من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن مسكويه
أَحْمد بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب أَبُو عَليّ الخازن صَاحب التجارب ابْن مسكويه مَاتَ فِيمَا ذكره يحيى بن مَنْدَه فِي تَاسِع صفر سنة إِحْدَى وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة قَالَ أَبُو حَيَّان فِي كتاب الامتاع وَقد ذكر طَائِفَة من متكلمي زَمَانه ثمَّ قَالَ وَأما مسكويه ففقير بَين أَغْنِيَاء
وعيّي بَين أبيناء وَقَالَ الثعالبي فِي الذرْوَة الْعليا من الْفضل وَالْأَدب والبلاغة وَالشعر وَكَانَ فِي ريعان شبابه مُتَّصِلا بِابْن العميد مُخْتَصًّا بِهِ وَفِيه يَقُول
لَا يعجبنّك حسن الْقصر تنزلهفَضِيلَة الشَّمْس لَيست فِي منازلها
لَو زيدت الشَّمْس فِي أبراجها مائَةمَا زَاد ذَلِك شَيْئا فِي فضائلها
ثمَّ تنقلت بِهِ أَحْوَال جليلة فِي خدمَة بني بويه والاختصاص ببهاء الدولة وَعظم شَأْنه وارتفع مِقْدَاره عَن خدمَة الصاحب وَلم ير نَفسه دونه وَلم يخل من نَوَائِب الدَّهْر حَتَّى قَالَ ماهو متنازع بَينه وَبَين نفر من الْفُضَلَاء
من عذيري من حادثات الزَّمَانوجفاء الإخوان والخلاّن
قَالَ وَله قصيدة فِي عميد الْملك تفنّن فِيهَا وهنأه بِاتِّفَاق الْأَضْحَى والمهرجان فِي يَوْم وشكا سوء الْهَرم وبلوغه إِلَى أرذل الْعُمر
قل للعميد عميد الْملك وَالْأَدباِسْعَدْ بعيديك عيد الْفرس وَالْعرب
هَذَا يُشِير بِشرب ابْن الْغَمَام ضحىوَذَا يُشِير عشيّاً بِابْنِهِ الْعِنَب
)
خلائق خيّرت فِي كلّ صاحةٍفَلَو دَعَاهَا لغير الْخَيْر لم تجب
أعدت شرخ شبابٍ لست أذكرهُبعدا وزدت علّي الْعُمر من كثب
فطاب لي هرمي والعمر يلحظنيلحظ الْمُرِيب وَلَوْلَا أَنْت لم يطب
فَإِن تمرس بِي خصم تعصّب ليوَإِن أَسَاءَ إليّ الدَّهْر أحسن بِي
وَقد بلغت إِلَى أقْصَى مدى عمريوكلّ غربي واستأنست بالنوب
إِذا تملأت من غيظٍ على زمنيوجدتني نافخاً فِي جذوة اللهب
وَكَانَ مسكويه مجوسياً وَأسلم وَكَانَ عَارِفًا بعلوم الْأَوَائِل وَلابْن مسكويه كتاب الْفَوْز الْأَكْبَر وَكتاب الْفَوْز الْأَصْغَر وصنّف فِي التَّارِيخ كتاب تجارب الْأُمَم ابتدأه من بعد الطوفان إِلَى سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَله كتاب أنس الفريد وَهُوَ مَجْمُوع يتَضَمَّن أَخْبَارًا وأشعاراً مختارة وَحكما وأمثالاً غير مبوب وَكتاب تَرْتِيب الْعَادَات وَكتاب الْمُسْتَوْفى أشعار مختارة وَكتاب الْجَامِع وَكتاب جاوذان خرد وَكتاب السّير ذكر مَا يسيّر بِهِ الرجل نَفسه من أُمُور دُنْيَاهُ مزجه بالأثر وَالْآيَة وَالْحكمَة وَالشعر وَكَانَ ابْن العميد اتَّخذهُ خَازِنًا لكتبه
وللبديع الهمذاني إِلَيْهِ رِسَالَة أجابها ابْن مسكويه وذكرهما ياقوت فِي تَرْجَمَة ابْن مسكويه فِي مُعْجم الأدباء وَلابْن مسكويه عهد وَهَذَا نَصه هَذَا مَا عَاهَدَ عَلَيْهِ أَحْمد بن مُحَمَّد وَهُوَ يَوْمئِذٍ آمن فِي سربه معافًى فِي جِسْمه عِنْده قوت يَوْمه لَا يَدْعُو إِلَى هَذِه المعاهدة ضَرُورَة نفس وَلَا بدن وَلَا يُرِيد بهَا مراءاة مَخْلُوق وَلَا استجلاب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة عَاهَدَ على أَن يُجَاهد
نَفسه ويتفقدّ أمره فيعفّ ويشجع وَيحكم عَلامَة عفّته أَن يقتصد فِي مآرب بدنه حَتَّى لَا يحملهُ الشره على مَا يضر جِسْمه أَو يهتك مروءته وعلامة شجاعته أَن يحارب دواعي نَفسه الذميمة حَتَّى لَا تقهره شَهْوَة قبيحة وَلَا غضب فِي غير مَوْضِعه وعلامة حكمته أَن يستبصر فِي اعتقاداته حَتَّى لَا يفوتهُ بِقدر طاقته شَيْء من الْعُلُوم والمعارف الصَّالِحَة ليصلح أَولا نَفسه ويهذبها وَيحصل لَهُ من هَذِه المجاهدة ثَمَرَتهَا الَّتِي هِيَ الْعَدَالَة وَعَلِيهِ أَن يتَمَسَّك بِهَذِهِ التَّذْكِرَة ويجتهد فِي الْقيام بهَا وَالْعَمَل بموجبها وَهِي خَمْسَة عشر بَابا إِيثَار الْحق على الْبَاطِل فِي الِاعْتِقَاد والصدق على الْكَذِب فِي الْأَقْوَال وَالْخَيْر على الشَّرّ فِي الْأَفْعَال وَكَثْرَة الْجِهَاد الدَّائِم لأجل الْحَرْب الدَّائِم بَين الْمَرْء وَنَفسه والتمسك بالشريعة وَلُزُوم وظائفها وَحفظ المواعيد حَتَّى ينجزها وَأول ذَلِك مَا بيني وَبَين الله جلّ وعزّ قلَّة الثِّقَة بِالنَّاسِ بترك الاسترسال محبَّة الْجَمِيل)
لِأَنَّهُ جميل لَا لغير ذَلِك الصمت فِي أَوْقَات حَرَكَة النَّفس للْكَلَام حَتَّى يستشار فِيهِ الْعقل حفظ الْحَال الَّتِي تحصل فِي شَيْء حَتَّى تصير ملكة وَلَا تفْسد بالاسترسال الْإِقْدَام على كل مَا كَانَ صَوَابا الإشفاق على الزَّمَان الَّذِي هُوَ الْعُمر ليستعمل فِي المهم دون غَيره ترك الْخَوْف من الْمَوْت والفقر ليعْمَل مَا يَنْبَغِي وَترك التواني ترك الاكتراث لأهل الشَّرّ والحسد لِئَلَّا يشْتَغل بمقابلتهم وَترك الانفعال لَهُم وَحسن احْتِمَال الْغنى ة الْفقر والكرامة والهون لجِهَة وَجهه ذكر الْمَرَض وَقت الصِّحَّة والهم وَقت السرُور والرضى عِنْد الْغَضَب ليقلّ الطغى وَالْبَغي قُوَّة الأمل وَحسن الرَّجَاء والثقة بِاللَّه ﷿ وَصرف جَمِيع البال إِلَيْهِ
وَهَذَا ابْن مسكويه مَعْدُود فِي فلاسفة الْإِسْلَام
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع