من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن أيبك الصَّفَدِي
إِبْرَاهِيم بن أيبك بن عبد الله الصَّفَدِي جمال الدّين أَبُو إِسْحَاق
هَذَا الْمَذْكُور أخي وشقيقي ولد تَقْرِيبًا فِي سنة سبع مائَة وَتُوفِّي ﵀ فِي رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَتُوفِّي ﵀ فِي رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَدفن بمقابر الصُّوفِيَّة لَيْلَة الْجُمُعَة من الشَّهْر الْمَذْكُور مَضَت عَلَيْهِ بُرْهَة مَشْغُول باللعب غير مُنْقَلب إِلَى الْعلم وأتقن فِي ذَلِك اللّعب عدَّة صنائع ثمَّ أقبل إقبالاً كلياً على الطّلب سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسبع مائَة وَحفظ ألفية ابْن مَالك وَثلث التَّعْجِيز ثمَّ عدل إِلَى الْحَاوِي وَقَرَأَ على الشَّيْخ عَلَاء الدّين عَليّ وَابْن الرسام بصفد وعَلى الشَّيْخ شهَاب الدّين ابْن الْموصِلِي بِالْقَاهِرَةِ وَسمع بِقِرَاءَتِي على الشَّيْخ أثير الدّين أبي حَيَّان وعَلى الشَّيْخ فتح الدّين ابْن سيّد النَّاس وَغَيرهمَا بِالشَّام)
ومصر وَكتب بِخَطِّهِ عدَّة مجلدات وأتقن وضع الأرباع وَكَانَ فِيهَا ظريف الْوَضع والدهان وَقَرَأَ الْحساب ورسائل الاسترلاب وَكَانَ ذهنه فِي الرياضي جيدا قَابلا طَوِيل الرّوح على الإدمان فِيهِ وَعرف الْفَرَائِض وأتقن الشُّرُوط وَكَانَ مَقْبُول القَوْل بِالشَّام ومصر يجلس مَعَ الْعُدُول وباشر الْأَيْتَام بصفد وثمر مَالهم واغتبط بِهِ القَاضِي شمس الدّين الخضري الْحَاكِم بصفد مرض بِدِمَشْق مُدَّة سبعين يَوْمًا وقاسى آلاماً منوعة ثمَّ تحزن بطاعون أَرْبَعَة أَيَّام ودرج إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى لما توفّي رَحمَه الله تَعَالَى كتب إِلَيّ بدر الدّين حسن بن عَليّ الْغَزِّي قصيدة يعزيني فِيهِ وَهِي الله ولي التَّوْفِيق
أشكيه وَهُوَ الْحمام الْمدْركفرطت قَضيته فَمَا تستدرك
سبق الْقَضَاء بِهِ فَقل فِي جامحملك المدى وعنانه لَا يملك
عرضت بِهِ الدُّنْيَا أَمَام نعيمهاوسينقضي ذَاك النَّعيم وَيتْرك
وَمَضَت على غلوائها أَحْكَامهرَاض بهَا الْمُلُوك والمتملك
فَلِكُل نفس مِنْهُ أدْرك طَالبفِيهِ اسْتَوَى المستور والمتهتك
تثنى صُدُور السمهرية والظبيتنفل وَهُوَ بحامليها يفتك
فلذاك أخلف ظن كل مُؤَملدَرك الخلود ونيله لَا يدْرك
سل عَن تصاريف الزَّمَان أهيلهولسوف تدْرك مِنْهُ مَا قد أدركوا
ذَهَبُوا وَسكن فِي الثرى نأماتهمقدر لآجال النُّفُوس محرك
قدر تقاضي كل جسم حَاجَةفِي نَفسه فَقضى عَلَيْهِ الأملك
أخليلي الشاكي وَكَانَ المشتكيوَبَنُو الزَّمَان قصارهم أَن يشتكوا
لَا تذهبن لذاهب أسفا وَقدمد الْحجاب لَهُ وسد المسلك
ظَفرت بِهِ أَيدي الْمنون وَإِنَّهَاأيد لما ظَفرت بِهِ تستهلك
لَكِنَّهَا الذكرى تهيج فبح بِمَاضمنت حشاك فكتمه لَك مهلك
وَإِذا عرَاك لأريحية ذكرهطيف يدين لحكمه المتنسك
فأهن عَلَيْهِ غزير دمعك إِنَّهليهون فِيهِ دم ودمع يسفك
قل يَا أخي وَكم دعوتك سَامِعًافَالْآن أَنْت أَصمّ لَا تتحرك
زلت بك النَّعْل الثُّبُوت وَلَا أرىأحدا لما أوطئته يسْتَمْسك
)
ذهبت بإبراهيم كل بشاشةللعيش كنت بذيلها أتمسك
وَمضى كَمَا مَضَت الْقُرُون إِلَى ثرىسَاوَى الْغَنِيّ بِقُرْبِهِ المتصعلك
فسقى ثراه من الْغَمَام مجلجلدَان عراه بالنسيم تفكك
ينهل فِي القاع الَّذِي هُوَ سَاكنحَتَّى يروض مِنْهُ مَا يتدكدك
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
الْمَمْلُوك حسن الْغَزِّي وَقلت أَنا أرثيه أَيْضا بقصيدة أَولهَا
إِذا لم يذب إِنْسَان عَيْني وأجفانيعَلَيْك فَمَا أقسى فُؤَادِي وأجفاني
رحلت برغمي يَا أخي وتركتنيوحيداً أقاسي فِيك أحزاب أحزاني
وَحل بك الْأَمر الَّذِي جلّ خطبهلقد بل أرداني بدمعي وأرداني
دنا مِنْك دوني يَا لَهَا فِيك حسرةوَلما تناءى مَا أرَاهُ تناساني
مِنْهَا
وَمَا كنت أَدْرِي إِذْ رَأَيْت عذارهبِهِ زهرات الشيب أَن الردى جَان
مضى فَوق أَعْنَاق ورجلي أَمَامهتدوس من الْبلوى أسنة مران
يمثله وهمي إِذا زرت قَبرهكَمَا اعْتدت مِنْهُ قَائِما يتلقاني
وَأَحْسبهُ من بره لَو نَسِيتهلطول المدى فِي قَبره لَيْسَ ينساني
أَقُول وَقد أنسيت أنسي لفقدهقفانبك من ذكرى حبيب وعرفان
ونوحا على ربع الصَّبِي من شبيبتيورسم عفت آيَاته مُنْذُ أزمان
وكفا عناء الدمع مني فقد حوىأفانين جري غير كز وَلَا وان
وَلَا تحفلا بالسحب من بعده فقدتعاون فِيك كل أَوْطَفُ حنان
أيا نَار إِبْرَاهِيم أحرقت مهجتيفَهَل ينطفي جمري بدمع كطوفان
وَيَا ساجعات الْوَرق هجت صبابتيوَقد نحت من شجو على عذب البان
وَقَالُوا تجلد كي يهابك حزنهوَلَو كَانَ يخشاني لما كَانَ يَغْشَانِي
بَكَيْت شقيقاً بَات فِي التُّرَاب ذاوياًفَهَلا أرَاهُ يانعاً وَهُوَ ينعاني
توهم تقصيري عَن الْبر والتقىفراح أَمَامِي كي يثقل ميزاني
)
وَهُوَ خطبي كَونه رَاح سالماوَمَا ناله لَو مت حرقة أشجاني
أقسامه فِي الْمَوْت إِذْ لست بَاقِياويفضل لي بالحزن كأس ردى ثَان
فيا لأخ قد كَانَ خَلْفي وكلنَاإِلَى غَايَة نجري ففات وخلاني
وَكَانَ ورائي ثمَّ أصبح سابقيوَأَحْسبهُ فِي السَّابِقين بِإِحْسَان
كَأَنِّي بِهِ إِذْ بَات فِي قَعْر لحدهوحيداً وَلم يأنس بِأَهْل وجيران
تَدَارُكه لطف الْإِلَه بنسمةتهب على أزهار عَفْو وغفران
وَقد نور التَّوْحِيد ظلمَة قَبرهوحياه رضوَان بِروح وَرَيْحَان
وَقلت أَيْضا
أَلا يَا شقيقاً قد شققت لَهُ الثرىوجرع كأس الْمَوْت لَا عِشْت من قبلي
أَخَاف لظى من قتل نَفسِي حسرةعَلَيْك فتشقي فِي نعيمك من أَجلي
وَقلت أَيْضا
رَأَيْت أخي على فرش المناياعفوا غوثا من الْخطب العنيف
كِلَانَا كن فِي نزع شَدِيدوَلَكِن مَاتَ بِالسَّبَبِ الضَّعِيف
وَقلت أَيْضا مضمناً
أخي وَقد وافيت مستأخراًبعدِي إِلَى دَار الفنا وَالْفساد
وفتني سبقاً لدار البقافَالسَّابِق السَّابِق منا الْجواد
وَقلت أَيْضا
هَل تصدح الْوَرق ولي أنةقد مَلَأت جو اللوى بالجوى
وَهل يزور الْورْد صوب الحياولي شَقِيق فِي الثرى قد جوى
وَقلت
أخي فدتك النَّفس لما رَأَتْمصرعك المحتوم لَكِن أَبيت
وَأَنت بعدِي لم تقدمتنيمَا يقنضي الْإِنْصَاف مَا قد أتيت
وَقلت
لَو جِئْت قبلي هان مَا حل بِيلما ترديت الردى واشتملت
مَا من درى النَّحْو وَأَحْكَامهمَا يَقْتَضِي التَّرْتِيب مَا قد فعلت
)
وَقلت
قضى نحباً أعز النَّاس عِنْدِيوَمَا أحد على الْأَيَّام بَاقٍ
فيا عجبا تقدمني لرَبيأخي وَأَنا أرَاهُ فِي السِّيَاق
وَقلت
برغمي أَن أودعت شخصك فِي الثرىوَلم أَتَّخِذ فِي وسط قلبِي لَهُ قبرا
وَأقسم مَا وفيت حَقك فِي الأسىوَلَو كنت برا عاينوا أدمعي بحرا
وَقلت
لست أرْضى بلوعتي وبكائيوضلوعي حرى وعيني عبري
مَا بِهَذَا تقضى حُقُوق مصابيلَو دخلت الضريح أَصبَحت برا
وَقلت
لما فقدت أخي تضَاعف للأسىحزني فنومي لَا يزَال طريدا
حزني لمصرعه وحزن رزيتيفِيهِ وحزني إِذْ بقيت وحيدا
وَقلت
سأشرح قصتي للنَّاس حَتَّىيؤديني السُّؤَال إِلَى خَبِير
أيمضي الْجور حَتَّى فِي المنايابِتَقْدِيم الصَّغِير على الْكَبِير
وَقلت
أَلا يَا دهر قد راءيتنا فِيأخي فتركتنا نصلي سعيرا
أتيت لنا بِهِ نجماً صَغِيراوعدت أَخَذته قمراً كَبِيرا
وَقلت
بَات أخي بالرغم من لحدهوَمَا شققت الجيب من ويلي
تبِعت فِيهِ سنة الْمُصْطَفىلَكِن شققت الدمع للذيل
وَقلت
وَلما أَن رَأَتْ بالرغم عَيْنيشقيقي فِي قَرَار اللَّحْد ملقى
وضعت يَد الأسى فِي جيب جفنيفشقت أدمعي للذيل شقا
وَقلت)
يَا لَيْت شعري وَعلمِي قد قضى وَمضىبِأَن دهري بِمَا أهواه غير سخي
هَل عَاد ميت على من بَات يندبهطول الزَّمَان فأرجو أَن يكون أخي
وَقلت
هذي الحيوة إِذا فَرضنَا أَنَّهَاطَالَتْ وَقد سلمت من التنكيد
وَالله لَيْسَ تفي بِأَن وُجُوهنَافِي الترب تَغْدُو طعمةً للدود
وَقلت مضمناً
قد خَان دهري يَا أخيقل لي بِأَيّ يَد يمت
لم يبْق لي فِيهِ منىمن شَاءَ بعْدك فليمت
وَقلت
أخي وَلَا تلمني أَن دفنتك فِي الثرىوَأَنَّك فِي الأحشاء لم تتَّخذ دَارا
وَكَيف يكون الْقَبْر مَا بَين أضلعيوَأَنت بِفضل الله لَا تسكن النارا
وَقلت
يَا موت خلفتني كئيباًتضرم نَار الجوى ضلوعي
وَلَو أعَاد الْبكاء مَيتاكَانَ أخي عَام فِي دموعي
وَقلت
قضى نحبه من كنت أَرْجُو حَيَاتهلينفعني إِن عَاشَ فِي المَال والأهل
فهون خطباً لم يهن كَونه قضىوَمَا ذاق مَا قد ذقت من غُصَّة الثكل
وَقلت
رَاح إِلَى الله أخي مسرعاًلَا أَصْغَر الرَّحْمَن مسعاه
والسحب تبكيه بدمع الحياوَالْوَرق فِي الأغصان تنعاه
يَا لَيْت يرْعَى الْقَبْر لي وَجههكي لَا يبيت الدُّود يرعاه
وَقلت مضمناً
عدمت مَعَ أخي فأذهلني مصابيعَلَيْهِ فحرروه وأرخوه
وَكَيف يلذ للعقلاء عَيْشوكل أَخ مفارقه أَخُوهُ
وَقلت)
يَا ذَهَبا ذاب قلبِي بعده لهفاًوليت لَو كَانَ يُغْنِيه تلهفه
وَمن بلائي الَّذِي قد حل بعْدك بِيحملت هم الَّذِي بعدِي أخلفه
وَقلت
أخي ذقت كأس الْمَوْت فِي الدَّهْر مرّةوجرعت كاسات الردى فِيك ألوانا
وجار عَلَيْك الدَّهْر دوني ظَالِمافغادرني نبعاً وأذواك ريحانا
وَقلت
يَا أخي حينك وافيليته وَافق حيني
الجوى حرق قلبِيوالبكا قرح عَيْني
وكتبت على قَبره
يَا سَاكِنا تَحت طباق الثرىوَهُوَ مَعَ الْمَعْدُوم مَعْدُود
بِأَيّ خديك تبدي البلىوَأي عَيْنَيْك رعى الدُّود
ونظمت فِيهِ من القصائد والمقاطيع غير هَذَا وَلَكِن هَذَا الْقدر كافٍ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع