تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

شمس الدّين الْخياط

مُحَمَّد بن يُوسُف بن عبد الله شمس الدّين الشَّاعِر الْخياط الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ تردد إِلَى شمس الدّين الصَّائِغ وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَتردد كثيرا إِلَى شَيخنَا الإِمَام الْعَلامَة

شهَاب الدّين مَحْمُود وَكتب عَنهُ كثيرا وَكَانَ يثني عَلَيْهِ ويميل إِلَيْهِ ونظم قصيدة جيمية مدح بهَا قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين ابْن صصري فَكتب عَلَيْهَا شهَاب الدّين مَحْمُود وقرظها وَأثْنى عَلَيْهَا وَكتب عَلَيْهَا أَيْضا فضلاء الْعَصْر وانصقل نظمه وجاد وَهُوَ طَوِيل النَّفس فِي النّظم قَادر عَلَيْهِ يدْخل ديوانه فِي سِتّ مجلدات وسافر إِلَى الديار المصرية ومدح أعيانها واتصل بالأمير سيف الدّين ألجاي الدوادار وَكَانَ يبيت عِنْده ومدح السُّلْطَان الْملك النَّاصِر بِأَبْيَات قَرَأَهَا عَلَيْهِ قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين الْقزْوِينِي فرسم لَهُ براتب على دمشق فِي كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ وغالب مَا ينظمه يقرأه عَليّ وأسمعه من لَفظه سَأَلته عَن مولده فَقَالَ فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَتِسْعين وست مائَة بِدِمَشْق وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي عودة من لحج فِي الْمَفَازَة وَدفن فِي معَان لَيْلَة الرَّابِعَة عشرَة من محرم سنة سِتّ وَخمسين وَسبع مائَة سامحه الله وعامله بِلُطْفِهِ وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ

قصدت مصرا من رَبِّي جلقبهمة تجْرِي بتجريب
فَلم أر الطرة حَتَّى جرتدموع عَيْني فِي المزيريب

وأنشدني من لَفظه لَهُ)

تركت لقوم طلاب الْغنىلحب الْغناء وَلَهو الطَّرب
وَعِنْدِي من زهر فضَّةوَعِنْدِي من خندريس ذهب

وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ

خلفت بِالشَّام حَبِيبِي وَقديممت مصرا لعناً طَارق
وَالْأَرْض قد طَالَتْ فَلَا تبعديبِاللَّه يَا مصر على العاشق

وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ

يَا أهل مصر أَنْتُم للعلاكواكب الْإِحْسَان وَالْفضل
لَو لم تَكُونُوا لي سعوداً لماوافيتكم أضْرب فِي الرمل

وأنشدني لنَفسِهِ أَيْضا

كم تظهر الْحسن البديع وتدعيوَبَيَاض شكلك فِي النواظر مظلم
هَل تصدق الدَّعْوَى لمن فِي وَجههبالذقن كذبه السوَاد الْأَعْظَم

وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ وَقد أجَازه قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين ابْن صصرى على قصيدة مدحه بهَا

لم يجزني القَاضِي على قدر شعريبل حباني مضاعف الأبيات
فَلهَذَا أعدهَا صدقَاتمن عطاياه لَا من الصَّدقَات

وأنشدني أَيْضا

حتام شخصي بَين هَذَا الورىحَيّ وفضلي عِنْدهم ميت
أبني بيُوت الشّعْر فِي جلقوَلَيْسَ يبْنى لي بهَا بَيت

وأنشدني من لَفظه أَيْضا

ويلاه من ظَبْي لَهُ وجنةشاماتها تلعب بالأنفس
لَو لم يكن فِي خَدّه جنَّةلما اكتسى بالعارض السندسي

وأنشدني لنَفسِهِ

يَا كعبة الْحسن الَّتِي رميت لَهَافِي كل قلب بالهوى جمرات
قد تمّ مِيقَات الصدود وقصدنالَو تمّ مِنْك لوصلنا مِيقَات

وأنشدني أَيْضا)

قد طَال فكري فِي القريض الَّذِينم نَفعه لست على طائل
أَمرنِي زوراً فصرت امْرَءًاصَاحب ديوَان بِلَا حَاصِل

وأنشدني لَهُ فِي الْفُلُوس

يَا لَيْت شعري أَي خير يرتجىللمعتفي من هَذِه الْأَزْمَان
لَو لم يكن عدم الدَّرَاهِم قد بدامَا كَانَ صَار الْفلس بالميزان

وأنشدني لَهُ فِي المشمش

حبذا مشمش يروق لطرفيمِنْهُ حسن حَدِيثه مَشْهُور
قد بلاني بحبه وَهُوَ مثليأصفر الْجِسْم قلبه مكسور

وأنشدني أَيْضا

يَا أَيهَا الْبَحْر الَّذِي فِي وردهري لقلب الحائم المتعطش
أَشْكُو إِلَيْك هوان شعر لم يقملي رخصه بغلو سعر المشمس

وأنشدني أَيْضا

يَا من بِهِ أدرأ عَن مهجتيمن حَادث الْأَيَّام مَا أختشي
قد أقبل الصَّيف وَمَا فِي يَديمن دِرْهَم للتوت والمشمش

وأنشدني أَيْضا

لوزي جلق شَيْءيذوب قلبِي عَلَيْهِ
كالسلسبيل وَلَكِنكَيفَ السَّبِيل إِلَيْهِ

وأنشدني لَهُ مَا يكْتب على بَاب

نَحن إلفان مَا افترقنا لِبُغْضلَا وَلَا فِي اجتماعنا مَا يريب
نكتم السِّرّ بَيْننَا فِي زمَانكاتم السِّرّ فِي بنيه غَرِيب

وأنشدني إِلَيْهِ أَيْضا مَا يكْتب على بَاب

من ذَا الَّذِي يُنكر فضلي وَقدفزت من الْحسن بِمَعْنى غَرِيب
عِنْدِي لمن يَخْذُلهُ دهرهنصر من الله وَفتح قريب

وَكَانَ الْمولى جمال الدّين ابْن نباتة إِذا جَاءَ إِلَى دَار السَّعَادَة يُقَال لَهُ ملك الْأُمَرَاء فِي الْقصر فَيحْتَاج أَن يروح إِلَى الْقصر الأبلق مَاشِيا فَقَالَ فِي ذَلِك)

يَا سائلي فِي وظيفتي عَنكنه حَدِيثي وَعَن معاش
مَا حَال من لَا يزَال يَنْوِيمَسَافَة الْقصر وَهُوَ ماش

فَقَالَ شمس الدّين جَوَابا لَهُ

يَا شَاعِرًا يُخطئ الْمعَانِيفِيمَا يعاني من المعاش
أَنْت شَبيه الْحمار عِنْدِيمركب الْجَهْل وَهُوَ ماش

وأنشدني لنَفسِهِ من لَفظه

أَلا حبذا وَادي دمشق إِذا سرىنسيم الصِّبَا فِي رَوْضَة المتأرج
فَمَا بَان فضل البان حَتَّى رَأَيْتهمطلاً عَلَيْهِ من جبال البنفسج

وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ

لربوتنا وَاد حوى كل بهجةوعيش الورى يحلو لَدَيْهِ ويعذب
تروق لنا الْأَنْهَار من تَحت جنكهفَلَا عجب أَنا نَخُوض وَنَلْعَب

وأنشدني لنَفسِهِ وَقد خلع على ابْن نباتة فِي صدَاق كتبه وَمَشى بهَا فِي الْبَلَد

مَا خلعة العقد على شَاعِرنَايَوْم الهنا إِلَّا شقاء وعنا
رَأَيْته فِيهَا وَقد أرْخى لَهُذؤابة تبدي عَلَيْهِ الحزنا
فَقلت من هَذَا الَّذِي سوَادهبَين الورى سوده قَالَ أَنا
نباتةً كَانَ أبي فَقلت مَاأنبتك الله نباتاً حسنا

وأنشدني من لَفظه فِيهِ أَيْضا أبياتاً مِنْهَا

مَا خلعة ابْن نباتة إِلَّا كمنألْقى الرياض على الكنيف المنتن

مِنْهَا

واختص عمته بِفضل ذؤابةهِيَ فِي الْقُلُوب قبيحة والأعين
فَكَأَنَّهَا ذَنْب لكَلْب نابحتَحت الدجى من فرط دَاء مزمن
فَالله يَجْعَلهَا لَهُ كفن البلىوَيكون غَايَة كل سوء يقتني
حَتَّى يَقُول مسير فِي هجوههَذَا لعمر أَبِيك شَرّ مكفن

ونظم الْمولى جمال الدّين ابْن نباتة مَا يكْتب على دَوَاة فولاذ وَهُوَ

معنى الْفَضَائِل والندى والبأس ليوَالسيف مشتهر بِمَعْنى وَاحِد
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «معنى الفضائل والندى والبأس لي»

)

بِالنَّفسِ أضْرب من نضار ذائبوَالنَّاس تضرب فِي حَدِيد بَارِد

فأنشدني شمس الدّين لنَفسِهِ

قل للَّذي وصف الدواة وحسنهامَا جِئْت عَن لَفْظِي بِمَعْنى زَائِد
أسخنت عَيْنك فِي نضار ذائبوذبحت نَفسك بالحديد الْبَارِد

وَلما نظم جمال الدّين ابْن نباتة قصيدته التائية الطنانة فِي الْعَلامَة كَمَال الدّين ابْن الزملكاني رَحمَه الله تَعَالَى جعل غزلها الْمُقدم على المديح فِي وصف الْخمر وأولها

قضى مَا قضيت مِنْكُم لباناتمتيم عبثت فِيهِ الصبابات

نظم شمس الدّين قصيدة أُخْرَى فِي وَزنهَا ورويها ومدح الشَّيْخ كَمَال الدّين أَيْضا وَجَاء مِنْهَا مَا أَنْشدني من لَفظه

مَا شان مدحي لكم ذكر المدام وَلَاأضحت جَوَامِع لَفْظِي وَهِي حانات
وَلَا طرقت حمى خمارة سحرًاوَلَا اكتست لي بكأس الراح كاسات
عَن منظر الرَّوْض يغنيني القريض وَعَنرقص الزجاجات تلهيني الجزازات
عشوت مِنْهَا إِلَى نور الْكَمَال وَلميدر على خاطري دير ومشكاة

وأنشدني لَهُ فِي يَوْم بَارِد

وَيَوْم شَدِيد الْبرد حجب شمسهعَن الْعين نوء لَاحَ فِي الجو أسود
فَأمْطر أجفاني وميض بروقهوصيرني من شدَّة الْبرد أرعد

وأنشدني لَهُ فِي الْمَعْنى

رثاثة حَالي عَن رثاثة منزليتبين وَفِي هذَيْن قد كمل النَّقْص
وبالدفء قلبِي لَيْسَ بالدف مولعولي أضلع بالبرد شيمتها الرقص

وَكتب على كتابي جنان الجناس لمَّا وقف عَلَيْهِ قصيدة أَولهَا

سر الفصاحة فِي كتابك ظَاهروَله ضِيَاء الْحسن عَنْك مذيع
وَكَذَا الثَّنَاء الْمَحْض فِي أَثْنَائِهِبنوافج الذّكر الْجَمِيل تضوع
فلذاك يحفظ فِي الصُّدُور لفضلهوسواه ينسى ذكره ويضيع
لله روض فِي جنان جناسههُوَ للقلوب وللعيون ربيع
كم أثمرت أغصانه بفوائدكم طَابَ فِيهَا للفؤاد ولوع

)

مَا زَالَ يمطره الْجنان سحائباًيُضحي بهَا القرطاس وَهُوَ مريع
فِي طيه نشر الْعُلُوم تأرجتأرجاؤه فتعطر الْمَجْمُوع
سفر عَن الْفضل الْمُحَقق سَافروَله على الْقَمَر الْمُنِير طُلُوع
بيّنت فِيهِ لنا الْأُصُول فأينعتلجنى الْعُقُول من الْأُصُول فروع
وشرعت فِي حل الرموز وَقد حلاللفهم فِي ذَاك الشُّرُوع شُرُوع
لم يبْق فِي علم الْمعَانِي نَاطِقإِلَّا وَبَان بِهِ لديك خضوع
فَابْن الْأَثِير وَإِن تأثل مجدهوَعصى لَكَانَ لما بنيت يُطِيع
سيرت أَمْثَالًا لَهَا حكم فَمَالنجومها مثل النُّجُوم رُجُوع
أعليت بُنيان البديع مشيداًمَا لم يشيد للزمان بديع
وأذبت لِابْنِ أبي الْحَدِيد جوانحاًلم يطف مِنْهَا للحريق دموع
وأدرت أفلاكاً على أَمْثَالهأضحت تروق بحسنها وتروع
وطعنت فِي ابْن سِنَان عِنْد خفاجةلُغَة فأودت بالصدور صدوع
وأنرت مَا لَا نور الْمِصْبَاح فِيعلم الْبَيَان وَفِي سناه لموع
وتخلف المعتز إِذْ زل ابْنهوبدا بمنطقه لديك خشوع
هَذَا كتاب قد كبت بِهِ العدىفجنابه عَن حاسديه منيع
اتعبت من يسري وَرَاءَك فِي النهىوَمَتى تَسَاوِي ظالع وضليع
وَرفعت قدر الْعلم حِين وَضعتهفتشرف الْمَوْضُوع وَالْمَرْفُوع
نثر حكته من الْكَوَاكِب نثرةفِيهَا لصفحة أوجه ترصيع
ونظام شعر دونه الشعرى وَإِنأمست ومنزلها عَلَيْهِ رفيع
شعر يروق طباقه وجناسهوالسبر والتقسيم والتصريع
يسمو حبيباً بالمحاسن إِن بداوَيرى الْوَلِيد لَدَيْهِ وَهُوَ رَضِيع

وَهَذَا الْقدر مِنْهَا كَاف وَله قصيدة أُخْرَى نظمها على كتابي نصْرَة الثائر على الْمثل السائر طَوِيلَة أَيْضا

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فصل الْهمزَة وَمَا بعْدهَا فِي الْآبَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.