تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الجحاف بن حَكِيم الْقَيْسِي

الجحاف بن حَكِيم بن عَاصِم بن قيس بن سِبَاع بن خزاعى بن محَارب ابْن مرّة بن فالج بن ذكْوَان بن ثَعْلَبَة بن بهتة بن سليم بن مَنْصُور

لما كَانَت سنة ثلاثٍ وَسبعين لِلْهِجْرَةِ وَقتل عبد الله بن الزبير وهدأت الْفِتْنَة وَاجْتمعَ النَّاس على عبد الْملك وتكافت قيس وتغلب عَن الْمَغَازِي بِالشَّام والجزيرة وَظن كل واحدٍ من الْفَرِيقَيْنِ أَن عِنْده فضلا لصَاحبه وَتكلم عبد الْملك فِي ذَلِك وَلم يحكم الصُّلْح فِيهِ فبيناهم على تِلْكَ الْحَال إِذْ أنْشد الأخطل عبد الْملك وَعِنْده وُجُوه قيس من الطَّوِيل

أَلا سَائل الجحاف هَل هُوَ ثَائِربقتلي أُصِيبَت من سليم وعامر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا سائل الجحاف هل هو ثائر»
أجحاف إِن نهبط عَلَيْك فتلتقيعَلَيْك بحور طاميات الزاواخر
تكن مثل أقذاء الْحباب الَّذِي جرىبِهِ الْبَحْر تسقيه ريَاح الصراصر

فَوَثَبَ الجحاف يجر مطرفه وَمَا يعلم من الْغَضَب فَقَالَ عبد الْملك للأخطل مَا أحسبك إِلَّا قد اكسبت قَوْمك شرا

فافتعل عهدا من عبد الْملك على صدقَات بكر وتغلب فصحبه من قومه نَحْو من ألف فَارس فَسَار بهم حَتَّى بلغ الرصافة ثمَّ كشف لَهُم أمره وأنشدهم مَا قَالَه الأخطل وَقَالَ إِنَّمَا هِيَ النَّار أَو الْعَار فَمن صَبر فليقدم وَمن كره فَليرْجع فَقَالُوا نَحن مَعَك

فصاروا إِلَى الْبشر وَهُوَ وَاد لبني تغلب فَأَغَارُوا عَلَيْهِم لَيْلًا وقتلوهم وبقروا من النِّسَاء من كَانَت حَامِلا وَمن كَانَت غير حاملٍ قتلوها وَقتل ابْن للأخطل يُقَال لَهُ غياث

ثمَّ إِن الجحاف هرب من بعد ذَلِك وَفرق عَنهُ أَصْحَابه وَلحق بالروم

فَلحقه عُبَيْدَة بن تَمام التغلبي دون الدَّرْب فكر عَلَيْهِ الجحاف فَهَزَمَهُ وَهزمَ أَصْحَابه وَمكث زميناً فِي الرّوم وَقَالَ فِي ذَلِك من الطَّوِيل

فَإِن تطردوني تطردوني وَقد جرىبِي الْورْد يَوْمًا فِي دِمَاء الأراقم
للشاعر الجحاف السلمي، اقرأ القصيدة
لدن ذَر قرن الشَّمْس حَتَّى تلبستظلاماً بركض المقربات الصلادم

وَأقَام هُنَاكَ حَتَّى سكن غضب عبد الْملك وكلمته القيسية فِي أَن يُؤمنهُ فلَان لَهُم فَقيل لَهُ إِنَّا وَالله لَا نَأْمَنهُ على الْمُسلمين أَن يَأْتِي بالروم

فَأَمنهُ فَأقبل فَلَمَّا قدم على عبد الْملك لقِيه الأخطل فَقَالَ لَهُ الجحاف من الطَّوِيل)

أَبَا مالكٍ هَل لمتني إِذْ حضضتنيعلى الْقَتْل أم هَل لامني فِيك لائمي
أَبَا مالكٍ إِنِّي أطعتك فِي الَّتِيحضضت عَلَيْهَا فعل حران حَازِم
فَإِن تدعني أُخْرَى أجبك بِمِثْلِهَاوَأَنِّي لطّب بالوغى جد عَالم

فَرَأى عبد الْملك أَنه إِن تَركهم على حَالهم كَأَنَّهُ لم يحكم الْأَمر فَأمر الْوَلِيد بن عِنْد الْملك فَحمل الدِّمَاء الَّتِي كَانَت قبل ذَلِك بَين قيس وتغلب وَضمن الجحاف قَتْلَى الْبشر وألزمه إِيَّاهَا عُقُوبَة لَهُ فَأدى الْوَلِيد الحمالات وَلم يكن عِنْد الجحاف مَا يُؤَدِّي فلحق بالحجاج يسْأَله لِأَنَّهُ من هوَازن فَسَأَلَهُ الْإِذْن فَمَنعه فلقي أَسمَاء بن خَارِجَة فعصب حَاجته بِهِ فَقَالَ إِنِّي لَا أقدر لَك على مَنْفَعَة قد علم الْأَمِير بمكانك

وأبى أَن يَأْذَن لَك

فَقَالَ لَا وَالله لَا ألزمها غَيْرك ثمَّ إِن الْحجَّاج أعطَاهُ مِائَتي ألفٍ وَخمسين ألفا ثمَّ إِن الجحاف تأله بعد ذَلِك وَحج وَمَعَهُ مشيخة قد حزموا أنفسهم ولبسوا الصُّوف وَمَشوا إِلَى مَكَّة وَخرج النَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِم وَسمع عبد الله بن عمر الجحاف وَقد تعلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَمَا أَرَاك تفعل

فَقَالَ لَهُ ابْن عمر يَا هَذَا لَو كنت الجحاف مَا زِدْت على هَذَا القَوْل قَالَ فَأَنا الجحاف فَسكت

وسَمعه مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب ﵄ وَهُوَ يَقُول ذَلِك فَقَالَ لَهُ يَا عبد الله قنوطك من عَفْو الله أعظم من ذَنْبك

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْجِيم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.