر ظاهرا في إبطال الشريعة وتكذيب الأنبياء، ويظهر الكفر والإلحاد، وبالله يا سيدي إني أكره أن يكون مثله نائبا عنك في ذلك الموضع وعلى تلك الدار والكتب!! وضحكنا، وزاد فيما يورده، وأفحش فيما يذكره. وأخرق العلوي ما سمعه، فخرج من وراء ذلك الإنسان، لضحك الرجل ووقوعه على وجهه، فلما رآه الديلمي بقي حائرا وقال: يا شريف كذبت فيما قلته، والتفت إلي وقال: يا سيدنا رجل حر فيه خير والله، ما يقصر معنا، يعطينا البزر والشيرج ومن جميع ما يشتريه قبل أن يأكله، ونحن له شاكرون داعون! وامتقع لونه، وتلعثم لسانه، وتعثر كلامه، فلحقنا من النوبة الأخرى ما زاد ضحكنا له وأسرف، فأما أنا فغلب علي الأمر حتى قمت من المكان وغبت عنهم ساعة من الزمان ورجعت والديلمي قد انصرف، وبقي العلوي يلوم نفسه، ويقول: شرعت في أن سمعت سبي والاستخفاف بي في وجهي!.
وحكي أن الرشيد والفضل بن الربيع خرجا في يوم صائف لتنسم الأخبار ومشاهدة الناس على عادة كانت للرشيد في ذاك، فبلغا في الظهيرة إلى باب كبير، وفي دهليزه حباب وجرار لطاف والرحبة التي فيها آلباب مرشوشة مكنوسة، وفيها دكة عليها بارية جديدة، والهواء في الموضع رقيق كثير، فجلسا، وسمعا من الدار صوت غناء، فدخلا الدهليز وتطلعا إلى الدار، فرأيا غلاما شابا وبين يديه مجلس ظريف وعتيدة يخرج منها منها ثياب النساء، فيقلبها ويبكي ويقبلها، ويغني بالعود أطيب غناء وأحرقه، فطرقا الباب، فخرج إليهما، فلما رآهما قال: مرحبا بكما، ألكما رأي في الدخول والقيلولة عند عبدكما؟ فقالا: نعم، فدخلا وغلق الغلام الباب، وقدم لهما طستا وإبريقا ومنديلا دبيقيا، وأقلب عليهما حتى توضأا وصليا، وقدم لهما ما أكلاه، وأخذا في الشرب معه، فقالا له: رأيناك تخرج من هذه العتيدة ثياب امرأة فتقبلها وتبكي وتغني عليها وكان سبق إلى وهم الرشيد أنه كان يحب امرأة فقتلها وجعل ثيابها عنده، يذكرها بها، ويبكي عليها، وهو مجتهد في أن يعلم صحة ذاك وتحقيقه ليقيده بها، ويحقق الأمر عنده كون الرجل وحده وخلو الدار من غلام وجارية أو صاحب أو أنيس! فقال لهما: لا تسألاني ودعاني! فمازحاه ولاطفاه وألحا عليه إلى أن قال: اسمعا خبرني فإنه عجيب، وأمري فإنه غريب، كان والدي وهب لي وأنا صغير جارية في سني وقريبة مني، وتربت معي ودخلت الكتاب لدخولي، فتعلمت الكتابة والقراءة أجود مني، وعلمت الغناء فتعلمت معها، وتحاببنا حبا شديدا، ومات والدي أعظم ما كنت بها وجدا، فرفع خبرنا إلى الفضل ابن الربيع لعنه الله فرفعه إلى الرشيد كافأه الله فلم أشعر إلا بالجارية قد أخذت مني، وحملت إلى دار الخلافة خبرها الله، فاستغثت وقلت: لأي حال تؤخذ مملكتي؟ فاستخف الفضل بي قصم الله أجله وتبر عمره وقال: هذه جارية أبيك، ولا يجوز أن تكون بعده معك، والظاهر من أمرها أنها تجري مجرى الوالدة لك، فأحضر النخاسين وانظر قيمتها ليسلم إليك، فحلفت على أن أبي وهبها لي منذ كنا طفلين، فلم يلتفت علي، وأمرني فانصرفت، ولم تطب نفسي بقبض ثمنها، وغصبت عليها! هذه صفتي وحالي! فسري عن الرشيد، وقال له: ما اسمها؟ فقال: عتب، فقال له: أعلم أننا من قوم سحرة، كهنة مخدومون، ونحن نجمع الليلة بينك وبينها، ونذلل لك الجن حتى يحملوك إليها ويعيدوك وقد نعمت عينا بالاجتماع معها طول ليلتك! فقال: أنتما رائدا الخير، وأرجو أن يصح لي منكما هذا الخبر! فسار الرشيد الفضل وقال له: تقدم إلى الفراش الخاص بأن يحضر منام الناس، ويجلس على الباب، ومعه خمسة من الفراشين الأجلاد ومعهم كساء كبير وثيق، وأحضر أنت معك بنجا جيدا وشيئا من البراكير الحديد وما نوهمه به أننا نضرب له مندلا ونحضر الجن، وتقدم إلى عتب بأن تزين دارها، وتتخذ طعاما وشرابا وتعما مجلسا جميلا وتعليق الدار بأصناف الثياب المنقوشة، وتستكثر من الشمع، فإنني أريد الليلة الشرب عندها! فقال: السمع والطاعة؛ وقال له ظاهرا: قم وأحضر أداتنا، فنريد أن نتعصب مع صديقنا الليلة! فقال: حبا وكرامة؛ وانصرف وعاد آخر النهار ومعه برخاشات توهم أنها آلة، فلما أعتم الليل ضربا مندلا وتكلما عليه، ثم أقعداه في وسطه وسقياه قدحا فيه البنج، فوقع لا يعقل أمره، ودخل الفراشون فحملوه في الكساء، وأقعدوا واحدا منهم في الدار، وانصرفوا به إلى دار عتب فطرحاه فيها؛ وقال الرشيد لعتب: هذا مولاك؟ قالت: نعم، قال لها: قد رجعت إلى رقه على شرط وهو أنك لا تعلمينه بما فعلنا به، وكوني معه كأنكما لم تتفارقا، ليتصور أنه يراك ويرى ما هو فيه في النوم، فإن أطلعته على أننا جئنا به إليك أخذنا رأسك! فقالت: الله الله يا مولانا! وأعطاها دواء يخلص من البنج، فسقته إياه، وطرحت عليه الماء البارد، فاستيقظ ورأى تلك الشموع والدار والمجلس والجارية، ففرح وقال لها: يا عتب، قالت: لبيك يا سيدي، وجلست تغني له وتشرب معه، وهو يقبلها ويفرح بها، ويتعجب مما هو فيه، ويقول لها: أليس أخذت مني؟ أليس فعل بي الفضل بن الربيع لعنه الله كذا وكذا؟ وأخذك الرشيد مني فعل الله به وصنع! وجاءني البارحة ساحران فضربا لي مندلا وجمعا بيني وبينك، فاحذري لا يشعر بنا الرشيد فنهلك! فقالت: الله تعالى يكفي! وبقي يحدثها فيما نحن فيه، فلما صار آخر
الليل وإذا بالرشيد قد جاء، فقالت له: ويلك قد جاء الخليفة إلى عندي، فبكى وفزع وجزع، وهجم الرشيد عليه فقال: من عندك يا عتب؟ قالت: هذا مولاي جاء به الجن الليلة إلى عندي! فقال له: ويلك الجن يحملون الناس إلى دور الناس! هاتوا سيفا ونطعا، فأحضرا وقال: اصدقني، من أوصلك إلى هاهنا، وإلا تقدمت بضرب عنقك! فأخذ يقص عليه حديث الساحرين، وهو يكذبه ويتهدده، إلى أن نشفت لهواته، فقال اسقوني ماء، فأمر عتبا أن تطرح له في الماء بنجا، ففعلت، فلما شربه وقع نائما، وتقدم بحمله إلى بيته، وأن ينزل في المنزل الذي أخذ منه، وترد أبوابه عليه، ويقعد فراش في الشارع يحفظ الباب عليه، إلى أن يجيئاه، وجرى الأمر على ذاك، وجاءه الرشيد والفضل وسقياه من الدواء المخلص من البنج، فانتبه فزعا مروعا، فقالا له: ما عمل أصحابنا الجن معك؟ فأخذ يتذكر ويشرح لهما ما رآه في نومه، وما لحقه وجرى عليه، حتى قال: وشربت ماء فانتبهت وتخلصت من عظم ما تورطته وحصلت فيه! فقالا: إلا أنك رأيتها وفرحت بها، وتفرجت معها؟ قال: إي والله، ورجعت روحي إلي، وطابت نفسي، وليت كان لي مثل ذلك كل ليلة، ودع أقتل على التحقيق لا التفزيع! فقالا له: هذا لك عندنا، ما دمنا نعاشرك؛ فقبل رأسيهما وشكرهما، وأحضرهما ما طعماه معه، وأخذوا في الشرب، وأخذ يغني ويبكي أكثر من أمسه، وقال: قد تجدد علي من رؤيتها البارحة ما قد جدد أحزاني وأطار عقلي! وجرى أمره في الليلة الثانية على ما جرى في الأولية، وفي الثالثة على مثل ذلك، إلا أنه كان يتخلص في الليلتين من الخليفة والقتل بشرب الماء، فكان في الليلة الثالثة يلتمس الماء فيسقاه، ولا يطرح فيه بنج فلا ينام، ويعاود طلب الماء فيسقاه دفعات ولا ينام، ولا ينتبه على حسابه وظنه، فلما مات في جلده، كما يقال، تقدم الرشيد إليه بأن يأخذ بيد الجارية وجميع ما في دارها وينصرف به وبها إلى بيته، ففعل ذلك وأصبح في داره مالكا جاريته، وعرف حقيقة الحال فجزع وخضع مما كان يجري منه على الخليفة والفضل، وأمره الفضل بن الربيع بأن يتردد إلى الدار، فصار يتردد وهو خجل حي، وأطلق له من المال وأجري عليه من الجراية ما يقوم بحاله، وأنفق له من المال إنفاق لم يكن في حسابه.
وخاطب الوزير أبو القاسم بن المغربي بعض العمال واحتد عليه، وقال: لأتقدمن بصفعك! فقال: بل نترك العمالة ولا تصفعنا ولا نصفعك! فأطرق المغربي، وترك الكلام، وعرف الرجل غلطته، فبقي ميتا، ثم خرج متحاملا.
وحدثني محمد المعروف بابن الدوري قال: حدثني أبو المعالي ابن الطوابيقي البزاز قال: كنت سائرا في اليمن إلى مكة، ومعي تجارة على جمل، وزاد وماء على جمل، وأنا ورفيق لي على جمل موطأ لنا عليه، ونحن نتحدث، ويقارضني، ونتقارض ونتفرج، فحضر في نفسي قول الله تعالى:"وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفاس" وقلت: ما نبلغ مقصدنا إلا ونحن على الرفاهة وفي اللذة والفرجة، فما مر هذا الخاطر على قلبي حتى وقع الجمل الذي عليه الزاد والماء، فمات، فنزلنا إليه فأخذنا الزاد عنه، ولم يكن معنا في الرفقة جمل فارغ نكتريه، فاحتجنا أن نقلنا الزاد على الجمل الذي كنا عليه، ومشينا وراءه يومين وليلتين إلى مكة، فدخلناها ورجلاي قد انتفختا وتنضختا دما، وقد لقيت تعبا ونصبا وشقاء لم أظن أنني أسلم معه، وبقيت بمكة مدة أداوي ما لحقني وأصابني، وتحققت أن ذلك جواب ما خطر لي واعترضني، وعجبت من ذلك، وكثر فيه فكري!.
وفي كتاب الأوراق المصولي قال: كان المأمون نازلا على البذندون، نهر من أنهر الروم عند طرسوس، فجلس يوما وأخوه المعتصم عليه، وجعلا أرجلهما فيه استبرادا له، وكان أبرد ماء وأرقه وألذه، والزمان صائفا، فقال المأمون لأخيه المعتصم: أحببت الساعة من أزاذ العراق أكلة، وأشرب من هذا الماء عليه! وسمع صوت أجراس البريد، فقال: هذا بريد أين؟ فقيل: بريد العراق، وأحضر طبقا فضة فيه رطب أزاذ، فعجب من تمنيه وما اتفق له فيه، فأكلا وشربا من الماء، ونهضا، فودع المأمون وقال ثم انتبه محموما، وفصد، وظهرت في رقبته نفخة كانت تعتاده ويراعيها الطبيب إلى أن تنضج ويفتحها فتبرأ، فقال المعتصم للطبيب وأظنه ابن ماسويه ما أظرف ما نحن فيه! تكون الطبيب المتفرد المتوحد في صناعتك وخدمة أمير المؤمنين وتعتاده مثل هذه النفخة فلا تزيلها عنه فتتلطف في حسم مادتها حتى لا ترجع إليه!! والله لئن عادت هذه العلة لأضربن رقبتك! فانصرف ابن ماسويه مستطرفا لقول المعتصم، وحدث بذاك بعض من يثق به ويأنس إليه، فقال له: تدري ما قصد المعتصم؟ فقال: لا، قال: قد أمرك بقتله حتى لا تعود النفخة إليه، وإلا فهو يعلم أن الطبيب لا يقدر على منع الأمراض عن الأجسام، وإنما قال: لا تدعه يعيش فيعود المرض إليه! وتعالل ابن ماسويه، وأمر تلميذا له بمشاهدة النفخة والتردد إلى المأمون نيابة عنه، والتلميذ يجيئه في كل يوم، فيعرفه حال المأمون وما تجدد له وبه، فأمره بفتح النفخة، فقال له: أعيذك بالله، ما احمرت ولا كملت ولا بلغت إلى حد الجرح، فقال له: امض وافتحها كما أقول لك ولا تراجعني! فأطاعه وفتحها، فمات المأمون منها.
وحدث الرئيس أبو الحسين والدي قال: رأى الحسن بن رجاء بن الضحاك، وهو يتقلد فارس، وقد صفا له أمرها، كأن آتيا أتاه وصاح به بباب البيت الذي كان نائما فيه:"حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة" فانتبه مرعوبا، ومات من غده!.
وقال: رأى الأفشين في منامه قبل سخط المعتصم عليه رؤيا أفزعته، فأرسل ليلا إلى مفسر كان قريبا منه فأحضره، وقال له: قد هالني أمر رؤيا رأيتها! قال: خير أيها الأمير اقصصها علي عند طلوع الشمس، فقال لخازنه: يكون عندك! فلما أصبح دعاه وقال له: رأيت البارحة كأن الشمس والقمر دخلا علي وأنا جالس في بهو، فقعد أحدهما على كتفي الأيمن، والآخر على الأيسر، وانتبهت لجزعي منهما! قال المفسر: فما حضرني ما أقوله في ذاك، فاستعفيته، فقال: قل ما خطر لك وأنت آمن، قلت: اقرأ "لا أقسم بيوم القيامة"، فقرأها، حتى بلغ: "وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر" فأخذته رعدة وزمع وخرجت من عنده، فما مضت عليه ثالثة حتى قبض عليه.
وحدثني والدي الرئيس أبو الحسين قال: حدثني أبو الحسن محمد بن محمد الحبشي النحوي وهو من أهل البطيحة قال: أقام أبو محمد بن عمر بن شاهين صاحب البطائح بعد وفاة أبيه، وقبل انحدار أبي القاسم المطهر بن عبد الله وزير عضد الدولة أبي شجاع بن نويه لحربه، وبعد وقوع الصلح معه، على سيرة جميلة في نظره، ثم حسده أبو الفرج أخوه على موضعه، وكان جاهلا متهورا، فأعمل الحيلة في الفتك به، واتفق أن اعتلت أختهما فقال لأبي محمد: إن أختنا مدنفة مشفية، فلو عدتها لقويت من نفسها؛ ففعل وركب إليها، ورتب أبو الفرج في دارها قوما وأوقفهم على الفتك به، فلما دخل أبو محمد إليها وقف أصحابه عنه لأنها دار حرم، وحمل أبو الفرج سيفه على عادة كانت له في ذلك؛ ومشى من ورائه، حتى إذا تمكن منه وقرب من الموضع الذي رتب القوم فيه جرد سيفه وضربه به، وخرجوا فتمموه له؛ ووقعت الصيحة واختلط الناس، فصعد أبو الفرج إلى سطح الدار، وأطلع على الجند وقال لهم: ما لكم علي إلا أن أطلق لكم الأموال، وأضع فيكم العطاء، وأغمر جماعتكم بالإحسان! وكان الأمر قد فات، فسكتوا وأطاعوه وأمروه، فأعطاهم وفرق فيهم! قال أبو الحسن: وحدثني أبو القاسم هبة الله بن عيسى، وكان يكتب لأبي محمد أيام عمران أبيه، وبعد ذلك له أيام إمارته، قال: لهج أبو محمد آخر عمره بأن يقترح على المغنين:
لم تلبثِ الحلفاءُ والجمرُيا سيِّدي قد نفدَ العمرُ
فكنت أتطير عليه من ذلك، حتى كان من أمره ما كان!
وحدث أبو جابر أحمد بن خلف المعروف بابن القاضي الموصلي قال: كنت أهوى جارية لأبي القاسم المعروف بابن الداية يقال لها شراة، وكانت من المحسنات، فأعطيته بها ثلاثين ألف درهم فلم يبعها، وكان صوتي عليها:
أبي المدنفُ الغضبانُ يا نفسُ أن يرضىوأنتِ الذي صيَّرتِ طاعته فرضا
وجزتِ به حدَّ الهوى فاجمعي لهإذا همَّ بالهجرانِ خدَّكِ والأرضا
فرأت قائلا يقول لها في منامها، ليلة من الليالي: لا تغني بهذا الصوت! فانقطعت عن غنائه مدة، ثم عاودت الغناء به، فرأت ثانيا في منامها مثل ما رأته أولا، فأمسكت عنه مدة أخرى؛ واتفق أن حضرت عند مولاها فألححت عليها ولم أزل بها حتى غنته لأنها كانت تجيده، فما استتمته حتى سعلت، وأداها السعال إلى الخناق، وماتت.
وكان لموسى الهادي جارية يقال لها ضياء، ويجد بها وجدا شديدا، ففكر يوما فكرا طويلا، ثم عاد بهارون أخيه وقال له: يا أخي إن هذا الأمر صائر إليك، فدع لي ضياء! قال: بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويمتعك بها! فقال: دع هذا عنك واحلف لي وعاهدني أنك لا تقربها؛ ففعل، ومات الهادي وكانت ضياء من أكبر هم الرشيد، فدعاها إلى نفسه، فقالت: يا أمير المؤمنين فكيف بالعهود المأخوذة عليك في أمري!! أما كذا فكفارته كذا، وأما الحج فأحج راجلا .. وبلغت من الموقع عنده أن كانت تنام على فخذه فلا يزعجها حتى تنتبه لنفسها، فبينا هي نائمة على ذلك، وهو جالس على عتبة باب إذ انتبهت ووضعت يدها على رأسها، وجعلت تبكي وتصيح، فقال لها الرشيد: مالك؟ فقالت: رأيت الهادي آخذا بعضادتي الباب وهو يقول:
إن الذي غرَّه منكنَّ واحدةٌبعدي وبعدك في الدُّنيا لمغرورُ
أنت الذي خنت عهدي بعد موثقةٍإن لم تكن كذبتْ عنك الأخابيرُ
فضمها الرشيد إلى صدره، وما جاء الليل حتى ماتت.
وقال خالد بن عبد الله القسري يوما، وقد اجتمع عنده جماعة من سماره وخواصه: حدثوني عن الحب حديثا لا فحش فيه، فقال أبو حمزة اليماني: كان فتى من العرب يسمى مالك بن نصر، له بنت عم يحبها وتحبه، يقال لها الرباب، وكانت جمال وكمال وظرف وعقل، فبينما هو يوما معها إذ بكى، فقالت: ما يبكيك؟ قال: إني نظرت إليك فقلت أموت فتتزوج بعدي، فأسفت بك، ولحقتني حسرة عليك! قالت: فلعلك أن تبقى بعدي؟ قال: إن بقيت بعدك فلك عهد الله أني لا أتزوج ما حييت! قالت: ولك مني مثل ذلك .. وتعاهداً وتواثقاً .. ثم إن الفتى خرج مع قتيبة بن مسلم الباهي إلى خرسان، فلم يزل يقاتل بين يديه حتى طعن فسقط عن فرسه فقال وهو يجود بنفسه:
أل ليتَ شعري غزالٍ تركتهإذا ما أتاه مصرعي كيفَ يصنهُ
أيلبسُ أثوابَ السَّوادِ تسلِّياًعلى مالكِ أم فيه للبعل مطمعُ
فلو أنني كنتُ المؤخَّرَ بعدهُلما لبثت نفسي عليه تقطَّعُ
قال: ثم مات، فبلغ الرباب ذلك، فكاد الحزن يقتلها، وذابت حتى لم يبق منها إلا خيال، وكانت لا تهدأ من البكاء والشهيق، فتشاور أهلها فيها وقالوا لو زوجت لسلت! فزوجوها على كره منها، فلما كانت الليلة التي أرادت أن تزف فيها إلى زوجها نامت وأمها عند رأسها، فرأت في منامها مالك بن نصر زوجها الأول آخذا بعضادتى الباب وهو يقول:
حيَّيتُ ساكنَ هذي الدَّارِ كلَّهمُإلاَّ الربابَ فإنِّي لا أحيِّيها
استبدلتْ بدلاً غيري وقد علمتْأن القبورَ تواري منْ ثوى فيها
فانتبهت مذعورة، وذكرت لأمها ما رأت، فقالت: يا بنية ارقدي فهذا من عمل الشيطان، وتعوذي منه! فوضعت رأسها، وأتى خيال زوجها مالك، فأخذ بعضادتى الباب ثم قال:
قد كنتُ أحسبها للعهدِ راعيةًحتى تموتَ وما جفَّت مآقيها
أمستْ عروساً وأمسى مسكني جدثاًحتى تموتَ فإنِّي ما ألاقيها
أمسيتُ في حفرةٍ يبلى الحديدُ بهالا يسمعُ الصوتَ نفساً مشطتها
فانتبهت مذعورة، فخرقت ثيابها، وقطعت جلبابها ونقضت مشطتها وعاهدت الله لا يجتمع رأسها مع رأس رجل ما عاشت، فلم تلبث إلا قليلا حتى ماتت.
وحدث محمد بن يزيد بن عبد الحميد الكاتب بالرقة قال: حدثني السندي بن شاهك قال: كنت نائما ذات ليلة في غرفة الشرطة بالجانب الغربي من مدينة السلام، كما جرى به رسم ولاة الشرطة من المبيت في أعمالهم إلا في ليال معلومة، فرأيت في منامي جعفر بن يحيى بن خالد وهو واقف بإزائي، وعليه ثوب مصبوغ بالعصفر، وهو ينشد:
كأن لم يكن بين الحجونِ إلى الصَّفاأنيسٌ ولم يسمرْ بمكَّةَ سامرُ
بلى! نحنُ كنّا أهلها فأبادناصروفُ اللَّيالي والجدودُ العواثرُ
فانتبهت فزعا وقصصت الرؤيا على أحد خواصي، فقال: هذه أضغاث أحلام، وليس كل ما رآه الإنسان وجب أن يفسر! وعاودت مضجعي فلم تمتلئ عيني غمضا حتى سمعت صيحة الرابطة والشرط وقعقعة لجم البريد، ودق باب الغرفة فأمرت بفتحها، فصعد إلي سلام الأبرش الخادم، وكان الرشيد يوجهه في مهماته، فانزعجت وأرعدت مفاصلي، فظننت أن الخليفة قد أمره بأمر في، وجلس إلى جانبي وأعطاني كتابا، وقال: اقرأه، ففضضته وإذا فيه: "يا سندي، كتابنا هذا بخطنا، مختوم بالخاتم الذي في يدنا، وموصله سلام الأبرش، فإذا قرأته فقبل أن تضعه من يدك فامض إلى دار يحيى بن خالد، للإحاطة عليه، وسلام معك، حتى تقبض عليه وتوقره حديدا وتحمله إلى الحبس في مدينة أمير المؤمنين المنصور، المعروف بحبس الزنادقة، وتتقدم إلى باذام بن عبد الله خليفتك بالمصير إلى الفضل ابنه مع ركوبك أنت إلى دار يحيى، وقبل انتشار الخبر، والتقدم إليه بأن يفعل مثل ما تقدم به إليك في يحيى، وأن تحمله أيضا إلى حبس الزنادقة، ثم بث، مع فراغك من أمر هذين، أصحابك في القبض على أولاد يحيى وأولاد إخوته وقراباته".
ورأى ميمون بن هرون في منامه، وهو بسر من رأى، رجلا واقفا بباب العامة ينشد:
يا طالبَ الحقِّ أينَ الحقُّ وا أسفاغالتهُ غولٌ أمِ الإنصافُ مدفونُ
أضحى الخليفةُ مقتولاً تهضَّمهعبيدهُ وهو بالإرغام مقرونُ
فأصبح وقد قتل المعتز بالله.
وذكر أبو بكر بن أبي الدنيا فقال: كان بنصيبين رجل يكنى أبا عمرو، وكان يواصل الشرب ولا يفتر عنه، فرأى في منامه قائلا يقول له:
جدَّ بك الأمرُ أبا عمرووأنتَ معكوفٌ على الخمرِ
تشربها صرفاً صراحيَّةسالَ بك السَّيلُ وما تدري
فلما كان في اليوم الثاني من رؤيته ما رأى مات.
قال الزيادي: كنت نائما فأتاني آت في منامي وقال:
من للطلاء والمغنا?ء ومن لشرب الخسرواني
قد ماتَ شيخُ الكافري?نَ وكان داهيةَ الزَّمانِ
فانتبهت بصوت الناعي لإسحاق بن إبراهيم.
وحدثنا أبو الفضل الربعي عن أبيه قال: كان عبد الله بن قثم بن عبد الله بن العباس أمير مكة في زمن المهدي، وكان متزوجا بلبابة بنت علي بن عبد الله بن العباس، فاتفق أن كان قائلا يوما ورأى رؤيا .. قال ابن صيفي: وأرسل إلي يدعوني فلما جئته قال لي: رأيت يا أبا إسماعيل في قائلتي ما قد أزعجني، وأراني والله ميتا! قلت: وما ذاك؟ قال: رأيت وجها برز إلي من هذا الجدار وقال منشدا:
بينما الحيُّ وافرونَ بخيرٍحملوا خيرهمْ على الأعوادِ
قلت: يبقي الله الأمير، ولعل ذلك من الشيطان! قال: ما كان وجه شيطان! قلت: لعل الميت غيرك! فقال: من هو؟ عساك تعرض بلبابة بنت علي؟ نعم هي والله خير مني وأمجد .. فما مضى على هذا الحديث شهر حتى توفيت لبابة، فأقمنا بعد ذلك بسنة فأرسل إلي في مثل الوقت من اليوم المتقدم فقال: رأيت ذلك الوجه بعينه، خرج إلي في القائلة وأنشد ذلك البيت بعينه، وأنا والله ميت وما بقيت، لبابة أخرى! فقلت: يبقيك الله أيها الأمير! وما مضى شهر حتى مات.
وحدث يوسف المعروف بابن الداية صاحب إبراهيم بن المهدي قال: صار إلى إبراهيم بن المهدي في النصف من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين رجل من ثقاته فأعلمه أنه رأى في المنام كأن في يده رقعة مكتوب فيها: "الطالع الجوزاء ثلاث عشرة درجة" وكأنه دفعها إلى إبراهيم فقرأها وهي تنقرض حتى لم يبق في يده منها شيء، ثم نظر إلى الأرض فلم يجد فيها شيئا مما انقرض! فقال إبراهيم: ينقرض أمر المأمون ولا يلي بعده أحد من ولده، لأن طالعه الدرجة الثالثة عشرة من الجوزاء! فلما مضى أحد وثلاثون يوما على الحديث قدم جعلان التركي على إسحق بن إبراهيم والفضل بن مرزوق بنعي المأمون، وأنه توفي بعد العصر من يوم الخميس السابع عشر من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين.
ذكر حبيب بن إبراهيم البصري قال: حكى بعضهم أنه رأى ليلة الفطر من سنة إحدى وثلثمائة وقد حبس أبو الهيثم بن ثوابة في منامه كأن دارأبي الهيثم مسودة، وفيها جارية سوداء، بيديها عود وهي تضرب وتغني:
أزجر العين أن تبكّي عظيماإن في الصَّدرِ لوعةً وهموما
قتلته ملوكُ آلِ أبي العا?صِ وقد كانَ سيِّداً معلوما
قال: وكأني أقول لها: الشعر على خلاف هذا، وهو:
أزجرُ العينَ أن تبكّي الرسوماإن في الصَّدرِ منْ يزيدَ هموما
قتلتهُ ملوكُ آل أبي العا?صِ وقد يقتل الكريمُ الكريما
فقالت: هذا يا معشر الإنس قاله شاعركم الطرماح وما غنيته أنا إلا لشاعرنا لما أدخل رأس يزيد بن المهلب إلى دمشق، فارووا ما عندكم فإنا نروي ما عندنا?! ثم قامت إلى وسط الدار وقالت:
وأيقنتُ التفريقَ يومَ قالوانقسِّمُ مالَ أربدَ بالسِّهام
وضربت بعودها الأرض فكسرته، ودخلت حجرة في دار أبي الهيثم، وغابت عن عيني، فقتل أبو الهيثم بعد مديدة.
وحدث بعض وجوه الكتاب ببغداد قال: رأيت في المنام جارية كانت لامرأة أبي العباس بن الفرات تسمى "همة"، وفي يدها عود وهي تغني:
السلاح السلاحْإن أتانا الصباحْ
أينَ فرسانُ قيسٍألطِّوال الرِّماحْ
أينَ ساداتُ قوميذو الأكفِّ السِّماحْ
أين أهلُ القصورِألجعادُ الملاحْ
ثم حدثت الحادثة على أبي الحسن بن الفرات بعد ذلك بأربعة أشهر سواء، واستتر أهله، وحصلت هذه الجارية عندي، فسألتها هل تغني بهذا الشعر؟ قالت: نعم، ثم أنشدتنيه، وقالت في البيت الأخير في مكان (القصور) (البطاح).
وحدث محدث قال: رأيت في منامي نصف النهار قبل نكبة أبي الحسن بن الفرات بخمسة عشر يوما كأن أبا الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني كاتب ابن الفرات قد دخل علي، وعليه قميص كرابيس، وهو منتوف بعض لحيته، فقلت له: مالك؟ وكيف جئتني على هذه الحالة؟ فقال:
أخنى علينا الدَّهرُ كلكلهُمن ذا يقومُ بكلكلِ الدَّهرِ
وانتبهت فكتبت هذا البيت على الحائط، فلما كان بعد الأيام المذكورة نكب ابن الفرات.
كان الوزير أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد مدلا على الوزير أبي الحسن بن الفرات لمودة بين أسلافهما، واختصاصه هو بأبي الحسن، فوجد أبو الحسن الكتب النافذة إلى أصحاب المعاون في البيعة لعبد الله بن المعتز بخطه، فلم يظهر ذلك للمقتدر بالله، حراسة لسليمان وصيانة عن أذية تطرقه وبلية تلحقه، واعتمد تقديمه والتنويه به، وكان سليمان قد تقلد للوزير أبي الحسن علي بن عيسى أيام نظره مجلس العامة في ديوان الخاصة، فقلده ابن الفرات هذا الديوان رئاسة، ثم شرع سليمان لأبي الحسن بن عبد الحميد في الوزارة وصرف ابن الفرات، وعمل لذلك نسخة بخطه إلى المقتدر بالله يسعى فيها بابن الفرات وكتابه وأصحابه وأسبابه وضياعه وأمواله، واتفق أن قام لصلاة المغرب مع جماعة من الكتاب في دار ابن الفرات فسقطت من كمه، فأخذها الصقر بن محمد الكاتب، وكان إلى جانبه، فحملها إلى ابن الفرات من وقته، فلما وقف عليها فبض عليه، وحدره في زورق مطبق إلى واسط، وصودر هناك وعوقب، ثم رفع صاحب البريد إلى ابن الفرات في جملة رفوعه أن أم سليمان ماتت ببغداد ولم يحضرها ولدها ولا شاهدته قبل موتها، فاغتم ابن الفرات لذلك فكتب بخطه كتابا هذه نسخته:
"ميزت أكرمك الله بين حقك وجرمك، فوجدت الحق يوفي على الجرم، وذكرت من سالف خدمتك في المنازل التي فيها ربيت، وبين أهلها غذيت، ما ثناني إليك، وعطفني عليك، وأعادني لك إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت، فثق أكرمك الله بذاك، واسكن إليه، وعول في صلاح ما اختل من أمرك عليه، واعلم أنني أراعي فيك حقوق أبيك التي تقوم بتوكد السبب مقام اللحمة والنسب، وتسهل ما عظم من جنايتك، وتقلل ما كثر من إساءتك، ولن أدع مراعاتها والمحافظة عليها إن شاء الله تعالى، وقد قلدتك أعمال قهستان لسنة ثمان وتسعين ومائتين وبقايا ما قبلها، وكتبت إلى أحمد بن محمد بن حبيش بحمل عشرة آلاف درهم إليك، فتقلد هذه الأعمال، وأظهر فيها أثرا حميدا يبين عن كفايتك ويؤدي إلى ما أحبه من زيادتك إن شاء الله."
وحدث أبو علي بن القائي النصراني قال: كان بشر بن علي كاتب حامد صديقا لي ولأبي يعقوب أبي، فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة، واستعرت الدنيا نارا بالمحسن ابنه وشره وتسلطه وتبسطه، طلب بشرا وأبا محمد بن عينونه في جملة من طلبه، وتتبعه وكبس عليه واستقصى في أمره، فأما بشر فإنه أخذ لنفسه عند القبض على حامد صاحبه، واستتر عندي، ولم أعلم أبي وأخي به خوفا أن يحلفا فيدلا عليه، واتفق أن كتب أخي إلى بشر رقعة ضمنها كل إرجاف وفضول، وما اطلع عليه من تقرر الأمر لأبي القاسم الخاقاني وقرب تقلده الوزارة، وبأنه قد أحكم له ما يريده منه، وأجابه بشر في تضاعيفها بما شاكل الابتداء، من غير تحفظ ولا تحرز، واختلطت الرقعة بين يدي أخي بمكاتبات وكلائه وحسبانات صنيعته، وغير ذلك مما لا فكر فيه؛ وكتب أبو أحمد عبيد الله بن محمد أخو أبي إبراهيم موسى بن محمد، وكان يتولى نصيبين، إلى المحسن بما قال فيه:"إن أردت ابن عينونه وعبد الرحمن بن عيسى بن داود فهما عند ابن القنائي"، فما شعر أبي وأخي في يوم واحد إلا بمريب خادم المحسن وقد كبسهما في جماعة من الرجالة، وفتش جميع الحجر والبيوت، ولم يبق غاية إلا بلغها في الاستقصاء والاحتياط في التفتيش والطلب، فلما لم ير أحدا عدل إلى ما كان بين أيديهما من رقاع حساب، فجمعه وحمله إلى المحسن، وفي جملته الرقعة إلى بشر وجوابه فيها، المشتملة على العجائب! ورأى أخي ذاك فمات في جلده؛ ولم يقصد أحد داري اكتفاء بما جرى على دار أبي وأخي، وسلم ابن عينونه، وكان في الوقت سكران لا فضل فيه لحركة! وقال ابن هندي: فحدثني أبو منصور بن فرخانشاه صهرنا قال: كان خبر الرقعة عندي، وأنها فيما أخذه مريب من الرقاع، فلم أزل أمشي خلفه، وهو متأبط بما أخذه، إذ انسلت الرقعة بعينها بتفضل الله تعالى من بين سائر تلك الكتب والرقاع وسقطت على الأرض، فأخذتها وبادرت إلى مستراح رأيته في الطريق مفتوحا، فطرحتها فيه، وهدأت نفسي عند ذلك.
قال: ومضى أبي وأخي مع مريب إلى المحسن، ووقف على الرقاع والكتب، فلم يجد فيها ما أنكره، فخاطبهما بالجميل، واعتذر إليهما، وعرفهما السبب الذي من أجله فعل! وجاءته رسالة أبي الحسن والده ينكر عليه فعله، وانصرفا مكرمين، وزالت المحنة والبلية عنهما بانسلال تلك الرقعة من بين تلك الرقاع المأخوذة، ولله الحمد والفضل والمنة والطول.
وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: حدثني أبو الطيب أحمد ابن إسماعيل عمي قال: مضيت في يوم من الأيام على رسمي إلى الديوان بالثريا، فبينا أنا أسير لحقني فارس يسايرني، وأقبل يحدثني ويسألني عن اسمي وكنيتي ومنزلي وصناعتي، فلما ذكرت له مكاني مع أبي العباس بن الفرات قال: كيف مذهبه في العمل؟ قلت: أحسن مذهب، يستقصي حقوق سلطانه، ويستوفي مناظرة عماله، ويجد في استخراج أمواله!
قال: فكيف يجري أمر هذا الوزير يعني عبيد الله بن سليمان فإنني ما رأيت أشد تخليطا منه، ولا أغظم من حجابه، ولا أكثر إخلافا لمواعيده! قلت له: وكيف ذاك؟ قال: لأني رجل من الفرسان، قد أخر قائدي عني رزقي، فاحتجت إلى أن أخللت به، وصرت إلى الحضرة متظلما منه، وأنا أجتهد في أن يطلق لي ما وجب من رزقي، فليس يلتفت إلي، وكلما رفعت إليه رقعة رمى بها، ومتى وصلت إليه لم يخرج عليها توقيع، فقد احترقت وهلكت ونفدت نفقتي، وطالت على بابه أيامي، وكيف يمكن لهذا الرجل، وهو على ما وصفته لك، أن يعمل أعمال الخلافة ويدبر أمور المملكة؟ قلت له: الذي نعرفه من مذهبه وتقدمه ومعرفته وكتابته وكفايته غير ما ذكرته عنه، وما يدع شيئا إلا نظر فيه، ولا مظلوما إلا أنصفه! قال: الذي يبلغني عنه أنه قد اصطلم الدنيا، وأخذ الأموال لنفسه، والجند يتظلمون، وحاشية الخليفة يشكون، والنواحي خراب! فقلت: ما أحد من الحاشية إلا وهو راض، والأموال تحمل إلى الحضرة، والعمارة زائدة، والأمور مطمئنة! فقال: ما الآفة في جميع ما يجري إلا هذا الغلام الذي رفعه الخليفة فوق قدره، وأعطاه ما لا يستحقه، وصير الناس عبيدا وخولا له! فقلت: من الغلام؟ فقال: بدر، وأقبل يطعن عليه، ويتكلم فيه .. قلت: ما وضعه الخليفة إلا موضعه، والرجال حامدون له وراضون برئاسته! فحول وجهه عني فرأى كوكبة من الفرسان قد أقبلت، فحرك دابته ومضى، وما بعد حتى جاءت الكوكبة، وسألوني عن الخليفة هل رأيته، وأين أخذ؟، فقلت: ما رأيت الخليفة! قالوا: هل مر بك فارس على دابة شيتها كذا، وعليه من اللباس كذا! قلت: نعم، قالوا: وأين هو؟ فإنه الخليفة، قلت: بين أيديكم! ووجمت، ووقعت فيما لا ينادي وليده، وأقبلت أتذكر ما قلته له، وذكرت أصحابه عنده، حذرا من خطأ وقع فيه أو طعن سهوت به، وصرت إلى الديوان بالثريا، وأنا لا أعقل غما وهما، فأنا في تلك الحال إذ خرج عبيد الله بن سليمان من حضرة المعتضد بالله، واستدعى أبا العباس ابن الفرات صاحب الديوان، وأعاد عليه كل ما جرى بيني وبين المعتضد بالله، وأحمد عنده ما كان مني، وجزاني الخير، وخرج أبو العباس واستدعاني وسألني عن حالي في طريقي، وما جرى فيه لي معه، فحدثته حديث الفارس وما دار بيننا، فذكر أن الوزير أعاده عليه بعينه، وأقبل يحمد الله تعالى حسن توفيقه إياي فيما قلته وأجبت به، وأوصلني بالتحفظ فيما بعد.
وحكى أبو علي عبد الرحمن بن عيسى أخو الوزير أبي الحسن علي بن عيسى أن أبا علي محمد بن عبيد الله الخاقاني كان لين العريكة قليل البصيرة، لا يدفع عن الشيء يخاطب عليه، ولا يتصور عواقب أمره فيه، فانبسطت العامة عليه فضلا عن الخاصة، وانقاد لكل محال! قال: فحدثني سبك المفلحي أن أحد القواد الأصاغر سأله أمرا، فقال: اكتب رقعة حتى أوقع لك فيما أردته، فأحضره بياضا وقال له: يوقع الوزير في آخره بالإجابة إلى المسؤول، لأكتب العرض فيه من بعد! فوقع له.
قال: وتأخر نصر بن الفتح كاتب مؤنس الخادم عن الخاقاتي ثم جاءه، فسأله عن سبب تأخره فقال له: لي بنت عزيزة علي، وهي عليلة، وأنا بها قلق وعليها مشفق ولأجلها متأخر! واتفق بعد انصرافه من بين يديه أن عرض عليه صك قد أنشئ على نصر بمال لبعض الوجوه، فوقع فيه: "أطلق أكرمك الله ذلك، وعرفني خبر الصبية إن شاء الله"! قال: وحدثني سبك المفلحي قال: سألته إثبات راجل معي بأربعة دنانير في كل شهر، فقال: أربعة دنانير كثير! وكررها، ومازال يحسبها حتى صارت ثمانية وأربعين ديناراً في السنة، وكتب: "تجري له ثمانية وأربعين ديناراً في المشاهرة"!.
وعرضت عليه رقعتان: إحداهما عن بعض الجند نفي استطلاق ما تأخر من رزقه، والأخرى من بعض حرمه، تستأذنه في دخول الحمام، فوقع تحت رقعة حرمته وعنده أنها رقعة الجندي: "قد حظر أمير المؤمنين ذلك، فلا سبيل إليه! " وتحت رقعة الجندي: "إذا خلونا كان الخطاب شفاهاً إن شاء الله! " فعجب والكتاب من هذا التوقيع، ووقعت المرأة على ذكر الخليفة وأنه حظر عليها دخول الحمام فلطمت واغتنمت كيف عرف الخليفة ذلك ومنع منه!.
وحكى أبو الفرج السلمي الكاتب قال: حدثني أبو العباس بن النفاط قال: حدثني أبو عبد الله
بن أبي العلاء الكاتب قال: كنت بحضرة الخاقاني وقد عرض عليه كتاب من كتب الديوان إلى عامل النيل بحمله غلة كانت حاصلة قبله، وأنكر عليه تأخيرها، فوقع في الكتاب: "أحمل الغلة وأزح العلة ولا تجليس متودعاً في الكلة! " قال: ثم التفت إلي فقال لي: يا أبا عبد الله في النيل بق يحتاج معه إلى الكلل! فقلت: إي والله، وأي بق، ومن أجله يلزم الناس الكلل نهاراً وليلاً! قال: فسر بذلك وقال: نحمد الله على حسن التوفيق! ونفعني ذلك عنده.
النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع