تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

أَبُو فراس بن حمدَان

الْحَارِث بن أبي الْعَلَاء سعيد بن حمدَان بن حمدون الحمداني الْأَمِير أَبُو فراس ابْن عَم نَاصِر الدولة وَسيف الدولة قَالَ الثعالبي كَانَ فَرد دهره وشمس عصره أدباً وفضلاً وكرماً ومجداً وبلاغة وبراعةً وفروسية وشجاعة وشعره مَشْهُور سيّار بَين الْحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة وَمَعَهُ رواء الطّبع وسمة الظّرف وعزّة الْملك وَلم تَجْتَمِع هَذِه الْخلال قبله إلاّ فِي شعر عبد الله بن المعتز وَأَبُو فراس يعدّ أشعر مِنْهُ عِنْد أهل الصَّنْعَة بِنَقْد الْكَلَام وَكَانَ الصاحب ابْن عباد يَقُول بدىء الشّعْر بِملك وَختم بِملك يَعْنِي أمرأ الْقَيْس وَأَبا فراس

وَكَانَ المتنبي يشْهد لَهُ بالتقدم والتبريز ويتحامى جَانِبه فَلَا ينبري لمباراته وَلَا يجترىء على مجاراته وَإِنَّمَا لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدَان تهيباً لَهُ وإجلالاً لَهُ لَا إغفالاً وَلَا إخلالاً

وَكَانَ أَبُو فراس يعجب جدا بمحاسن أبي فراس ويميزّه بالإكرام على سَائِر قومه ويستصحبه فِي غَزَوَاته ويستخلفه فِي أَعماله

وَكَانَت الرّوم قد أسرته فِي بعض وقائعها وَهُوَ جريح قد أَصَابَهُ نصلٌ فِي فَخذه ونقلته إِلَى

خرشنة ثمَّ مِنْهَا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلاثمئة وقداه سيف الدولة سنة خمس وخسمين

قَالَ القَاضِي شمس الدّين أَحْمد بن خلكان رَحمَه الله تَعَالَى هَكَذَا قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الزّراد الدَّيلمي وَقد نسبوه فِي ذَلِك إِلَى الْغَلَط وَقَالُوا أسر أَبُو فراس مرّتين فالمرة الأولى)

بمغارة الْكحل سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَمَا تعدَّوا بِهِ خرشنة يُقَال إِنَّه ركب فرسه وركضه بِرجلِهِ فَأَهوى بِهِ من أَعلَى الْحصن إِلَى الْفُرَات والمرة الثَّانِيَة أسرته الرّوم على منبج فِي شَوَّال سنة إِحْدَى وَخمسين وَحَمَلُوهُ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَأقَام فِي الْأسر أَربع سِنِين وَله فِي أسره أشعار كَثِيرَة مثبتةٌ فِي ديوانه وَكَانَت منبج إقطاعه

وَقَالَ ثَابت بن سِنَان الصّابي فِي تَارِيخه قَالَ فِي يَوْم السبت لليلتين خلتا من جُمَادَى الأولى سنة سبع وَخمسين وثلاثمئة جرت حَرْب بَين أبي فراس وَكَانَ مُقيما بحمص وَبَين أبي الْمَعَالِي بن سيف الدولة وَاسْتظْهر عَلَيْهِ أَبُو الْمَعَالِي فَقتله فِي الْحَرْب وَأخذ رَأسه وَبقيت جثته مطروحة فِي البريّة إِلَى أَن جَاءَ بعض الْأَعْرَاب وكفّنه وَدَفنه

وَقَالَ غَيره كَانَ أَبُو فراس خَال أبي الْمَعَالِي فَلَمَّا بلغت وَفَاته أم أبي الْمَعَالِي لطمت وَجههَا وقلعت عينهَا وَكَانَ مولده سنة عشْرين وثلاثمئة فَعَاشَ سبعا وَثَلَاثِينَ سنة وَقَالَ ابْن خلكان رَأَيْت فِي ديوانه أنّه لما حَضرته الْوَفَاة كَانَ ينشد ابْنَته مُخَاطبا لَهَا من مجزوء الْكَامِل

نوحي عليَّ بحسرةٍمن خلف سترك والحجاب
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أبنيتي لاتحزني»
قولي إِذا كلَّمتنيفعييت عَن ردِّ الْجَواب

زين الشّباب أَبُو فراس لم يمتَّع بالشباب وَهَذَا يدل على أَنه لم يقتل أَو يكون قد جرح وَتَأَخر مَوته ثمَّ مَاتَ من الْجراحَة

وَمن شعره من الْكَامِل

الْمَرْء نصب مصائب لَا تَنْقَضِيحَتَّى يوارى جِسْمه فِي رمسه
فمؤجَّلٌ يلقى الرَّدى فِي غَيرهومعجَّل يلقى الردى فِي نَفسه

وَمِنْه من الطَّوِيل

مرام الْهوى صعبٌ وَسَهل الْهوى وعروأوعر مَا حاولته الحبُّ والصَّبر
أواعدتي بالوصل وَالْمَوْت دونهإِذا متّ ظمآناً فَلَا نزل الْقطر
بدوت وَأَهلي حاضرون لأنّنيأرى أنّ دَارا لست من أَهلهَا قفر
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»
وَمَا حَاجَتي فِي المَال أبغي وفورهإِذا لم يفر عرضٌ فَلَا وفر الوفر
هُوَ الْمَوْت فاختر مَا علا لَك ذكرهفَلم يمت الْإِنْسَان مَا حييّ الذّكر
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع»
وَقَالَ أصيحابي الْفِرَار أَو الرّدىفَقلت هما أَمْرَانِ أحلاهما مرُّ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»

)

سيذكرني قومِي إِذا جدَّ جدّهموَفِي اللَّيْلَة الظلماء يفتقد الْبَدْر
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»
وَلَو سدّ غَيْرِي مَا سددت اكتفوا بِهِوَمَا كَانَ يغلو التبر لَو نفق الصُّفر
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع»
وَنحن أناسٌ لَا توسُّط عندنَالنا الصَّدْر دون الْعَالمين أَو الْقَبْر
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»
تهون علينا فِي الْمَعَالِي نفوسناوَمن طلب الْحَسْنَاء لم يغلها مهر
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر»

وَمن شعره من الطَّوِيل

أَسَاءَ فزادته الْإِسَاءَة حظوةًحبيبُ على مَا كَانَ من حبيب
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أساء فزادته الإساءة حظوة»
يعدّ عليّ الواشيان ذنُوبهوَمن أَيْن للْوَجْه الْمليح ذنُوب

وَمِنْه من الْكَامِل

وَقد كنت عدَّتي الَّتِي أسطو بهَاويدي إِذا اشتدّ الزَّمَان وساعدي
فرميت مِنْك بِغَيْر مَا أمَّلتهوالمرء يشرق بالزلال الْبَارِد
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «إني منعت من المسير إليكم»

وَمِنْه من الْبَسِيط

سكرت من لحظه لَا من مدامتهوَمَال بالنَّوم عَن عَيْني تمايله
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «سكرت من لحظه لا من مدامته»
فَمَا السُّلاف دهتني بل سوالفهوَلَا الشَّمول ازدهتني بل شمائله
ألوت بعزمي أصداغٌ لوين لَهُوغال قلبِي بِمَا تحوي غلائله

وَمِنْه فِي مَمْلُوكه من الْخَفِيف

يَا غلامي بل سيّدي مَا أملّكهَب لمولاك لَا عدمتك فضلك
خوف أَن يصطفيك بعدِي غَيْرِيلَا أرى أَن أَقُول قدِّمت قبلك

وَمِنْه من مجزوء الْكَامِل لَا تطلبنَّ دنوَّ دَار من خَلِيل أَو معاشر أبقى لأسباب الموددة أَن تزار وَلَا تجاور وَمِنْه من الطَّوِيل

أيا عاتباً لَا أحمل الدَّهر عَتبهعليّ وَلَا عِنْدِي لأنعمه جحد
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أيا عاتبا لا أحمل الدهر عتبه»
سأسكت إجلالاً لعلمك إِنَّنِيإِذا لم تكن خصمي لي الْحجَج اللُّدُّ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أيا عاتبا لا أحمل الدهر عتبه»

وَمِنْه من الوافر

أما من أعجب الْأَشْيَاء علجٌيعرّفني الْحَلَال من الْحَرَام
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «يعز على الأحبة بالشآم»

)

بَنو الدُّنْيَا إِذا مَاتُوا سواءٌوَلَو عمر المعمِّر ألف عَام
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «يعز على الأحبة بالشآم»

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الْحَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.