من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
وَالِي الرشيد الأغلبي
إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب التَّمِيمِي السَّعْدِيّ أَبوهُ الْأَغْلَب مِمَّن ولي إِمَارَة إفريقية ثمَّ قتل فِي حَرْب وتوالت عَلَيْهَا وُلَاة إِلَى أَن ولي الرشيد إِبْرَاهِيم فاستقرت فِيهِ وَفِي عقبه وَكَانَ إِبْرَاهِيم هَذَا فَقِيها عَالما أديباً خَطِيبًا ذَا بَأْس وحزم وَعلم بِالْحَرْبِ ومكايدها وَلم يل إفريقية قبله أحد أعدل مِنْهُ سيرة وَلَا أحسن سياسة وَكَانَت ولَايَته أَولا على الزاب فَلَمَّا ظَهرت نجابته خرج فِي سبعين رجلا من الزاب بعد أَن طلب فِي تجارها مَالا يقترضه ليستعين بِهِ فِي طلب الْملك فَقَالُوا نعطيك مَالا وَتخرج فِي هَذَا الْعدَد الْقَلِيل إِلَى الجموع الْعَظِيمَة فَلَا نَأْمَن عَلَيْك وتضيع)
أَمْوَالنَا فتحيل على أَهله وَأخذ حليهم وثيابهم واستعان بِهِ وَخرج بِهِ إِلَى القيروان لنصرة العكي حِين ثار عَلَيْهِ الثوار وطردوه إِلَى طرابلس فكسرهم وردهم العكي إِلَى ملكه وَكَانَت الجموع الني اجْتمعت على العكي سبعين ألفا فَمَا زَالَ إِبْرَاهِيم بجودة رَأْيه وَحسن تَدْبيره حَتَّى هَزَمَهُمْ فَكتب صَاحب الْبَرِيد إِلَى الرشيد فولى إِبْرَاهِيم القيروان وَمن شعره
ألم ترني رددت طريد عكوَقد بَرحت بِهِ أَيدي الركاب
أخذت الثغر فِي سبعين مناوَقد أشفى على حد الذّهاب
هزمت لَهُم بِعدَّتِهِمْ ألوفاًكَأَن رعيلهم قطع السَّحَاب
وَكَانَ من رَأْيه أَنه لما رأى تحكم الْعَرَب وغلبتهم على وُلَاة إفريقية أَخذ يستخلص لَهُ من يعْتَمد عَلَيْهِ فَاشْترى العبيد وَبنى لَهُ قصراً للفرجة وَنقل إِلَيْهِ سِلَاحا فِي الْخفية ثمَّ جعلهَا مَدِينَة وسورها وحصنها وأسكن بهَا من يَثِق بِهِ من الْمَذْكُورين فَلَمَّا ثار أقرب النَّاس وَهُوَ عمرَان بن مجَالد وَقَامَ مَعَه أهل القيروان خَنْدَق إِبْرَاهِيم على نَفسه وَبَقِي محصوراً سنة والقتال قَائِم بَينهمَا
على أَن المدينتين متقاربتان بَينهمَا قدر عشرَة أَمْيَال وجاءه من الرشيد مَال الأرزاق فَركب إِبْرَاهِيم فِي خيله وَرِجَاله وعبي عساكره تعبية الْحَرْب وزحف إِلَى القيروان حَتَّى إِذا قرب مِنْهَا أَمر منادياً يُنَادي أَلا من كَانَ لَهُ اسْم فِي ديوَان أَمِير الْمُؤمنِينَ فليقدم لقبض عَطاء ثمَّ انْصَرف إِلَى قصره وَلم يحدث شَيْئا فَلَمَّا أَيقَن عمرَان بِإِسْلَام الْجند لَهُ هرب تَحت اللَّيْل إِلَى الزاب وَقلع إِبْرَاهِيم أَبْوَاب القيروان وثلم سورها وَقتل عمرَان الْمَذْكُور عبد الله بن إِبْرَاهِيم وَتُوفِّي إِبْرَاهِيم سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة وَهُوَ ابْن سِتّ وَخمسين سنة وولايته اثْنَتَا عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع