من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
صَلَاح الدّين الإربلي
أَحْمد بن عبد السَّيِّد بن شعْبَان بن مُحَمَّد بن جَابر بن قحطان الْأَمِير الْكَبِير صَلَاح الدّين الإربلي كَانَ حَاجِب مظفر الدّين صَاحب اربل فَتغير عَلَيْهِ وسجنه مُدَّة وَأطْلقهُ فقصد الشَّام مَعَ الْملك القاهر أَيُّوب بن الْعَادِل فخدم مَعَ الْملك المغيث مَحْمُود بن الْعَادِل فَلَمَّا توفّي دخل مصر وخدم الْكَامِل وأحبه وَكَانَ فَقِيها أديباً شَاعِرًا ظريفاً فصيحاً ثمَّ تغيّر عَلَيْهِ الْكَامِل وحبسه سنة ثَمَانِي عشرَة فَبَقيَ فِي الْحَبْس خمس سِنِين فَصنعَ قَوْله الْمَشْهُور دوبيت
مَا أَمر تجنيِّك على الصبّ خَفِيأفنيت زماني بالأسى والأسف
مَاذَا غضبٌ بِقدر ذَنبي فَلَقَدأسرفت وَمَا أردْت إِلَّا تلفي
وأوصلها لبَعض القيان فَلَمَّا غنّت بهما قَالَ لمن هَذَا فَقَالَت للصلاح الاربلي فَأَطْلقهُ وَأَعَادَهُ إِلَى منزله ومكانته وَكَانَ قد غضب عَلَيْهِ وَهُوَ بالمنصورة قبالة الفرنج وَقيل سَبَب خلاصه إِنَّمَا كَانَ قَوْله
اصْنَع مَا شِئْت أَنْت أَنْت المحبوبمَا لي ذنبٌ بل كَمَا قلت ذنُوب
هَل تسمح بالوصال فِي ليلتناتجلو صدأ الْقلب وَتَعْفُو وَأَتُوب
وَكَانَ الْكَامِل قد تغيّر على أَخِيه الْملك الفائز سَابق الدّين إِبْرَاهِيم بن الْعَادِل فَدخل على صَلَاح الدّين وَسَأَلَهُ أَن يصلح أمره مَعَ أَخِيه الْكَامِل فَكتب صَلَاح الدّين إِلَيْهِ
وَشرط صَاحب مصرٍ أَن يكون كَمَاقد كَانَ يُوسُف فِي الْحسنى لإخوته
أسوا فقابلهم بِالْعَفو وافترقوافبرّهم وتولاهم برحمته
وَلما وصل الانبرور صَاحب صقلية إِلَى سَاحل الشَّام سنة سِتّ وَعشْرين وست مائَة بعث الْكَامِل إِلَيْهِ صَلَاح الدّين رَسُولا فَلَمَّا قرروا الْقَوَاعِد وَحلف الأنبرور على الْوَفَاء بِمَا اشْترط عَلَيْهِ كتب صَلَاح الدّين إِلَى الْكَامِل
زعم الزعيم الانبرور بِأَنَّهُسلمٌ يَدُوم لنا على أَقْوَاله
شرب الْيَمين فَإِن تعرّض نَاكِثًافليأكلنّ لذاك لحم شِمَاله
)
وَكتب إِلَيْهِ شرف الدّين ابْن عنين على يَد ابْن عَدْلَانِ الْموصِلِي النَّحْوِيّ المترجم كتابا يتَضَمَّن الْوَصِيَّة بِهِ وَفِي أَوله
أبثّك مَا لقِيت من اللَّيَالِيفقد حصّت نوائبها جناحي
وَكَيف يفِيق من عنت اللَّيَالِيعليلٌ لَا يرى وَجه الصّلاح
وَمن شعر صَلَاح الدّين الْمَذْكُور
وَإِذا رَأَيْت بنيك فَاعْلَم أَنهمقطعُوا إِلَيْك مفاوز الْآجَال
وصل البنون إِلَى محلّ أَبِيهِموتجهّز الْآبَاء للترحال
وَمِنْه أَيْضا
يَوْم الْقِيَامَة فِيهِ مَا سَمِعت بِهِمن كل هولٍ فَكُن مِنْهُ على حذر
يَكْفِيك من هوله أَن لست تبلغهإِلَّا إِذا ذقت طعم الْمَوْت فِي السّفر
وَله ديوَان شعر وديوان دوبيت وَمَا زَالَ وافر الْحُرْمَة عالي المكانة عِنْد الْكَامِل وَعند الْمُلُوك إِلَى أَن قصد الْكَامِل بِلَاد الرّوم فَمَرض الصّلاح بِالْقربِ من السويداء بالمعسكر فَحمل إِلَى الرها فَمَاتَ فِي الطَّرِيق سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وست مائَة وَدفن بظاهرها بمقبرة بَاب حران ثمَّ إِن وَلَده نَقله
من هُنَاكَ إِلَى الديار المصرية وَدَفنه بالقرافة الصُّغْرَى فِي ترتبه سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَلما مَاتَ كَانَ عمره تَقْرِيبًا إِحْدَى وَسِتِّينَ سنة وَمن شعر صَلَاح الدّين الْمَذْكُور
تعدّى إِلَى الْخَيل الغرام فَإِنَّهَابِطيب زمَان الْوَصْل يخبرها عَنَّا
فنجذبها رفقا بِنَا وتجرّناإِلَيْكُم من الشوق الَّذِي اكْتسبت منا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع