تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

براق الرُّومِي

الشَّيْخ براق ورد إِلَى دمشق وَمَعَهُ جمَاعَة فِي أَيَّام الأفرم بعد قازان سنة خمس وَسبع مائَة

كَانَ فِي الأَصْل مرِيدا لبَعض الشُّيُوخ فِي الْبِلَاد الرومية وَخرج القَاضِي قطب الدّين ابْن شيخ السلامية إِلَى القابون وعرضهم واستسماهم وحلاّهم وعدّهم وجهز بذلك ورقة إِلَى أَبْوَاب السُّلْطَان وَلما أَرَادَ الدُّخُول على الأفرم إِلَى الميدان أرْسلُوا عَلَيْهِ نعَامَة كَانَ قد عظم أمرهَا وتفاقم شَرها فَلَا يكَاد يقاومها أحد فَلَمَّا عّرضوه لَهَا قصدته فَتوجه إِلَيْهَا وَركب

عَلَيْهَا فطارت بِهِ فِي الميدان تَقْدِير خمسين ذِرَاعا إِلَى أَن قرب من الأفرم فَقَالَ لَهُ أطير بهَا إِلَى فَوق شَيْئا آخر فَقَالَ لَا ثمَّ أحسن تلقيه وَأكْرم نزله وَطلب التَّوَجُّه إِلَى الْقُدس فرتب لَهُ رواتب فِي الطَّرِيق فَمَا قبلهَا فَأعْطَاهُ الأفرم من خزانته ألفي دِرْهَم فَمَا قبضهَا وَأَخذهَا جماعته فزار وَعَاد وَدخل إِلَى الْبِلَاد وَمَات تَحت السَّيْف صُحْبَة قطليجا نَائِب قازان وَأول ظهر ذكر للقان قازان فَأحْضرهُ وسلط عَلَيْهِ سبعا ضَارِبًا فَركب على ظَهره وَلم ينل مِنْهُ شَيْئا فأعظم ذَلِك قازان ونثر عَلَيْهِ عشرَة آلَاف دِينَار رائج فَلم يتَعَرَّض لشَيْء مِنْهَا وَكَانَ مَعَه محتسب على جماعته يُؤَدب كل من ترك سنة من السّنَن عشْرين عَصا تَحت رجلَيْهِ وَمَعَهُ طبلخاناه وَكَانَ شعاره حلق الذقن وَترك الشَّارِب فَقَط وَحمل الجوكان على الْكَتف وَلكُل مِنْهُم قرنا لباد يشبهان قَرْني الجاموس وَهُوَ مقلد بِحَبل كعاب بقر محناة وَعَلَيْهِم الْأَجْرَاس وكل مِنْهُم مكسور الثَّنية الْعليا إِلَّا أَنه كَانَ يلازم الصَّلَاة والتعبد وَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أردْت بِهَذَا الشعار أَن أكون مسخرة للْفُقَرَاء وَرَأَيْت وَاحِدًا من أَتْبَاعه وَقد جَاءَ إِلَى صفد وَهُوَ بِهَذِهِ الصّفة إِلَّا أنني مَا أتحقق كسر ثنيته الْعليا وعَلى الْجُمْلَة فَكَانُوا أشكالاً عَجِيبَة)

حَتَّى إِنَّهُم حاكوها فِي الخيال ونظم فيهم الأديب السراج المحار قَالَ أَنْشدني الشَّيْخ يحيى الخباز قَالَ أَنْشدني المحّار

جتنا عجم من جوّا الرّومصور تحير فِيهَا الأفكار
لَهُم قُرُون مثل الثيرانإِبْلِيس يَصِيح مِنْهُم زنهار
جا كل وَاحِد لَو شَارِبطَوِيل ودقنو محلوقة
كنّو على فمو عَثْرَةبِلَا خياطَة ملزوقة
أَقوام خوارج غيريةمثل البهايم مرزوقة
شي مَا نظرناه فِي الدُّنْيَاوَلَا سمعناه فِي الْأَخْبَار
مَا أنزل الله بِهِ من سُلْطَانوَلَا رَضِي عنّو الْمُخْتَار
الشَّيْخ براق الّي أغواهموَاخْتَارَ لَهُم هَذَا الحلاس
أكسى المريد مِنْهُم قرنينوَأَعْطَاهُ قلاده من أَجْرَاس
وَأما الكعاب المصبوغةقَالَ هِيَ سبح هذي الْأَجْنَاس
وايما مَكَان حلوا فِيهِيسبحوا تَسْبِيح الفار
وان زمزموا تسمع أصواتمقارع أهل النَّار فِي النَّار
أعز من تبصر فيهمقبض الدكاكين فِي الْأَسْوَاق
خد من صغرهم عودهملحس الزبادي والأمراق
مَا يعرفوا آدَاب النَّاسوَلَا إيش تكون حسن الْأَخْلَاق
ومحتسبهم قَالَ لي إِنْسَانكَانَ تربية وَاحِد خمّار
تَعب عَلَيْهِ حَتَّى انّو جامثلو نحارف قَود شلار
جَازَ الْقَوْم وراموا فِيهَاغاره فِي سوق الجزارين
على اللوايا المعلوفةوأكثرها مَعَ ذَا السلاخين
وَرَاح يجردهم ماعودايم فِي سوق الطباخين
وَيطْلب البنجك مِنْهُمالمخبوز الْخَاص والخشكار
وَهُوَ يَدُور بَين الْبلدَانِدايم وَيعْمل ذَا البيكار
يَا شيخ براق وَالله إِنَّكقد جيت فِي الدُّنْيَا بدعه

)

وَمَا رَأَيْنَاك فِي جَامعصليت سوى إِن كَانَ يَوْم جمعه
وَكَانَ مرادك إِن يشهرلَك فِي بِلَاد الشَّام سَمعه
وجيت ليهم فِي حَالَةظهر عَلَيْك فِيهَا إِنْكَار
وَمَا رَأينَا من قبلكفَقير بسبعين جوكندار
يَا من لَا يتَحَقَّق شكلوأَقف نقل لَك كَيفَ وصفو
إِنْسَان قرونو فَوق راسووجوكانو من فَوق كتفو
وَسيف خشب مغمود ماعووالطبلخاه من خلفو
يصنجوا بالصينيةوالطبل مكه والمزمار
شَيْء تضحك النَّاس من فعلووقط مَا يُرْضِي الحضار
يَا شيخ براق إِن كَانَ تعْملشغل الفقيري من حَقًا
تقَوِّي من زَاد التَّقْوَىواركب طَرِيق أهل الخرقا
وَلَا تغرك ذِي الدُّنْيَاوالآخره خير لَك وَأبقى
وَإِن كَانَ فِي عزمك مَا تَبْرَححليق وَمَا تخشى من عَار
الْوَاجِب إِنَّك تتبعطَرِيق حميد ذَاك المحار
أَنْت الْغَرِيب جبت فِي فنكونا الوحيد جيت فِي فني
نظمت أحسن مَا ينْقلعَنْك وَمَا يرْوى عني
قِطْعَة مَا يسْمعهَا إِنْسَانإِلَّا ويطلبها مني
تبقى على مر الْأَزْمَانتَدور على روس الأدوار
وكنيتي مَا حلا ماجتمخفية بَين هذي الأسطار

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْبَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.