من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن عنين
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن عنين؟
مُحَمَّد بن نصر الله بن مَكَارِم بن الْحُسَيْن بن عنين الأديب الرئيس شرف الدّين أَبُو المحاسن الْكُوفِي الأَصْل الزرعي المنشإ الدِّمَشْقِي الشَّاعِر صَاحب الدِّيوَان الْمَشْهُور ولد بِدِمَشْق سنة تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة وَسمع من الْحَافِظ أبي الْقَاسِم بن عَسَاكِر لم يكن فِي عصره آخر مثله طوف وجال فِي الْعرَاق وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر والهند ومصر فِي التِّجَارَة ومدح الْمُلُوك والوزراء وهجا الصُّدُور والكبراء وَكَانَ غزير الْمَادَّة قيل إِنَّه كَانَ يستحضر غَالب الجمهرة هجا جمَاعَة من رُؤَسَاء دمشق فِي قصيدة سَمَّاهَا مقراض الْأَعْرَاض فنفاه السُّلْطَان صَلَاح الدّين على ذَلِك فَقَالَ
فعلام أبعدتم أَخا ثِقَةمَا خانكم يَوْمًا وَلَا سرقا
انفوا الْمُؤَذّن من بِلَادكُمْإِن كَانَ ينفى كل من صدقا
وَمن شعره مفرق فِي تراجم هَذَا الْكتاب فِي من هجاه أَو مدحه أَو جاراه دخل الْيمن ومدح صَاحبهَا أَخا صَلَاح الدّين سيف الْإِسْلَام طغتكين وَقدم مصر وَقدم إربل رَسُولا من جِهَة الْمُعظم وَولي الوزارة آخر دولة الْمُعظم وَمُدَّة سلطنة وَلَده النَّاصِر بِدِمَشْق وَلما ولي الْعَادِل أَخُو صَلَاح الدّين مدحه واستأذنه فِي الْوُصُول إِلَى دمشق واستعطفه وَهِي مَشْهُورَة ذكرتها فِي تَرْجَمَة الْعَادِل فَأذن لَهُ فجَاء إِلَيْهَا وَقَالَ
هجوت الأكابر فِي جلقورعت الرفيع بسب الوضيع
وأخرجت مِنْهَا ولكننيرجعت على رغم أنف الْجَمِيع
واشتغل بِطرف من الْفِقْه على القطب النَّيْسَابُورِي والكمال الشهرزوري وَقَرَأَ الْأَدَب على أبي الثَّنَاء مَحْمُود بن رسْلَان وَسمع ببغداذ من منوجهر ابْن تركانشاه رَاوِي المقامات وَلما ولي كَانَ مَحْمُود الْولَايَة كثير النصفة مكفوف الْيَد عَن أَمْوَال النَّاس مَعَ عظم الهيبة إِلَّا أَنه ظهر مِنْهُ فِي الآخر سوء اعْتِقَاد وَطعن على السّلف واستهتار بِالشَّرْعِ وَكثر عسفه وظلمه وَترك الصَّلَاة)
وَسَب الْأَنْبِيَاء وَلم يزل يتَنَاوَل الْخمر إِلَى قبل وَفَاته وَله تَرْجَمَة فِي تَارِيخ ابْن النجار توفّي سنة ثَلَاثِينَ تَقْرِيبًا كتب إِلَى أَخِيه من الْهِنْد مضمناً قَول المعري
سامحت كتبك فِي القطيعة عَالماإِن الصَّحِيفَة اعوزت من حَامِل
وعذرت طيفك فِي الْجفَاء فَإِنَّهُيسري فَيُصْبِح دُوننَا بمراحل
يُقَال إِن الْمُعظم أحضرهُ وَالشعرَاء يَوْمًا فَقَالَ لَهُم لَا بُد أَن تهجوني قدامي فَقَالُوا الله الله يَا خوند فألح عَلَيْهِم فَتقدم ابْن عنين وَقَالَ
نَحن قوم مَا ذكرنَا لامرئقطّ إِلَّا واشتهى أَن لَا يَرَانَا
فَقَالَ الْمُعظم صدقت فَقَالَ ابْن عنين شعرنَا مثل الخرا فَقَالَ الْمُعظم صدقت فَقَالَ ابْن عنين ذقت الخرا فَقَالَ الْمُعظم قبحك الله فَقَالَ ابْن عنين صفع الله بِهِ أصل لحانا وَكتب إِلَيْهِ أَخُوهُ وَهُوَ بِالْهِنْدِ يذكرهُ أَيَّام الصبى ويصف لَهُ دمشق وطيبها ليستميله إِلَيْهَا فَأجَاب
يَا سَيِّدي وَأخي لقد ذَكرتنيعهد الصبى ووعظتني وَنَصَحْت لي
أذكرتني وَادي دمشق وظله الضافي على الصافي البرود السلسل
ووصفت لي زمن الرّبيع وَقد بداهرم الزَّمَان إِلَى شباب مقبل
وتجاوب الأطيار فِيهِ فمطربيلهي الشجي ونائح يشجي الخلي
يُغني النديم عَن القيان غنَاؤُهَافالعندليب بهَا رسيل البلبل
وكأنما أخذت عَن ابْن مقلدقَول المسرح فِي الثقيل الأول
ومدامةً من صيدنايا نشرهامن عنبر وقميصها من صندل
مسكية النفحات يشرف أَصْلهَاعَن بابل ويجل عَن قطربل
وَتقول أهل دمشق أكْرم معشرٍوأجله ودمشق أفضل منزل
وصدقت إِن دمشق جنَّة هَذِه الدنيا وَلَكِن الْجَحِيم ألذ لي
لَا الدائص الْحلَبِي ينفذ حكمهفِيهَا عَليّ وَلَا العواني الْموصِلِي
)
وَقَالَ
لم يبْق لي غير أَن أَمُوت كَمَاقد مَاتَ قبلي مني إِلَى آدم
كل إِلَى الله صائر وعَلىمَا قدم الْمَرْء قبله قادم
يدْرك مَا قدمت يَدَاهُ كَمَاقيل فإمَّا جذلان أَو نادم
فيا لَهَا حسرة مخلدةإِذا تساوى المخدوم وَالْخَادِم
وَمَات لِابْنِ عنين حمَار بالموصل فَقَالَ يرثيه
ليل بِأول يَوْم الْحَشْر مُتَّصِلومقلة أبدا إنسانها خضل
وَهل ألام وَقد لاقيت داهيةًينهد لَو حَملته بَعْضهَا الْجَبَل
ثوى المتل الَّذِي قد كنت آملهعوناً وَخيَّب فِيهِ ذَلِك الأمل
لَا تبعدن تربة ضمت شمائلهوَلَا عدا جانبيها الْعَارِض الهطل
لقد حوت غير مكسال وَلَا رعشٍإِن قيد الْقود من دون السرى الكسل
قد كَانَ لَو سابقته الرّيح غادرهاكَأَن اخمصها بالشوك منتعل
لَا غامزاً عِنْد حمل المثقلات وَلَايمشي الهوينى كَمَا يمشي الوجى الوجل
مكمل الْخلق رحب الصَّدْر منتفخ الجنبين لَا ضامر طاو وَلَا سغل
يطوي على ظمإ خمْسا أضالعهفِي كَوْكَب القيظ والرمضاء تشتعل
وَيقطع المقفرات الموحشات إِذاعَن قطعهَا كلت المهرية البزل
فَفِي الأباطح هيق راعه قنصوَفِي الْجبَال المنيفات الذرى وعل
لَو كَانَ يفدى بِمَال مَا ضننت بِهِوَلم تصن دونه خيل وَلَا خول
لَكِنَّهَا خطة لَا بُد يبلغهَاهَذَا الورى كل مَخْلُوق لَهُ أجل
وَإِن لي بنظام الدّين تَعْزِيَةعَنهُ وَفِي النجل عَن آبَائِهِ بدل
وَمن شعر شرف الدّين ابْن عنين يمدح الْعَزِيز سيف الْإِسْلَام صَاحب الْيمن
حنين إِلَى الأوطان لَيْسَ يَزُولوقلب عَن الأشواق لَيْسَ يحول
أَبيت وأسراب النُّجُوم كَأَنَّهَاقفول تهادى إثرهن قفول
أراقبها فِي الْأَثر من كل مطلعكَأَنِّي برعي السائرات كَفِيل
فيا لَك من ليل نأى عَنهُ صبحهفَلَيْسَ لَهُ فجر إِلَيْهِ يؤول
)
أما لعقود النَّجْم فِيهِ تصرمأما لخضاب الْفجْر فِيهِ نصول
كَأَن الثريا غرَّة وَهُوَ أدهملَهُ من وميض الشعريين حجول
أَلا لَيْت شعري هَل أبين لَيْلَةوظلك يَا مقرى عَليّ ظَلِيل
وَهل أريني بَعْدَمَا شطت النَّوَىولي فِي رَبِّي روضٍ هُنَاكَ مقيل
دمشق فَبِي شوق إِلَيْهَا مبرحوَإِن لَام واشٍ أَو ألح عذول
بِلَاد بهَا الْحَصْبَاء در وتربهاعبير وأنفاس الشُّمُول شُمُول
تسلسل فِيهَا مَاؤُهَا وَهُوَ مُطلقوَصَحَّ نسيم الرَّوْض وَهُوَ عليل
فيا حبذا الرَّوْض الَّذِي دون عزتاسحيراً إِذا هبت عَلَيْهِ قبُول
وَيَا حبذا الْوَادي إِذا مَا تدفقتجداول باناس إِلَيْهِ تسيل
فِي كَبِدِي من قاسيون حزازةتَزُول رواسيه وَلَيْسَ يَزُول
إِذا لَاحَ برق من سنير تدافقتلسحب جفوني فِي الخدود سيول
فَللَّه أيامي وغصن الصبى بهَاوريق وَإِذ وَجه الزَّمَان صقيل
هِيَ الْغَرَض الْأَقْصَى وَإِن لم يكن بهَاصديق وَلم يصف الوداد خَلِيل
وَكم قَائِل فِي الأَرْض للْحرّ مَذْهَبإِذا جَار دهر واستحال ملول
وَهل نافعي أَن الْمِيَاه سوافحعَذَاب وَلم ينقع بِهن غليل
فقدت الصَّبِي والأهل وَالدَّار والهوىفَللَّه صبري إِنَّه لجميل
وَوَاللَّه مَا فارقتها عَن ملالةٍسواي عَن الْعَهْد الْقَدِيم يحول
وَلَكِن أَبَت أَن تحمل الضيم همتيوَنَفس لَهَا فَوق السماك حُلُول
فَإِن الْفَتى يلقِي المنايا مكرماًوَيكرهُ طول الْعُمر وَهُوَ ذليل
تعاف الْوُرُود الحائمات مَعَ الْأَذَىوللقيظ فِي أكبادهن صليل
كَذَلِك ألْقى ابْن الْأَشَج بِنَفسِهِوَلم يرض عمرا فِي الإسار يطول
سألثم إِن وافيتها ذَلِك الثرىوهيهات حَالَتْ دون ذَاك حؤول
وملتطم الأمواج جون كَأَنَّهُدجى اللَّيْل نائي الشاطئين مهول
يعاندني صرف الزَّمَان كَأَنَّمَاعَليّ لأحداث الزَّمَان ذحول
على أنني وَالْحَمْد لله لم أزلأصُول على أحداثه وأطول
)
وَكَيف أخافُ الفَقر أَو أُحرَمُ الغِنىورأيُ ظهير الدّين فِي جميل
من الْقَوْم أما أحنف فمسفهلَدَيْهِ وَأما حَاتِم فبخيل
فَتى الْجد أما جَاره فممنععَزِيز وَأما ضِدّه فذليل
وَقَالَ فِي نوبَة دمياط
سلوا صهوات الْخَيل يَوْم الوغى عَنَّاإِذا جهلت آيَاتنَا والقنا اللدنا
غَدَاة لَقينَا دون دمياط جحفلاًمن الرّوم لَا يُحْصى يَقِينا وَلَا ظنا
قد اتَّفقُوا رَأيا وعزماً وهمةًوديناً وَإِن كَانُوا قد اخْتلفُوا لسناً
تداعوا بأنصار الصَّلِيب فَأَقْبَلتجموع كَأَن الموج كَانَ لَهُم سفنا
عَلَيْهِم من الماذي كل مفاضةٍدلاصٍ كقرن الشَّمْس قد أحكمت وضنا
وأطمعهم فِينَا غرور فأرقلواإِلَيْنَا سرَاعًا بالجياد وأرقلنا
فَمَا بَرحت سمر الرماح تنوشهمبأطرافها حَتَّى استجاروا بِنَا منا
سقيناهم كأساً نفت عَنْهُم الْكرَىوَكَيف ينَام اللَّيْل من عدم الأمنا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع