من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو فائد الشَّاعِر
إِسْمَاعِيل بن يسَار النِّسَاء إِنَّمَا سمي أَبوهُ يسَار النِّسَاء لِأَنَّهُ كَانَ
يصنع طَعَام الْعرس ويبيعه فيشتر بِهِ من أَرَادَ التَّعْرِيس وَكَانَ من موَالِي بني تيم تيم قُرَيْش وَكَانَ إِسْمَاعِيل مُنْقَطِعًا إِلَى الزبير من شعراء الدولة الأموية وَكَانَ طيبا مليح الشّعْر قيل إِنَّه عَادل مرّة عُرْوَة بن الزبير فِي محمل فَقَالَ عُرْوَة لبَعض غلمانه انْظُر كَيفَ ترى الْمحمل مَال واعتدل فَقَالَ إِسْمَاعِيل الله أكبر مَا اعتدل الْحق وَالْبَاطِل قطّ قبل اللَّيْلَة فَضَحِك عُرْوَة وَكَانَ يستطيبه وَقَالَ إِسْمَاعِيل يفخر بالعجم على الْعَرَب من الْخَفِيف
رُبَّ خالٍ مُتَّوجٍ لي وعَمّماجدِ المجتدى كريمِ النصابِ
إنّما سُمّيَ الفوارسُ بالفُرس مضاهاةَ رفْعَة الأنسابِ
فاترُكي الْفَخر يَا أُمامَ عليناواتركي الْجور وانْصفي بالصوابِ
إِذْ نُربّي بناتنا وتدُسّون سِفاهاً بناتِكم فِي الترابِ
فَلَمَّا سَمعه أشعب قَالَ يَا أَبَا فائد أَرَادَ الْقَوْم بناتهم لغير مَا أردتموهن لَهُ قَالَ وَمَا ذَاك قَالَ دفن الْقَوْم بناتهم خوفًا من الْعَار وربيتموهن لتنكحوهن فَخَجِلَ إِسْمَاعِيل وَضحك من كَانَ حَاضرا قَالَ إِسْحَاق الْموصِلِي غَنِي الْوَلِيد بن يزِيد فِي شعرٍ لإسماعيل بن يسَار وَهُوَ من السَّرِيع
حَتَّى إِذا الصُّبح بدا ضوءُهوقاربَ الجوزاءُ والمِرْزَمُ
أقبلتُ والوطءُ خَفِيف كَمَاينساب فِي مكمنه الأرقمُ
فَقَالَ من يَقُول هَذَا قَالُوا رجل فِي الْحجاز يُقَال لَهُ إِسْمَاعِيل بن يسَار فَكتب فِي إشخاصه إِلَيْهِ فَلَمَّا دخل استنشده القصيدة فأنشده
كَلْثَمُ أنتِ الهمُّ يَا كلثَمُوأنتمُ الدَّاء الَّذِي أكْتُمُ
أُكاتِمُ الناسَ هوى شفّنيوبعضُ كتمان الْهوى أحزمُ
أُبدي الَّذِي تخفينه ظَاهراأرتدّ عَنهُ فيكِ أَو أُقْدِمُ
إمّا بيأسٍ مِنْك أَو مَطْمعٍيُسدى بِحسن الوُدّ أَو يُلْحَمُ
)
لَا تتركيني هَكَذَا ميّتاًلَا أُمنَحُ الودّ وَلَا أُصرَمُ
أيةَ مَا جئتُ على رِقْبَةٍبعد الكَرى والحيُّ قد نوّموا
وَدون مَا حاولتُ إِذْ زرتُكمأخوكِ والخالُ والحيُّ قد نوّموا
أُخافِتُ المَشْيَ حِذار الرَّدىوالليلُ داجٍ حَلَكٌ مظِلمُ
وَلَيْسَ إلاّ اللهُ لي صاحبٌإليكمُ والصارمُ اللَّهْذَمُ
حَتَّى دخلتُ البيتَ فاستذرفَتْمن شَفَقٍ عَيْنَاك لي تَسْجمُ
ثّم انجلى الحزنُ وروعاتُهوغيِّب الْكَاشِح والمُبْرِمُ
فبِتُّ فِيمَا شئتُ فِي نِعمةيُمْنَحُنيها ثغرُها والفمُ
(حَتَّى إِذا الصُّبْح بدا ضوءُه ...
الْبَيْتَيْنِ)
قَالَ فطرب الْوَلِيد حَتَّى نزل عَن فرشه وسريره وَأمر المغنين فغنوا الصَّوْت وَشرب عَلَيْهِ أقداحاً وَأمر لإسماعيل بجائزة سنية وَكِسْوَة وسرحه إِلَى الْحجاز وَدخل على هِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ بالرصافة فِي خِلَافَته جَالس على بركةٍ لَهُ فِي قصره فاستنشده وَهُوَ يرى أَنه ينشده مديحاً لَهُ فأنشده قَوْله يفخر بالعجم من الْبَسِيط
يَا رَبْعَ رامةً بالعَلْياء مِن رِيمهَل ترجعنَّ إِذا حيَّيتُ تسليمي
مِنْهَا
أصْلي كريم ومجدي مَا يُقاس بِهِولي لِسَان كحدّ السَّيْف مسمومِ
أحْمي بِهِ مجدَ أقوامٍ ذَوي حسبٍمن كلّ قَرْمٍ بتاج الْملك معمومِ
جحاجحٍ سادةٍ بُلْخ مَرازبةجردٍ عتاقٍ مساميح مَطاعيمِ
من مثل كسْرَى وسابور الْجنُود مَعًاوالهُرْمُزان لفخرٍ أَو لتعظيمِ
أُسدْ الْكَتَائِب يومَ الروع إِن زحفواوهم أذلّوا ملوكَ التّرْك والرومِ
فَغَضب هِشَام وَقَالَ يَا عاض بظر أمه أعلي تَفْخَر وإياي تنشد مدح نَفسك وأعلاج قَوْمك غطوه فِي المَاء فغط حَتَّى كَادَت تخرج نَفسه وَنفي إِلَى الْحجاز وَكَانَ مبتلىً بالعصبية للعجم وَكَانَ لَا يزَال محروماً
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع