من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
رَأس الْجَهْمِية
جهم بن صَفْوَان رَأس الْجَهْمِية الَّذِي ينسبون إِلَيْهِ من المجبّرة ظَهرت بدعته بترمذ وَقَتله سَالم بن أحوز الْمَازِني فِي آخر ملك بني أُميَّة ذهب إِلَى أَن الْإِنْسَان لَا يُوصف بالاستطاعة على الْفِعْل بل هُوَ مجبور بِمَا يخلقه الله تَعَالَى من الْأَفْعَال على حسب مَا يخلقه فِي سَائِر الجمادات وَأَن نِسْبَة الْفِعْل إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ بطرِيق الْمجَاز كَمَا يُقَال جرى المَاء وطلعت الشَّمْس وتغيَّمت السَّمَاء إِلَى غير ذَلِك
وَوَافَقَ الْمُعْتَزلَة فِي نفي صِفَات الله الأزليّة وَزَاد عَلَيْهِم بأَشْيَاء مِنْهَا أَنه نفى كَونه حيّاً عَالما وَأثبت كَونه عَالما قَادِرًا وَمِنْهَا أَنه أثبت للباري تَعَالَى علوماً حَادِثَة لَا فِي محلّ
وَمِنْهَا أَنه قَالَ لَا يجوز أَن يعلم الله تَعَالَى الشَّيْء قبل خلقه قَالَ لِأَنَّهُ لَو علم بِهِ قبل خلقه لم يخل إمّا أَن يكون علمه بِأَنَّهُ سيوجده يبْقى بعد أَن يوجده أم لَا لَا جَائِز أَن يبْقى لِأَنَّهُ بعد أَن أوجده لَا يبْقى الْعلم بِأَنَّهُ سيوجده لأنّ الْعلم بأنّه أوجده غير الْعلم بِأَنَّهُ سيوجده ضَرُورَة وإلاّ لانقلب الْعلم جهلا وَهُوَ على الله سُبْحَانَهُ محَال وَإِن لم يبْق علمه بِأَنَّهُ سيوجده بعد أَن أوجده فقد تغير والتغيّر على الله محَال وَإِذا ثَبت هَذَا تعيّن أَن يكون علمه حَادِثا بحدوث الإيجاد لِأَن ذَلِك
يُؤَدِّي إِلَى أنّ ذَاته مَحل للحوادث وَهُوَ محَال وإمّا أَن يحدث فِي مَحل وَهُوَ أَيْضا محَال لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَن يكون الْمحل مَوْصُوفا بِعلم الْبَارِي تَعَالَى وَهُوَ محَال بتعيّن أَن يكون علمه حَادِثا لَا فِي مَحل وَمِنْهَا أَنه قَالَ الثَّوَاب وَالْعِقَاب والتكليف جبرٌ كَمَا أَن أَفعَال الْعباد جبرٌ
وَمِنْهَا أَنه قَالَ إِن حركات أهل الْجنَّة وَالنَّار تَنْقَطِع وَمِنْه أَخذ أَبُو الْهُذيْل وَأَتْبَاعه من الْمُعْتَزلَة
وَمِنْهَا أَن النَّار والجنّة يفنيان بعد دُخُول أهلهما إِلَيْهِمَا قَالَ لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر حركات لَا تتناهى أَولا فَكَذَلِك لَا يتصوَّر حركاتٌ لَا تتناهى آخرا وَحمل قَوْله تَعَالَى خَالِدين فِيهَا أبدا على الْمُبَالغَة واستدلّ على الِانْقِطَاع بقوله تَعَالَى إِلَّا مَا شَاءَ رَبك وَلَو كَانَ مُؤَبَّدًا بِلَا انْقِطَاع لما اسْتثْنى وَوَافَقَ الْمُعْتَزلَة فِي نفي الرُّؤْيَة وَإِثْبَات خلق الْكَلَام وَإِيجَاب المعارف بِالْعقلِ
وَكَانَ السّلف الصَّالح ﵃ من أَشد النَّاس ردّاً على جهم لبدعه القبيحة وَكَانَت قتلته فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ والمئة وَكَانَ ذَا أدب وَنظر وذكاءٍ وفكر وجدال ومراء وَكَانَ كَاتب الْأَمِير الْحَارِث بن شُرَيْح التَّمِيمِي الَّذِي وثب على نصر بن سيّار وَكَانَ جهم هُوَ وَمُقَابل بن سُلَيْمَان)
بخراسان طرفِي نقيض هَذَا يُبَالغ فِي النَّفْي والتعطيل وَهَذَا يسرف فِي الْإِثْبَات والتجسيم فَيَقُول إِن الله جسم وَلحم وَدم على صُورَة الْإِنْسَان تَعَالَى الله عَن ذَلِك ترك الصَّلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَأنْكر عَلَيْهِ الْوَالِي فَقَالَ إِذا ثَبت عِنْدِي من أعبده صليت لَهُ فَضرب عُنُقه
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع