من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو الْعَبَّاس العباسي الحويزي
أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان أَبُو الْعَبَّاس العباسي من أهل الحويزة من خوزستان قدم بغداذ وتفقه بالنظاميه وَكَانَت لَهُ معرفَة بالأدب ونقول واختص بالديوان ورتّب نَاظرا فِي الْأَعْمَال وعلت مَنْزِلَته وظلم النَّاس وتعدّى وارتكب العظائم
وَكَانَ مَعَ ذَلِك عابداً قَانِتًا متهجّداً)
كثير الْبكاء والخشوع والأوراد وَرُبمَا أَتَاهُ الأعوان فَقَالُوا إنّ فلَانا ضَرَبْنَاهُ ضربا عَظِيما وَلم يحمل شَيْئا وَهُوَ عَاجز فيبكي وَيَقُول ياسبحان الله قطعْتُمْ علّي وردي واصلو عَلَيْهِ الضَّرْب ثمَّ يعود إِلَى ورده وَلَا يخون فِي مَال الدولة حَتَّى فِي الشَّيْء الْيَسِير هجم عَلَيْهِ الْحمام ثَلَاثَة من الشراة فقطّعوه بِالسَّيْفِ وَمن شَره
إِن أعر من طلّ وَمن تهتانفلأنّني فَوق السَّحَاب مَكَاني
ألفت مزاحمة الْكَوَاكِب همّتيفبليلها بدد من الشّهبان
سدك التغرّب بِي فَقلت لصاحبيإنّ العلى تقصى عَن الأوطان
أوما ترى الْبيض المؤلّلة الظّبيينكسن مهما دمن الأجفان
وَمِنْه قَوْله من قصيدة مدح بهَا الْوَزير أَبَا عَليّ ابْن صَدَقَة
أَحْبَبْت ريّا طامعاً فِي ريّهافكرعت مِنْهَا فِي رياض هيام
قد جرت إِذْ قسّمت مِنْك حظوظناأعزز بِهَذَا الجائر القسّام
كلّ يُنَازعنِي دعاوي ودّكمفعلام أفرد فِي ضنىً وغرام
نسبوا بكم ونسبت إلآّ أَنكُمْسويتم المنطيق بالتمتام
وخلطتم سور الْكتاب بِبَعْضِهَافجعلتم الشُّعَرَاء فِي الْأَنْعَام
مِنْهَا
خير الْأَنَام يسوس خير وزارةٍفِي خير أَيَّام لخير إِمَام
يابحر أفسدت العفاة على الورىهَيْهَات أَن يرْضوا بصوب غمام
شاموا بِوَجْهِك غير برقٍ خلّبٍواستمطروا بيديك غير جهام
لَا افترّ مِنْك الدست عَن عدمٍ وَلَاشابت لديك ذوائب الأقلام
وَأورد لَهُ الْعِمَاد الْكَاتِب فِي الخريدة مدائح فِي عَمه الْعَزِيز مِنْهَا قَوْله
الصبُّ مغلوب على آرائهفهبوه معشر عاذليه لدائه
وَمَتى يرجّي اللائمون سلوّهباللوم وَهُوَ يزِيد فِي إغرائه
والعذل كالنّفس الضَّعِيف بعثتهيطفي الضرام فجدّ فِي إذكائه
مَا كنت أبخل بالفؤاد على لظًىلَوْلَا حبيب حلّ فِي حوبائه
وَلَقَد سكنت إِلَى مصاحبة الضنّىلما حمدت إِلَيْهِ حسن وفائه
)
وسلبت من ظمأ المطامع نُطْفَةفِي الْوَجْه قد حبست على إروائه
أَيْن الْخَلِيل فَمَا أرى إلاّ الَّذِيإِن برّ أعقب برّه بجفائه
ولربّ خلٍّ كَانَ قبل بُلُوغهأقْصَى العلى حدباً على خلطائه
وكذلكم قرص الغزالة كلّمايَعْلُو يكفُّ علاهُ من أفيائه
إنّي يهشّمني أذلّ عشيرتيوكذاك روض الحيّ أَكلَة شائه
فضل الَّذِي يجني علّي وربّماضحك الْفَتى أفْضى إِلَى إبكائه
ولربّ ذِي قدرٍ يفاق بخاملٍكالبحر يعلى مَاؤُهُ بغثائه
أَنا للعلى كالزَّند إِن مارستهبدرت إِلَيْك النّار من أنحائه
دلّ الجهول على أذاي تحمّليكَالْمَاءِ دلّ على القذى بصفائه
والحلم ينفع ربّه لكنّهإِن زَاد حدّاً زَاد قي إيذائه
كالنور يهدي الطّرف معتضد السناوَمَتى يزدْ ينْهض إِلَى إعشائه
ياخلّتي عطفا علّي فإننيممّن يفدّي داءه بشفائه
وَلَقَد عرفت بكم كَمَا عرف السّهىببنات نعشٍ فِي نقاب خفائه
إنّي أضرَّ بِي الزّمان وريبهبِأبي فتّى يعدي على ضرّائه
فعلت نوائبه بحرّ تجلّديفعل الْعَزِيز لَدَى الندى بثرائه
قلت شعر جيد وأمثال صَحِيحَة التخيل
وَكَانَ الحويزيّ من نهر يُقَال لَهُ نهر الْعَبَّاس فَلذَلِك سمي العباسي وَلابْن الْفضل فِيهِ
أمّا الحويزيّ الدعُّي فإنّهنذل يشوب رقاعةً بتكبّر
يكنى أَبَا الْعَبَّاس وَهُوَ بصورةٍحكمت عَلَيْهِ وأسجلت بمعمّر
فِي كفّ وَالِده وَفِي أَظْفَارهآثَار نيلٍ لَا تزَال وعصفر
وَإِذا رأى الفرجيل رعّد خيفةًذِي الهاشمّية أَصْلهَا من خَيْبَر
نسب إِلَى الْعَبَّاس لَيْسَ شبيههفِي الضعْف غير الباقلاء الْأَخْضَر
وَلما أخرج الحويزي ليدفن ضرب النَّاس تابوته بالآجرّ وَلَو لم يكن الأستاذدرا مَعَه أحرق تابوته
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع