من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الجنّابي القرمطي
الْحسن بن أَحْمد بن أبي سعيد الجنَّابي بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد النُّون وَبعد الْألف يَاء مُوَحدَة نِسْبَة إِلَى جنَّابة وَهِي بلدةٌ صَغِيرَة من سواحل فَارس بن جنّابة وسيراف أربعةٌ وَخَمْسُونَ فرسخاً القرمطي الْمَعْرُوف بالأعصم بهمزةٍ وَعين مُهْملَة وصاد مُهْملَة بعْدهَا مِيم مولده بالاحساء وَتُوفِّي بالرَّملة سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمئة غلب على الشَّام وَكَانَ كَبِير القرامطة واستناب على دمشق وشاح بن عبد الله وَقدم إِلَى دمشق نَائِبا وَكسر جَيش المصريين
وَقتل مِنْهُم جَعْفَر بن فلاح ثمَّ أنّه توجَّه إِلَى مصر وحاصرها شهوراً واستخلف على دمشق ظَالِم بن مرهوب الْعقيلِيّ وَكَانَ يظْهر طَاعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ الطائع وَلما قصد القرمطي أَبُو عَليّ أَحْمد مصر جرت بَينه وَبَين جَوْهَر الْقَائِد حربٌ بِعَين شمسٍ وَانْهَزَمَ القرمطي وَرجع إِلَى الأحساء من أَرض الْبَحْرين ثمَّ أنّه تجهَّز وَعَاد إِلَى الشَّام وَجَرت لَهُ بهَا خطوبٌ وحروبٌ وَاجْتمعَ مَعَ الفتكين الشرابي التركي غُلَام معز الدَّولة لما انهزم من بَغْدَاد من عضد الدولة على حَرْب الْعَزِيز صَاحب مصر وواقعهما الْعَزِيز على بَاب دمشق وَجَرت بَينهم حربٌ شديدةٌ معروفةٌ فِي التواريخ أسر فِيهَا الفتكين وَانْهَزَمَ أَبُو عَليّ القرمطي إِلَى الأحساء ثمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّام وتردَّدت الرُّسُل بَينه وَبَين صَاحب مصر حَتَّى استقرّت الْحَال على المهادنة وقرَّروا لَهُ مَالا يحمل إِلَيْهِ فِي كل عامٍ حَتَّى كفَّ عَن أَعْمَالهم وَضمن حراسة الحجيج فِي صدرهم عَن مصر وَالشَّام وعودهم وَمن شعره يصف الحجل من الطَّوِيل
ولابسةٍ ثوبا من الخزِّ أدكناوَمن أَحْمَر الديباج راناً ومعجرا
مطوَّقة فِي النَّحْر سبْحَة عنبرٍعلى أَنَّهَا لم تلتمس أَن يعطرا
لَهَا مقلنا جزع يمانٍ تحملتمآقيهما فِي مَوضِع الْكحل عصفرا
مطرَّزة الكمين طرزاً تخالهاإِذا لحظتها الْعين ثوبا محيِّرا
ترَاهَا تعاني الضحك عجبا بِنَفسِهَاإِذا أمنت من أَن تخَاف وتذعرا
كَمثل الْفَتى الغضّ الشبيبة مظْهرالفرط التصابي والنشاط تبخترا
فتظهر عِنْد الْأَمْن مِنْهَا تبرُّجاوَتظهر عِنْد الْخَوْف مِنْهَا تستُّرا
وَمِنْه من الْكَامِل
مَا ضرَّ من لبس الملاحة مغفراًوالبدر سَيْفا والغزالة جوشنا
)
لَو كَانَ أنعم أَو أَقَامَ على الوفاأَو كَانَ أجمل أودنا أَو أحسنا
يَا قلبه القاسي ورقة خدّهألاّ نقلت إِلَى هُنَا من هَهُنَا
وَكَانَ أَبُو عَليّ القرمطي يعشق أَبَا الذوَّاد المفرّج بن دَغْفَل بن الجرَّاح فَدخل عَلَيْهِ يَوْمًا وَفِي وَجهه أثرٌ فَسَأَلَهُ عَنهُ فَقَالَ
قبلتني الحمَّى فَقَالَ من الْخَفِيف
قبلته الحمَّى ولي أتمنَّىقبْلَة مِنْهُ من زمانٍ طَوِيل
حَاجَة طالما تردَّدت فِيهَاقضيت للغريب قبل الْخَلِيل
وَفِيه يَقُول من المجتث هَل لنا فرجةٌ إِلَيْك أبن يَا مفرَّج لامني فِيك معشرٌ هم إِلَى اللوم أحْوج كَيفَ لم يسبهم عذارك هَذَا المدرَّج وَكَانَ أَبُو عَليّ القرمطي قد وقَّع فِي آخر يومٍ من أَيَّام حَيَاته توقيعاً بِخَطِّهِ لم يفهم من ضعف يَده فاستثبت فِيهِ فبيَّنه ثمَّ قَالَ وَمَات من يَوْمه من الوافر
رَأَوْا خطّي نحيلاً فاستدلّوابِهِ منّي على جسمٍ نحيل
وَقد قوَّيت أسطره بجهديوَلَكِن مَا اسْتَحَالَ من الذبول
وَكَانَ أَبُو عَليّ قَصِيرا وَلَا يركب من الْخَيل إلاّ كلَّ جبَّارٍ فَكَانَ لَهُ كرسيٌ من خشبٍ لطيف يصعد عَلَيْهِ حَتَّى ينَال الْفرس فيركبه قَالَ صَاحب كتاب الْإِشْعَار بِمَا للملوك من النَّوَادِر والأشعار أنّ أَبَا عليٍّ الْحسن بن أَحْمد القرمطي قَالَ فِي بعض اللَّيَالِي لكَاتبه أبي نصر بن كشاجمٍ مَا يحضرك فِي هَذِه الشموع فَقَالَ إِنَّمَا نحضر مجْلِس السيّد لنسمع من كَلَامه ونستفيد من أدبه فَقَالَ القرمطي بديهاً من المتقارب
ومجدولةٍ مثل صدر الْقَنَاةتعرَّت وباطنها مكتس
لَهَا فعلةٌ هِيَ روحٌ لَهَاوتاجٌ على هَيْئَة الْبُرْنُس
إِذا غازلتها الصَّبا حرَّكتلِسَانا من الذَّهَب الأملس
وَإِن رنقت لنعاسٍ عراوقطَّت من الرَّأْس لم تنعس
وتنتج فِي وَقت تلقيحهاضِيَاء يجلي دجى الحندس
فَنحْن من النُّور فِي أسعدٍوَتلك من النَّار فِي أنحس
)
فَقَامَ أَبُو نصرٍ وقبَّل الأَرْض وَقَالَ من المتقارب
وليلتنا هَذِه ليلةٌتشاكل أشكال إقليدس
فيا ربَّة الْعود حثّي الْغِنَاوَيَا حَامِل الْعود لَا تجْلِس
وَمن شعر القرمطي أَيْضا من الْبَسِيط
إِنِّي وقومي فِي أَحْسَاب قَومهمْكمسجد الْخيف فِي بحبوحة الْخيف
مَا علِّق السِّيف منّا بِابْن عاشرةٍإِلَّا وهمَّته أمضى من السَّيف
وَمِنْه من الْكَامِل
زعمت رجال الْعَرَب أَنِّي رهبتهافدمي إِذا مَا بَينهَا مطلول
يَا مصر إِن لم أسق أَرْضك من دمٍيروي ثراك فَلَا سقاني النّيل
وَمِنْه يردّ على من عيَّره بِالْقصرِ من الْخَفِيف
زَعَمُوا أنني قصيرٌ لعمريمَا تكال الرِّجَال بالقفزان
إِنَّمَا الْمَرْء بِاللِّسَانِ وبالقلبب وَهَذَا قلبِي وَهَذَا لساني وكنيته أَبُو محمدٍ وَقيل أَبُو عَليّ وَكَانَ يعرف أَيْضا بالقصير الثِّيَاب وَسَيَأْتِي ذكر جدِّه أبي سعيدٍ الْحسن بن بهرامٍ القرمطي أصل القرامطة وَذكر سُلَيْمَان بن الْحسن فِي حرف السّين فِي مَكَانَهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع