من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
عرقلة الدِّمَشْقِي
حسان بن نمير بن عجلٍ أَبُو النَّدى الْكَلْبِيّ الدِّمَشْقِي الشَّاعِر النديم الخليع المطبوع الْمَعْرُوف بعرقلة كَانَ وعده السُّلْطَان صَلَاح الدّين إِن أَخذ الديار المصرية أَن يُعْطِيهِ ألف دِينَار فَلَمَّا أَخذهَا قَالَ من الْبَسِيط
قل للصلاح معيني عِنْد إقتارييَا الفل مولَايَ أَيْن الْألف دِينَار
أخْشَى من الْأسر إِن حاولت أَرْضكُموَمَا تفي جنَّة الفردوس بالنَّار
فجد بهَا عاضديَّات موفرةًمن بعد مَا خلَّف الطاغي أَخُو الْعَار
حمراً كأسيافكم غرَّاً كخيلكمعتقا ثقالاً كأعدائي وأطماري
فَأعْطَاهُ ألفا وَأخذ لَهُ من إخْوَته مثلهَا فَجَاءَهُ الْمَوْت فَجْأَة وَلم ينْتَفع بفجعة الْغِنَا وَكَانَت وَفَاته سنة سبعٍ وَسِتِّينَ وخمسمئة وَكَانَ أَعور وَمن شعره من الْبَسِيط
أمّا دمشق فجناتٌ مزخرفةٌللطالبين بهَا الْولدَان والحور
مَا صَاح فِيهَا على أوتاره قمرٌإلاّ وغنَّاه قمريٌّ وشحرور
يَا حبّذا ودروع المَاء ينسجهاأنامل الرّيح إلاّ أَنَّهَا زور
وَمِنْه من الطَّوِيل)
ترى عِنْد من أحببته لَا عدمتهمن السُّوق مَا عِنْدِي وَمَا أَنا صانعُ
جميعي إِذا حدَّثْتُ عَن ذَاك أعينٌوكلّي إِذا نوجيت عَنهُ مسامح
وَمِنْه وَقد تولّى صَلَاح الدّين شحنكيَّة دمشق لنُور الدّين الشَّهِيد من المتقارب
رويدكم يَا لصوص الشَّامفَإِنِّي لكم ناصحٌ فِي الْمقَال
أَتَاكُم سميُّ النَّبِي الْكَرِيم يُوسُف رب الحجى وَالْجمال
فَذَاك يقطّع أَيدي النساوَهَذَا يقطّع أَيدي الرِّجَال
وَمِنْه من الْبَسِيط
عِنْدِي إِلَيْكُم من الأشواق والبرحامَا صيَّر الْجِسْم من بعد الضنى شبحا
أحبابنا لَا تظنّوا بِي سلوَّكمالْحَال مَا حَال والتبريح مَا برحا
لَو كَانَ يسبح صبُّ فِي مدامعهلَكُنْت ول من فِي دمعه سبحا
أَو كنت أعلم أَن الْبَين يقتلنيمَا بنت عَنْكُم وَلَكِن فَاتَ مَا ذبحا
وَمِنْه من الْكَامِل
يَا ليل طرَّته وصبح جَبينهأنصرتماه وأنتما أضداد
بل يَا سنا برق الْجمال بثغرهكَيفَ انخدعت فأحدقت بك صَاد
أمبلبلي بفتون فَتْرَة طرفه النبال حسبي خدَّك الزرَّاد وَكَانَ العرقلة أَعور وَكَانَ يجلس على حَانُوت خياط بِدِمَشْق يعرف بِأبي الْحُسَيْن الْأَعْرَج وَكَانَ لَهُ طبعٌ فِي قَول الشّعْر فَقَالَ لَهُ العرقلة يَوْمًا يداعبه من الوافر
أَلا قل للربيع أبي الْحُسَيْنأَرَانِي الله عَيْنك مثل عَيْني
فَقَالَ الْأَعْرَج مجاوباً لَهُ من الوافر
أَلا قل لِابْنِ كلب لَا ابْن عجلأَرَانِي الله رجلك مثل رجْلي
فَخَجِلَ العرقلة وَانْصَرف عَنهُ وَقَالَ يُشِير إِلَى عوره من الْبَسِيط
أَقُول وَالْقلب فِي همٍّ وتعذيبيَا كل يُوسُف أرْحم نصف يَعْقُوب
وَقَالَ فِي مَحْبُوب لَهُ أَحول من المنسرح
يَا لائمي هَل رَأَيْت أعجب منذِي عورٍ هائم بِذِي حول
أقلُّ فِي عينه وَيكثر فِيعَيْني بضدِّ الْقيَاس والمثل
)
مَا آفتي غير ورد وجنتهوالورد لَا شكّ آفَة الْجعل
مهفهفٌ كالقضيب معتدلوَحكمه فيَّ غير معتدل
قد ذقت مِنْهُ هجراً أمرَّ من الصّبر ووصلاً أحلى من الْعَسَل وَكَانَ قد سَافر إِلَى حلب فاتفق لَهُ أَن ذهبت إِحْدَى عَيْنَيْهِ بهَا فَقَالَ من الطَّوِيل
جفاني صديقي حِين أَصبَحت معدماوأخَّرني دهري وَكنت مقدّما
وسافرت جهلا فانعورت وَإِن أعدإِلَى سفرةٍ أُخْرَى قدمت على الْعَمى
وَكم من طيب قَالَ تبرا أَجَبْتهكذبت وَلَو كنت الْمَسِيح بن مريما
وَقَالَ وَقد جهَّز إِلَيْهِ السُّلْطَان صَلَاح الدّين عشْرين دِينَارا من السَّرِيع
يَا ملكا مَا بَرحت كفُّهتجود بِالْمَالِ على كفّي
أَفْلح بالعشرين من لم يزلفِي رَأس عشْرين من الْكَهْف
يَا ألف مولَايَ وَلكنهَامحسوبةٌ من جملَة الْألف
وَمن شعر عرقلة من الْكَامِل
كتم الْهوى فوشت عَلَيْهِ دُمُوعهمن حرِّ جمرٍ تحتويه ضلوعه
صبٌ تشغل بِالربيعِ وزهرهقومٌ وَفِي وَجه الحبيب رَبِيعه
يَا لائمي فِي من تمنَّع وَصلهعَن بغيتي حلى الْهوى ممنوعه
كَيفَ التخلُّص أَن تجنّى أَو جنىوَالْحسن شيءٌ مَا يردُّ شفيعه
شمسٌ وَلَكِن فِي فُؤَادِي حرُّهابدرٌ وَلَكِن فِي القباء طلوعه
قَالَ العوازل مَا الَّذِي استحسنتهفِيهِ وَمَا يسبيك قلت جَمِيعه
وَمِنْه فِي الخريف من الْكَامِل
خرف الخريف وَأَنت فِي شغلٍعَن بهجة الْأَيَّام والحقب
وراقه صفرٌ وقهوتناصفراء مثل الشَّمْس فِي لَهب
يَأْتِي بهَا غَيْرِي وأشربهاذَهَبا على ذهبٍ بِلَا ذهب
وَقَالَ فِي أبي الْوَحْش ابْن غيلَان من مخلع الْبَسِيط
يَا من إِذا جِئْته سؤولاًوَلست بالسَّائل اللَّجوج
حرَّك لي موعداً بمطلٍحادي عشرٍ من البروج
)
وَقَالَ يهجو من المتقارب
صِفَات القويضي فَتى مشرقٌيحار لَهَا الْعَالم الرَّاسخ
ذكيٌّ ولكنَّه لاذنٌأصيلٌ وَلكنه كامخ
وَقَالَ من الطَّوِيل
يَقُولُونَ قد أرخصت شعرك فِي الورىفَقلت لَهُم إِذْ مَاتَ أهل المكارم
أجازى الشّعْر الشّعير وانهكثيرٌ إِذا خلَّصته من بهائم
وَقَالَ فِي نَاصِر الدّين وَفتح الدّين ابْني شيركوه من السَّرِيع
لله شبلا أسدٍ خادرٍمَا فيهمَا جبنٌ وَلَا شحُّ
مَا أَقبلَا إلاّ وَقَالَ الورىقد جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع