من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْأَفْضَل وَالِد صَلَاح الدّين
)
أَيُّوب بن شاذي بن مَرْوَان بن يَعْقُوب الْأَمِير نجم الدّين أَبُو الشُّكْر الدويني وَالِد الْمُلُوك كَانَ رجلا دينا خيرا كثير الصَّدقَات وافر الْعقل سَمحا كَرِيمًا قَالَ بعض المؤرخين كَانَ شاذي بن مَرْوَان من أهل دوين من أَبنَاء أعيانها المعتبرين وَكَانَ لَهُ صَاحب يُقَال لَهُ جمال الدولة الْمُجَاهِد بهروز وَكَانَ من أظرف النَّاس وَأخْبرهمْ بتدبير الْأُمُور وَكَانَا متحدين فجرت لبهروز قَضِيَّة فِي دوين فَخرج مِنْهَا حَيَاء وحشمةً لِأَنَّهُ اتهمَ بِزَوْجَة بعض الْأُمَرَاء فخصاه وَقصد خدمَة غياث الدّين مَسْعُود السلجوقي فاتصل باللالا الَّذِي لأولاده واختص بِهِ وفوض أُمُوره إِلَيْهِ وَصَارَ يركب مَعَ أَوْلَاد السُّلْطَان فَرَآهُ يَوْمًا مَعَ أَوْلَاده فَأنكرهُ فَقَالَ اللالا إِنَّه خَادِم مثلي ثمَّ صَار يسيره إِلَى السُّلْطَان فخف على قلبه وَلعب مَعَه الشطرنج والنرد وحظي عِنْده وَمَات اللالا فأقامه مَكَانَهُ فاشتهر ذكره فِي تِلْكَ الْبِلَاد فاستدعى شاذي بن مَرْوَان فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ أكْرمه وَرَأى السُّلْطَان أَن يُوَجه بهروزاً إِلَى بَغْدَاد والياً عَلَيْهَا ونائباً عَنهُ فَتوجه إِلَيْهَا وَمَعَهُ شاذي وَأَوْلَاده وَأعْطى السُّلْطَان لبهروز تكريت فَلم يَثِق بهروز إِلَّا بشاذي فَأرْسلهُ إِلَيْهَا فَمضى إِلَيْهَا وَأقَام بهَا مُدَّة وَتُوفِّي بهَا فولى مَكَانَهُ نجم الدّين أَيُّوب فَنَهَضَ فِي أمرهَا وشكره بهروز
فاتفق أَن عماد الدّين زنكي صَاحب الْموصل قصد حِصَار بَغْدَاد أَيَّام المسترشد وَأرْسل إِلَى قراجا الساقي يستنجده فَأَتَاهُ وكبسهما فَأتى زنكي وَوصل إِلَى تكريت فخدمه نجم الدّين أَيُّوب وَأقَام لَهُ السفن وَعبر دجلة وَتَبعهُ أَصْحَابه فَأحْسن إِلَيْهِم وسيرهم وَبلغ ذَلِك بهروز فَأنْكر عَلَيْهِ وَقَالَ كَيفَ تظفر بعدونا فأحسنت إِلَيْهِ ثمَّ إِن أَسد الدّين شيركوه أَخا نجم الدّين أَيُّوب جَاءَت إِلَيْهِ بعض الْحرم باكية وَقَالَت أَنا دَاخِلَة فِي الْبَاب الَّذِي للقلعة تعرض إِلَيّ فلَان الإسبهسلار فَقَامَ شيركوه وَتَنَاول الحربة الَّتِي تكون للإسبهسلار وضربه بهَا فَقتله فأمسكه أَخُوهُ نجم الدّين واعتقله وَكتب إِلَى بهروز بالصورة فَعَاد جَوَابه إِن لأبيكما عَليّ حَقًا وَمَا يمكنني أَن أكافئكما بِسوء وَلَكِن اتركا خدمتي واخرجا من بلدي فقصدا عماد الدّين زنكي صَاحب الْموصل فَأحْسن إِلَيْهِمَا وأقطعهما إقطاعاً جيدا ثمَّ لما ملك قلعة بعلبك اسْتخْلف بهَا نجم الدّين أَيُّوب فعمر بهَا خانقاه يُقَال لَهَا النجمية وَلما قتل زنكي وَجَاء مجير الدّين ابق صَاحب دمشق إِلَى بعلبك وحصرها أرسل نجم الدّين إِلَى سيف الدّين غَازِي بن زنكي صَاحب الْموصل وَقد ملك بعد وَالِده يُنْهِي إِلَيْهِ الْحَال وَيطْلب مِنْهُ عسكراً ليرحل صَاحب)
دمشق عَنهُ وَكَانَ غَازِي ذَلِك الْوَقْت أول ملكه مَشْغُولًا بإصلاح مُلُوك الْأَطْرَاف وَلم يتفرغ لَهُ وضاق الْأَمر على من فِي بعلبك وَخَافَ نجم الدّين أَن تُؤْخَذ قهرا فَأرْسل إِلَى مجير الدّين فِي تَسْلِيم القلعة وَطلب إقطاعاً ذكره فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وَحلف لَهُ ووفى لَهُ صَاحب دمشق وَأَعْطَاهُ إقطاعاً جيدا وَصَارَ عِنْده مقدما من أكبر الْأُمَرَاء واتصل أَخُوهُ أَسد الدّين شيركوه بِخِدْمَة نور الدّين مَحْمُود بن زنكي بعد قتلة أَبِيه زنكي وَكَانَ يَخْدمه أَيَّام وَالِده فقربه نور الدّين وأقطعه وَكَانَ يرى مِنْهُ فِي الحروب آثاراً عَجِيبَة يعجز غَيره عَنْهَا وَجعله مقدم عسكره ثمَّ إِن نور الدّين حضر دمشق وملكها وَبَقِي شيركوه وَأَيوب فِي خدمَة نور الدّين إِلَى أَن توجه شيركوه إِلَى مصر نجدةً لشاور على الفرنج ثمَّ إِنَّه استنجد بهم مرّة ثَانِيَة فَتوجه صَلَاح الدّين مَعَ عَمه شيركوه وَجرى لَهُم مَا جرى ووزر صَلَاح الدّين بعد عَمه شيركوه للعاضد صَاحب مصر واستدعى أَبَاهُ نجم الدّين أَيُّوب فجهزه نور الدّين إِلَيْهِ سنة خمس وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة وَخرج العاضد لملتقاه إِلَى ظَاهر بَاب الْفتُوح عِنْد شَجَرَة الاهليلج وَلم يجر بذلك لَهُم عَادَة وَكَانَ من أعجب يَوْم شهده النَّاس وأقطعه وَلَده صَلَاح الدّين الاسكندرية ودمياط والبحيرة وأقطع أَخَاهُ شمس الدولة قوص وأسوان وعيذاب وَكَانَ عبرتها فِي هَذِه السّنة مِائَتي ألف وَسِتَّة وَسِتِّينَ ألف دِينَار وسلك مَعَه وَلَده صَلَاح الدّين من الْأَدَب مَا هُوَ اللَّائِق بِمثلِهِ وَعرض عَلَيْهِ الْأَمر كُله فَأبى وَقَالَ يَا وَلَدي مَا اختارك الله تَعَالَى لهَذَا الْأَمر إِلَّا وَأَنت لَهُ أهل وَلَا يَنْبَغِي أَن تغير مَوضِع السَّعَادَة وَلم يزل عِنْده إِلَى أَن اسْتَقل صَلَاح الدّين بمملكة الديار المصرية
وَخرج صَلَاح الدّين إِلَى الكرك ليحاصرها وَأَبوهُ بِالْقَاهِرَةِ فَركب يَوْمًا ليسير على عَادَة الْجند فَخرج من بَاب النَّصْر فشب بِهِ فرسه فَأَلْقَاهُ فِي وسط الطَّرِيق فَحمل إِلَى دَاره وَبَقِي
متألماً إِلَى أَن توفّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة وَدفن إِلَى جَانب أَخِيه أَسد الدّين شيركوه بِالدَّار السُّلْطَانِيَّة ثمَّ نقل صَلَاح الدّين تابوتيهما إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة ودفنا بتربتهما الْمُجَاورَة للحجرة الشَّرِيفَة سنة ثَمَانِينَ وَخمْس مائَة
وَلما عَاد صَلَاح الدّين من الكرك إِلَى الْقَاهِرَة بلغه خبر أَبِيه فشق عَلَيْهِ ذَلِك وَكتب إِلَى ابْن أَخِيه فروخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب صَاحب بعلبك كتابا بِخَط الْفَاضِل يعزيه بجده نجم الدّين مِنْهُ وَمن جملَة الْمُصَاب بالمولى الدارج غفر الله ذَنبه وَسَقَى بِالرَّحْمَةِ تربه مَا عظمت بِهِ)
اللوعة واشتدت بِهِ الروعة وتضاعفت لغيبتنا عَن مشهده الْحَسْرَة واستنجدنا بِالصبرِ فَأبى
وأنجدت الْعبْرَة فيا لَهُ فقيداً فقد عَلَيْهِ العزاء وانتثر شَمل الْبركَة فَهِيَ بعد الِاجْتِمَاع أَجزَاء
وتخطفته يَد الردى فِي غيبتيهبني حضرت فَكنت مَاذَا أصنع
ورثاه الْفَقِيه عمَارَة اليمني بقصيدة أَولهَا
هِيَ الصدمة الأولى فَمن بَان صبرهعلى هول مَا يلقى تضَاعف أجره
وَلَا بُد من موت وفوت وَفرْقَةوَوجد بِمَاء الْعين يُوقد جمره
مِنْهَا
أصَاب الْهدى فِي نجمه بمصيبةتداعى سماك الجو مِنْهَا ونسره
عدمنا أَبَا الْإِسْلَام وَالْملك والندىوفارقنا شمس الزَّمَان وبدره
مِنْهَا
وأسعد خلق الله من مَاتَ بَعْدَمَارأى فِي بني أبنائه مَا يسره
وَأدْركَ من طول الْحَيَاة مُرَادهوَمَا طَال إِلَّا فِي رضى الله عمره
ورثاه بقصيدة أُخْرَى أَولهَا
صفو الْحَيَاة وَإِن طَال المدى كدروحادث الْمَوْت لَا يبقي وَلَا يذر
مِنْهَا
كم شامخ الْعِزّ ذاق الْمَوْت من يَدهَامَا أَضْعَف الْقدر إِن ألوى بِهِ الْقدر
أودى عَليّ وَعُثْمَان بمخلبهاوَلم يفتها أَبُو بكر وَلَا عمر
لَا قدست لَيْلَة كَانَت بصحبتها الأكباد حزنا على أَيُّوب تنفطر
تمخض الدَّهْر عَن أم النوائب عَنكَبِيرَة صغرت فِي جنبها الْكبر
نجم هوى من سَمَاء الدّين منكدراًوالنجم من أفقه يهوي وينكدر
وَكَانَ نجم الدّين يلقب الْأَجَل الْأَفْضَل وَمِنْهُم من يَقُول الْملك الْأَفْضَل وروى بِالْإِجَازَةِ عَن عون الدّين الْوَزير ابْن هُبَيْرَة وَله من الْأَوْلَاد السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف
والعادل أَبُو بكر مُحَمَّد وشمس الدولة توران شاه وَالِد عز الدّين فرخشاه صَاحب بعلبك وتقي الدّين عمر صَاحب حماة وشاهنشاه وَسيف الْإِسْلَام طغتكين وتاج الْمُلُوك بوري وَهُوَ أَصْغَرهم وست الشَّام وَرَبِيعَة خاتون)
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع